مقالات الرأي

كلام في الطائفية الأكاديمية

 

في شهر أيلول/ سبتمر عام 2013، كنت عضوًا في لجنة علمية، لمناقشة أطروحة ماجستير لأحد الطلاب، في قسم علم الاجتماع بجامعة دمشق، بعنوان: (فاعلية برنامج إرشادي اجتماعي لتأهيل أطفال ذوي متلازمة داون على تفعيل التواصل الاجتماعي: دراسة ميدانية في مؤسسات الإعاقة الذهنية في محافظة اللاذقية).

عادة ما أقرأ الرسالة مرتين: في المرة الأولى أطلع على الجانب المنهجي من الرسالة، فإذا كان مقبولًا؛ وافقت من حيث المبدأ على المناقشة، وهذا ما حصل في مناقشة هذه الرسالة، وفي المرة الثانية أقرأ الرسالة بعمق، وأضع الملاحظات العلمية التي أناقشها مع الطالب والمشرف العلمي على الرسالة في الجلسة العلنية. في هذه الرسالة، تبيّن لي في القراءة الثانية أن الطالب “عفّش” فصلين كاملين والبرنامج الإرشادي، أي بنسبة 80 بالمئة من رسالة ماجستير، من إحدى الجامعات السعودية، دون أي تغيير حتى في الأخطاء المطبعية، من عناوين الفصلين إلى المراجع المستخدمة فيهما. وبعد إظهار السرقة العلمية، والانتهاء من المناقشة العلمية؛ وقف أحد الأكاديميين في القسم، وأعلن أن هذه المناقشة ليست مناقشة علمية موضوعية، وأنها ظاهرة جديدة في الجامعة، واصفًا المناقشة بأنها مبنيّة على أساس طائفي. ولكون موضوع الرسالة يتعلق بذوي الإعاقة الذهنية، ولا يرتبط بأي جانب سياسي على الإطلاق؛ رد أحد الزملاء عليهم متسائلًا: وأين الطائفية في المناقشة؟ فكان جوابه الصادم أن الطالب من ريف الساحل (علوي)، وهذا سبب كاف، وتمتم ببعض الكلمات التي تشير إلى انتمائي إلى المعارضة.

السؤال المطروح، استنادًا إلى هذه الواقعة: هل الإشكالية في انتماء هذا الأكاديمي للطائفة العلوية؟ أم في انتمائه السياسي إلى هذا النظام السياسي الاستبدادي؟ أم في كليهما معًا؟

حتى أبحث في هذه الإشكالية، أجد من الضرورة العودة إلى الوراء قليلًا، وبالتحديد إلى بداية حكم الأسد الأب 1970، حيث أصبحت الجامعات السورية على علاقة عضوية بالنظام السياسي، وإن كان لها -من حيث الشكل- استقلال إداري، ابتداء من الهيمنة الأيديولوجية البعثية على المناهج التعليمية، وبخاصة مواد الثقافة القومية في السنة الأولى والثانية، ومنع النشاط السياسي لبقية الأحزاب السياسية، بما فيها الأحزاب الرديفة (أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية)، وبالتالي تم تحويل الجامعات السورية إلى أداة لنقل أيديولوجية النظام السياسي الاستبدادي وتعميمها على الطلبة.

في الثمانينيات من القرن الماضي، عمد النظام إلى تفريغها من مهماتها العلمية، عندما أوجد مفاضلة خاصة (رشوة علنية) للدخول للجامعة، من خلال الانتماء إلى المظلة العسكرية: الصاعقة، الشبيبة، والحزب وغيرها، بحيث أصبحت الكتلة العظمى من الطلاب السوريين تشعر بأن مصيرها التعليمي أصبح مرتبطًا ارتباطًا عضويًا، ببقاء النظام الاستبدادي في الحكم.

