المرأة هي الأصل

 

تسود في الأديان الإبراهيمية فكرة أن المرأة مخلوقة من ضلع آدم، ووفقًا للقصة التوراتية الواردة في سفر التكوين، فإن الله قد خلق آدم من الطين في الجنة، ثم رأى أنه ليس حسنًا أن يكون آدم وحده، فقرر خلق رفيق له يعينه، (فأوقع الرب الإله سباتًا على آدم فنام، فأخذ واحدة من أضلاعه وملأ مكانها لحمًا. وبنى الرب الإله الضلعَ التي أخذها من آدم امرأةً وأحضرها إلى آدم. فقال آدم: “هذه الآن عظم من عظامي ولحم من لحمي. هذه تدعى امرأة لأنها من امرئ أخذت”. لذلك يترك الرجل أباه وأمه، ويلتصق بامرأته ويكونان جسدًا واحدًا). (سفر التكوين 2: 21-24).

هذه القصة حافظ عليها اللاهوت المسيحي دون أي تعديل، وهي قد امتدت أيضًا إلى التقليد الإسلامي، لكنها ليست موضع إجماع، إذ إن ثمة خلافات حول تفاسير الآيات والأحاديث المتعلقة بخلق آدم وحواء، وهي:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء…﴾ [النساء: 1]. و ﴿هوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: 189].

وحديث: «استوصوا بالنساء خيرًا، فإن المرأة خُلقت من ضلع، وإنّ أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته ظّل أعوج، فاستوصوا بالنساء» حسب لفظ البخاري، وقد رواه كل من البخاري ومسلم.

في تفسير هذه المعطيات، ثمة رأيان: الرأي الأول يتبنى المقولة التقليدية في خلق حواء من ضلع آدم، وهو الرأي الشائع، أما الثاني فيقول إنها بدورها أيضًا مخلوقة من طين، وخلقها ابتدأ كما ابتدأ خلق آدم من طين. وبالطبع هذه القصة في الخلق هي إحدى الأسس التي يقوم عليها مبدأ التمييز الجندري، عند أتباع الأديان الإبراهيمية الذين يرفعون مكانة الرجل على حساب المرأة، وينتقصون قدرها.

هذا ما يقال دينيًا، لكن للعلوم آراء مختلفة تمامًا بهذا الشأن، وهذا ما سنتطرق إليه في الفقرات التالية، والغاية من ذلك ليست الدخول في جدل مع المتدينين، حول نشأة الإنسان ذكرًا وأنثى، ولا السعي لتنفيذ آرائهم الإيمانية، وإنما تسليط الضوء على المواقف المختلفة من قضية الذكورة والأنوثة، بين الأديان والعلوم، وما يمكن أن يبنى على ذلك من مواقف اجتماعية على أرضية الواقع.

ماذا تقول العلوم بهذا الشأن؟

تقول البيولوجيا إن الخط الطبيعي للتطور عند الإنسان يمضي باتجاه الأنوثة، فيما تعتبر الذكورة هي المنحى الطارئ عن المسار، وهذا يعني أن البويضة الأنثوية قادرة بحد ذاتها أن تنتج كائنًا إنسانيًا مطابقًا تمامًا للأم، أما دور النطفة الذكرية فبشكل أساسي هو التخصيب، ثم يضاف إليها التوريث، أي أنه يشبه أساسًا دور عود الثقاب في عملية الاشتعال، وهناك ظاهرة نادرة، ولكنها معروفة في البيولوجيا، هي الإخصاب الذاتي، وهذه الظاهرة يمكنها أن تنتج أنثى طبق الأصل عن أمها، واليوم صار بمقدور الهندسة الحيوية تخصيب البويضة اصطناعيًا.. بمساعدة خلية أخرى غير النطفة، التي يستحيل عليها بحد ذاتها إنتاج كائن جديد، ومن درس أو اطلع على البيولوجيا يدري أن صبغيات الأنوثة هي XX، أما صبغيات الذكورة فهي XY، وهذا يبين أصالة الأنوثة التامة، وأن الأنثى هي الأصل، وكأن البيولوجيا تقول لنا -بشكل غير مباشر- عكس ما يقوله المتدينون، أي أن آدم هو من ضلع حواء!

تقول السيكولوجيا إن الأمومة عند النساء تقوم على أساس فطري، وهذا مرتبط ببيولوجيا الأمومة… أما الأبوة عند الرجال، فيغلب عليها الطابع الاجتماعي، فالأمومة عند المرأة مرتبطة بالحب والحنان، وهما عنصران فطريان في الطبيعة الإنسانية، ومميزان لطبيعة المرأة، أما الأبوة عند الرجل فمرتبطة بالإحساس بالواجب والمسؤولية، وهذه معايير اجتماعية يكتسبها الإنسان تربويًا وثقافيًا، والأمومة أيضًا هي ظاهرة معروفة عند كل أنواع الحيوانات، لكن الأبوة معدومة عند الكثير منها، وفي بعضها يلتهم الذكر أولاده أو يقتلهم! وهذه الطبيعة النفسية النسائية هي عامل جوهري في الإنجاب والتربية، وبالتالي في تكوين الأسرة، ذات الطبيعة التربوية، التي كانت اللبنة الأولى في نشأة الحضارة.

يقول علم التاريخ إن أصل الحضارة هي الأم، فالحضارة ابتدأت من الأسرة، والأسرة في نشأتها كانت مرتبطة بيولوجيًا وسيكولوجيًا بالأم، وهي كانت تتكون بشكل أساسي من الأم والأبناء.. أما دور الرجل البدائي، فلم يكن يتعدى القيام بمهمة التلقيح البيولوجي، ثم المضي في سبيله، كما يفعل الكثير من ذكور عالم الحيوان، لكن بعد أن طورت المرأة الأسرة.. طورت معها وفيها الرجل، وحولته من ذكر إلى أب، وهذا يفسر لنا لماذا كانت الحضارات الأولى أمومية.

ويقول علم التاريخ أيضًا إن الفضل في اختراع الكتابة يعود إلى المرأة، وإن هذا الاختراع الذي تم على يد المرأة، ارتبط أيضا بأنوثتها، فحوالي 3100 ق.م في سومر في معبد الإلهة (إنانا)، الإلهة السومرية الأم، صارت الحاجة الإدارية تقتضي تدوين سجلات المعبد، وكان ذلك يتم من قبل الكاهنات برسم الإشارات على ألواح الطين، وقد استخدمت هاته الكاهنات لهذا الغرض رمز المثلث المتجه إلى أسفل، الذي كان يدل على العضو التناسلي الأنثوي، والذي يسمى بالسومرية “كـُونتا” (kunta)، وهذا أمر كان مقترنًا برمزية رفيعة، فالجنس كان طقسًا خصبيًا مقدسًا، عند السومريين، ومع ارتباط هذه القدسية بالنظام الأمومي، كان من الطبيعي أن يتحول العضو المؤنث إلى رمز مقدس كبير، وأن يصبح لاحقًا جذر الحرف المسماري؛ وهكذا نشأت الكتابة المسمارية، أما تسمية مسمارية، فسببها أن تطوير الحروف لاحقًا انتقل من شكل المثلث السفلي الرأس إلى شكل المسمار القريب منه، وقد أدى تطور الكتابة المسمارية لاحقًا إلى نشوء الكتابة الأبجدية على أيدي الفينيقيين.

يقول علم الأديان إن الألوهة في الوعي الأولي كانت أنثى، وكانت في عرش الهرم الكوني تتربع الإلهة الأم الكبرى وربة الحب والخصب والجمال، وكان الوجود كله يُـرى على شاكلة عملية حب وحمل وإنجاب، وكان كل هذا يرتبط بالحضارة الأمومية، التي كانت فيها المرأة هي ربة الأسرة.. وربة المجتمع.. وربة الوجود، لكن هذا كله انقلب مع الانقلاب الذكوري، الذي استغل فيه الرجل تفوقه البدني على المرأة، وهي الأضعف منه في القوة العضلية المباشرة، لكن السبب الأهم في ذلك أن دورها البيولوجي الجليل في الإنجاب والتربية.. هو الذي كان يضعف قدرتها الحيوية على القيام بأعباء الحياة، ويبقيها بحاجة إلى الرجل، وقد استغل الرجل هذه الحاجة ضدها، وانتزع بواسطتها منها السيطرة، وما هذا بتصرف نبيل.

هذا ما تقوله لنا العلوم عن حقيقة المرأة، التي ما زال جلنا يراها عورةً ناقصة عقل ودين، ومخلوقة من ضلع آدم، وعظم الضلع عديم النخاع! وهذه نكتة روسية تلمح إلى أن النساء بلا دماغ، أي بلا عقل، وهي من مخلفات الذهنية الذكورية السالفة عند الروس، الذين مروا -كغيرهم من الشعوب- بهذه التجربة، لكنهم تجاوزوها، كما تجاوزتها كل الأمم المتحضرة.

في الختام، نقول بناءً على ما تقدم لكل المغلولين بأغلال الجندر الذكري: العلم يثبت تمامًا أن المرأة كائن قادر كليًا على الإبداع الإنساني والبناء الحضاري، بما لا يقل عن الرجل، بل يثبت أيضًا أسبقيتها التاريخية المرتبطة بتكوينها الأنثوي الأمومي في هذا على الرجل، وهذا يسقط بشكل قطعي عن الرجل أي حق مزعوم بالسيطرة والتعالي على المرأة والتميز عنها والانتقاص من قدرها، ويضع هذا السلوك موضع التناقض مع العقل والعلم، وبالتالي التناقض مع الضمير الإنساني.

أما إذا عدنا إلى الدين عودة الباحث الصادق عن الحق، فالحق هو أن المرأة هي الأم والأخت والزوجة والبنت، وهي الصديقة والرفيقة والشريكة والزميلة في مغامرة الحياة! وهي الحبيبة.. والله محبة! والله رحمن رحيم، فأين المحبة والرحمة، في اعتبار المرأة ضلعًا قاصرًا، وكائنًا مخلوقًا من أجل الرجل، والنظر إليها كعورة ناقصة عقلًا ودينًا؟!

لقد أثبت الواقع الحضاري المعاصر قدرة المرأة على النجاح، بأعلى درجاته، في كافة ميادين النشاط الإنساني؛ والإنسانية الحقيقية لا تقوم إلا على المساواة التامة بين الجنسين، وهذا أمر مفروغ منه اليوم في العالم المتقدم، وعلينا أن نتخلص من أوهام ذكوريتنا المرتبطة بواقع متخلف تاريخيًا نشأةً، والمتعاضدة مع التخلف فعلًا تكريسيًا متبادلًا، وأن نحذو حذو المتقدمين في سبيلنا إلى التقدم، معززين بحقائق العصر الواقعية، وبالحقائق العلمية المختلفة التي تثبت أصالة وأسبقية دور المرأة، في تاريخ التأنسن والتطور الحضاري الإنساني.