ومع اندلاع الثورة السورية 2011، تحولت مكاتب حزب البعث وملحقاته في الجامعة، إلى مكاتب أمنية لتلقّي التقارير الأمنية اليومية، بحق الأساتذة والطلبة المعارضين للنظام والمتعاطفين مع الثورة، بالتنسيق مع مندوبي الفروع الأمنية في كل كلية، حيث تم تحويل العديد من الأساتذة والطلبة، إلى المعتقلات ومحاكم الإرهاب، للتحقيق معهم، وتحويل المستودعات (الأقبية) الخاصة بالكليات إلى معتقلات تديرها الأجهزة الأمنية، ليسيطر النظام على المؤسسات الأكاديمية سيطرة مطلقة، مثلها مثل المؤسسات العسكرية والأمنية.

بالعودة إلى الأكاديمي الطائفي؛ لا يمكن للأكاديمي الحقيقي أن يكون طائفيًا؟ أو تكون آلية تفكيره طائفية؟ فالأكاديمية العلمية نقيض الفكر الطائفي إلا إذا كان هذا الدكتور من حثالة دكاترة جامعة دمشق، من الذين وصلوا إلى الجامعة عن طريق الإنزال المظلي في الثمانينيات، وأصبح دكتورًا في الجامعة، بقرار مؤسسة أمنية لا مؤسسة علمية، كما تنص اللوائح الإدارية والعلمية في الجامعات، إضافة إلى وجوده في سياق نظام سياسي فاسد وغير وطني، وبالتالي سهولة توظيف الطائفية في المجال الأكاديمي (الجامعات)، والاستحواذ على الجامعة، لتصير أداة في يدٍ طائفة تنظر إلى ذاتها باعتبارها متميزة عن بقية الطوائف الأخرى، كونها الأكثر تضحية في سبيل بقاء النظام في الحكم، وبالتالي يستحق طلابها الحصول على الشهادات العلمية، بغض النظر عن أدائهم العلمي في الامتحانات.

أكاديمي طائفي آخر، في ظل الحراك الطلابي عام 2011، ضد النظام الاستبدادي، يبدأ محاضرته بالقول إن هذه الجامعة للأسد، ومن لا يعجبه؛ فليخرج من القاعة، وأكاديمي آخر كان ينظر إلى هوية الطالب، عند دخوله إلى قاعة الامتحان، متأخرًا دقائق يُسمح بها في نظام امتحانات جامعة دمشق، فإذا تبين أنه من المناطق الثائرة على النظام؛ منعَه من الدخول، وإذا كان من المناطق الداعمة والموالية؛ سمح له بالدخول، مع تقديم التسهيلات المطلوبة للقيام بعمليات الغش الامتحاني.

أكاديمية أخرى عمّمت على الطلاب الامتناع عن قراءة أبحاث وكتب الدكاترة –حتى الصادرة عن جامعة دمشق- المهجرين قسريًا خارج سورية، في بحوثهم العلمية، لكونهم معارضين للنظام.

أما الأكاديمي الطائفي، الذي يحسب نفسه منظرًا سياسيًا، بحكم اختصاصه، وهو في مواقع قيادية إدارية وبعثية، فبدأ ينظر إلى أن حماية الأقليات في سورية لا يمكن أن تتم إلا برئيس دولة من الأقليات، وعندما اعترضتُ على كلامه بلطف، وأبديت رأيًا يؤكد أن الحماية الحقيقية لجميع الطوائف السورية تحصل، من خلال دولة القانون والدستور الجامع لكل السوريين؛ همس أحد الزملاء بإذني ممازحًا: إن تقريرًا أمنيًا سوف يطالك، ويعمم إلى الفروع الأمنية كافة، بعد قليل، وخصوصًا أن التطور التقني سيجعل التقرير الأمني يصل عبر المسنجر والواتس إلى مندوبي الأفرع الأمنية مباشرة.

إذا ما تأملنا هؤلاء الأكاديميين الطائفين، كعيّنة عن غالبية الأكاديميين في الجامعات السورية في تكوينهم العلمي؛ فسنجدهم أبعد من أن يكون لهم أي علاقة بالعلم والتعليم، فهم من أجهل الناس، بأبجديات العلم الحقيقية ومسلمات التفكير العلمي الصحيح، ومع ذلك، استطاعوا أن يغرقوا الساحة التعليمية بسمومهم الطائفية، ويحتلوا مكانًا مهمًا في الجامعات السورية، بعد تهجير أكثر من 40 بالمئة من أعضاء الهيئة التدريسية المعروفين بتميزهم العلمي وأخلاقياتهم المهنية العالية.

هنا، لا بد من التأكيد أن وجود الطوائف، في أي مجتمع، هو ظاهرة طبيعية، بل يمكن استثمارها كمصادر للتنوع الثقافي القيمي والقوة، كماهو الحال في العديد من مجتمعات العالم (الهند والصين وأمريكا وأوروبا)، ومن الناحية الموضوعية، الانتماء الطائفي لا يحتم العداء للطوائف الأخرى، بل إنّ الواقع المعاش، في معظم مجتمعات العالم، يقول بإمكانية التعايش الطبيعي. ولا سيّما في المجتمعات المعاصرة، حيث من الطبيعي أن ينتمي الفرد إلى دوائر انتماء متعددة، منها الوطني والقومي والسياسي والمهني والجيلي وأيضًا الطائفي، والشعور بهذه الانتماءات هو انتماء دينامي متحرك في تسلسل المراحل التاريخية، وضمن السياق الاجتماعي الثقافي الذي يوجد فيه الفرد.

أما ما يجعل الطائفية غير طبيعية، فهو استثمارها لدى بعض (المنتمين إلى الطائفة العلوية) في العلاقات الوظيفية المهنية، كما هو الحال في المؤسسات الأكاديمية في سورية، وبالتالي من الطبيعي أن يكون رئيس جامعة دمشق -على سبيل المثال- من الطائفة السنية، ونوابه من الطائفة العلوية والمسيحية، ولكن القرار الأول والأقوى هو للنائب العلوي، كما يصرح أحد الأكاديميين من الطائفة العلوية دائمًا، في مجالسه العلنية والعامة، علمًا أن التقاسم الوظيفي الطائفي غير موجود في اللوائح القانونية، كما في لبنان، لكنه موجود على أرض الواقع في سورية، وأصبح علنيًا، بعد أن كان متواريًا، إلى حد ما، في عهد حكم الأسد الأب، وهكذا في بقية الكليات العلمية والمؤسسات الإدارية والوظيفية، كما هو حال المؤسسات العسكرية والأمنية.

أعتقد أن وقوف غالبية هؤلاء الأكاديميين المنتمين إلى الطائفة العلوية، بالتحديد، إلى جانب النظام، في مرحلة الأسد الأب، وحاليًا بعد الثورة السورية، لا يعود إلى كونهم ينتمون إلى الطائفة العلوية كجماعة دينية، وإنما إلى الامتيازات التي منحهم إياها النظام السياسي الأسدي، في علاقاتهم الاجتماعية والوظيفية، في الحياة اليومية مع الآخرين من بقية أفراد المجتمع السوري، بحيث أوهمهم بأن استمرارهم في هذا المستوى من الامتيازات، تجاه زملاء لهم من الطوائف الأخرى، يتم من خلال الالتفاف حوله والتضحية من أجله، وهو العامل الدافع وراء ظهور الطائفة العلوية كقوة متجانسة، إلى حد ما، إلى جانب النظام، مقارنة ببقية الطوائف في المجتمع السوري، في السنوات السبع الأخيرة.

هذا ما ولّد كراهية متبادلة، بين غالبية أفراد الطائفة العلوية (الطائفيين) وأفراد بقية أفراد الطوائف الأخرى (الطائفيين) التي لم تلد معهم، إنما اكتسبت وتكونت من خلال ثقافة الخوف من الآخرين (أفراد الطوائف الأخرى) لديهم، والتي عززها النظام طوال فترة حكم الأسد الأب والابن، وبالتالي استطاع النظام استغلال هواجس مشاعرهم، وتوجيهها نحو بناء نسق اجتماعي ثقافي من الكراهية والخوف والاحتماء بهما تجاه الآخرين.

أخيرًا: إن الانتقال من الحديث المتواري عن إشكالية الطائفية في سورية، إلى دائرة البحث والنقاش العلمي الرصين والعلني، هو أمرٌ مُلح وضروري في هذا الوقت، لوضع المشكلة على طاولة البحث العلمي النقدي والمعرفي، بعد أن غيّبه النظام طويلًا، وهو بداية الحل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق