استحالة الإصلاح تسبب الخراب وتؤسس لما بعده

 

تأتي استحالة الإصلاح السريع أو المتدرج، لبنية النظام السوري، فضلًا عن الأسباب البنيوية المتعددة التي تحول دون قدرة نوع كهذا من النظم على الإصلاح، من كونِ هذه النظم تقوم على احتكار القوة -أو تحديد القوى- في كل المجالات: الاقتصادية أو السياسية أو الأيديولوجية أو حتى الاجتماعية؛ بما يعني أن فتح أي ثغرة في جدار قوة هذه النظم سرعان ما يتوسع ويؤدي إلى انهيارها السريع أو البطيء، كما تأتي الاستحالة من كون النظام، في الحالة السورية، صاحبَ مشروع يقوم على التشبث بالسلطة من خلال توريثها، وقد عبّر النظام عن مشروعه، بشعار: “الأسد إلى الأبد”. وتأتي أيضًا من كون النظام جزءًا من حلف ومشروع إقليمي -أقصد هنا المشروع الإيراني بالمنطقة- ومن كون سورية أهم قواعد ارتكاز هذا الحلف. في شروط كهذي كان مستحيلًا أن يقوم النظام بأي انحناءة أمام شعبه الثائر المطالِب بالتغيير، بل أقول إنه كان طبيعيًا أن يرفع مثل هذا النظام شعار “الأسد أو نحرق البلد”، كشعار متمم لشعار “الأسد إلى الأبد”، فقد كان النظام يدرك أن أي انحناءة أمام شعبه -ولو كانت على شكل إصلاحات حقيقية- قد تبقيه في السلطة فترة زمنية محدودة، ولكنها كانت كفيلة بإنهاء صيغة “إلى الأبد” التي عمل النظام على تكريسها طوال نصف قرن من الزمن، وهو الأمر الذي كان يعني لحليفته إيران خسارةَ النفوذ الذي بنته في المنطقة على مدى يصل إلى أربعة عقود من الزمن. وبما أن سورية أهم تلك المرتكزات في هذا النفوذ؛ لم يكن لها أن تتخلى عنها بسهولة؛ الأمر الذي يعني أن قرار المواجهة وعدم الانحناء والإصلاح لم يكن قرار النظام وأركانه فحسب، بل كان كذلك قرارًا إيرانيًا أيضًا.

إن الاستحالة هنا تأتت من أنّ الثورة السورية هبت في وجه نظامٍ صاحب مشروع، أُسس له منذ أمدٍ بعيد، يقوم على التشبث بالسلطة إلى الأبد، ويرتبط مع مشروع إقليمي تقوده إيران، يرى في سورية ونظامها ساحة نفوذ، عملَ للوصول إليه طوال عقود من الزمن، وهو الأمر الذي يعني أن صاحبي مشروع التشبث بالسلطة، ومشروع الحفاظ على النفوذ، كانا مستعدين لحرق سورية والمنطقة، مقابل عدم التراجع قيد أنملة عن الوضع القائم. ولا سيما أن إيران لن تخسر شيئًا في هذه المواجهة، وإن كان في نتيجتها تدمير سورية أو النظام أو كليهما معًا، أو إن كان نتيجة المواجهة تثبيت النظام ونفوذها معه. أي في كل الحالات، ستكون إيران خارج خط النار المباشر، ولا سيما أنها تملك أدوات كثيرة يمكن أن تقوم بالمهمة، وفي خط النار الأول في مواجهة كهذه –”حزب الله” اللبناني والعديد من الميليشيات التابعة لها- أي كان قرارها إما الحفاظ على المكتسبات بأي ثمن يدفعه الشعب السوري أو حتى أدواتها، أو ليكن من بعدي الطوفان والدمار، حيث إن إيران كانت تعلم -كما نعلم جميعًا- أن هزيمة حليفها في دمشق ستقود حتمًا إلى هزيمة مشروعها وكل حلفائها في المنطقة، إن كان في لبنان أو العراق، ومن ثم انتقال المواجهة إلى داخل ساحتها، وهنا علينا القول إن إصرار الشعب السوري على الاستمرار بالثورة والمضي بالمواجهة حتى النهاية، ومهما كلفت التضحيات أتى من انكشاف مدى تمسك النظام بصيغة “إلى الأبد” المذلة في كل وجوهها للسوريين، وانكشاف كذلك مدى النفوذ والتغلغل الإيراني في سورية، ومدى تمسك إيران ومعها النظام بهذا النفوذ، وبما يعني مدى انغماس النظام بالمشروع الإيراني في المنطقة، وهو النفوذ الذي لا يمكن السكوت عنه أو تأجيل مواجهته؛ إذ إن تأجيل هذه المواجهة يعني المزيد من التغلغل الإيراني، ويعني ضياع سورية لعقود وعقود قادمة، لا تُعرف نهايتها في ظل شروط توريث السلطة من الأب إلى الابن، وهلمّ جرّا، وهنا علينا القول كذلك إن النظام لم يقدِم على مواجهة الثورة، في أيامها الأولى، بالطرق البربرية الدموية، لكونها ثورة إسلاميين، كما حاول النظام وحلفاؤه من “علمانيين” برابرة طائفيين، ومن “اليسار” العبودي الممانع، أن يبرروا هذه البربرية؛ إذ لم يكن في الأشهر الأولى من الثورة -باعتراف رأس النظام ذاته، في خطابه الثاني بعد الثورة- وجود مسيطر لتنظيمات أو حتى جهات إسلامية في الثورة، وإنما لجأ النظام إلى أقصى حالات العنف والبربرية، لكونه قرر مع حلفائه -منذ البداية- عدم التراجع ولو خطوة واحدة للوراء، أو قرروا عدم الانحناء أمام مطالب الثورة، بما في ذلك الانحناءات المقترحة من بعض أركان النظام، وتحديدًا اقتراح نائب الرئيس السوري فاروق الشرع، بتفضيله المواجهة السياسية مع الشارع، بدل المواجهة العسكرية البربرية التي قام بها النظام من اليوم الأول في الوقت الذي لم يكن هناك أي مواجهة عسكرية في سورية غير مواجهة النظام للمتظاهرين السلميين بالرصاص الحي.

لم تقف المأساة السورية عند حدود تعنت النظام ومواجهته البربرية للشعب، بل تجاوزت ذلك بكثير، حيث بنت الدول الإقليمية والدولية كل مشاريعها وطموحاتها في سورية والمنطقة بشكل عام، على أساس هذا التعنت والتدمير المرافق له. فالأميركيون ومن خلفهم “إسرائيل”، بعد أن أيقنوا أن النظام السوري جاد بتنفيذ شعاره “الأسد أو نحرق البلد”، وبعد أن وجدوا أن إيران والنظام ومعهم “حزب الله” اللبناني مستعدون للانخراط بشكل معلن ومكشوف في المشروع الأميركي الإسرائيلي، حول الشرق الأوسط الجديد، مقابل الحفاظ على كرسي الأسد. وبما أن تدمير وتفتيت سورية يشكّل المنصة الضرورية والأساسية لانطلاق هذا المشروع؛ فإنهم وجدوا في النظام خير أداة لتدمير وحرق سورية، من دون أن يكلفهم ذلك طلقة بندقية، على الصعيد الاقتصادي، ومن دون أن يتحملوا مباشرة -ولا سيما الإدارة الأميركية، بحكم موقعها في النظام العالمي- تبعات هذا التدمير، على الصعيد السياسي والأخلاقي؛ ولهذا كان طبيعيًا أن يكون الموقف الأميركي، على مدى سبع سنوات من تدحرج القضية السورية، قائمًا على التآمر على الثورة السورية والمداورة والتسويف، والتهرب من اتخاذ أي موقف عملي وحاسم، يقود إلى إسقاط النظام ووقف المجزرة ونزيف الدم السوري، كما وجد الأميركيون في القوى الإقليمية والدولية التي تطمح إلى وضع قدم لها في سورية، أو التي كان لها نفوذ سابق في سورية، أدواتٍ لتحويل الصراع من ثورة إلى حرب أهلية، تقودها قوى طائفية دينية تشكل امتدادًا واستطالات للقوى الإقليمية والدولية الداعمة لها؛ وهو الأمر الذي أنتج في المحصلة أولًا: إعطاء أطول مدة للنظام للقيام بعملية التدمير، إن كان بمساعدة القوى أو الدول الحليفة للنظام أو بمساعدة القوى التي تم إنتاجها إقليميًا ودوليًا على هيئة إسلام سياسي، بكل أشكاله ومشتقاته لمواجهة النظام، كبديل عن الشعب السوري وثورته. وثانيًا: تفتيت المجتمع والهوية الوطنية السورية إلى مجموعة من الهويات ما قبل الوطنية أو لنقل هنا جعل ممثلي الهويات ما قبل الوطنية هي القوى المسيطرة على الأرض وفي الميدان العسكري، وحيث هوية النظام ودولته أصبحت إحدى هذه الهويات ما قبل الوطنية. وثالثًا: بحجة عدم وجود بديل للنظام، وحجة تعنت وصلف النظام في مفاوضاته مع المعارضة، وهنا علينا أن نلاحظ مسايرة المجتمع الدولي لصلف النظام الوقح في احتقاره للمعارضة والعمل على إذلالها، في كل جولة للمفاوضات في جنيف، كما تمت مسايرته سابقًا في شعاره “الأسد أو نحرق البلد”، حيث أعطي النظام كل ما يلزم لتنفيذ وتجسيد هذا الشعار على الأرض، والآن يُترك النظام، ويعطى الفرص للتمادي في صلفه ووقاحته، في مفاوضاته مع المعارضة، على الرغم من وجود الإمكانية لكسر هذا الصَّلف، لو كانت هناك إرادة دولية جادة في ذلك. أقول: بذريعة هذه الحجج؛ يُعمل الآن على إعادة تأهيل النظام وتجميل ذلك وتمويهه، من خلال وضع النائب السابق لرأس النظام فاروق الشرع في الواجهة، بوصفه نصيرًا للحل السياسي، ولكن في هذه المرحلة، على أمل جر المعارضة إلى الاستسلام بضغط من الدول الراعية لها للحل الذي تريده روسيا ومعها النظام، ومعهم كل الدول الإقليمية والدولية صاحبة التأثير والمصالح في سورية، من خلال إعادة تقسيم -على شكل محاصصة- للجغرافيا والمجتمع والدولة السورية بين الهويات ما قبل الوطنية السائدة عسكريًا على الأرض مع رعاتها الإقليميين أو الدوليين، حيث تكرس هذه المحاصصة على الصعيد الدستوري والسياسي والكياني، تحت اسم دستور جديد ولا مركزية إدارية ومجالس محلية… إلخ، وسيكون المقصود بإعادة هيكلة وإصلاح الجيش والمؤسسة الأمنية عبارة عن بناء جيوش وقوى أمنية محلية -ميليشيات محلية- حيث تقتصر سيادة النظام وشركائه الإقليميين والدوليين، ضمن حدود سورية المفيدة، وتقليص سيادة النظام في باقي الجغرافيا والمجتمع السوري الواقع خارج حدود سورية النظام ضمن صيغة اللامركزية المطروحة وإعطاء السيادة هنا إلى الهويات الأخرى ورعاتها الإقليميين أو الدوليين، فالإصلاح المطروح في التسوية لن يطال البنى العميقة التي يرتكز عليها النظام، بما يعني تحرير مراكز القوى الطبقية والسياسية والاجتماعية والعسكرية والأمنية على كامل المساحة الجغرافية والبشرية للوطن السوري من قبضة النظام، بل يعني -وهنا جوهر الإصلاح المزعوم في هذه التسوية والحل- تحلل المجتمع والهوية والجغرافيا السورية إلى مكونات ما قبل وطنية. إنه الانتقال بسورية من حالة مزرعة بيت الأسد إلى حالة مزرعة اللصوص الإقليميين والدوليين، والانتقال برأس النظام من حالة سيد كل المزرعة إلى حالة حارس قطاعه المفيد من هذه المزرعة بشكل خاص، وحارس كل الخراب السوري بشكل عام.

وإذا أردنا أن نكثف المأساة السورية بعبارة مختصرة؛ فإننا نستطيع القول إن لصوص العالم يكافئون مَن صنع الخراب، بتكليفه بحراسة هذا الخراب، كي يبقى الدمار مستمرًا مع حارسه إلى الأبد.

إن إعادة تأهيل وإنتاج النظام، وفق الحل الروسي المدعوم أميركيًا من الخلف أو المسكوت عنه أميركيًا لتوريط الجميع، لا تعني في القاموس الأميركي إعادة النظام إلى ما كان عليه قبل الثورة، من قوة ونفوذ على كامل الساحة السورية، وإنما تعني إجراء تسوية تبقي النظام في الحكم، بوصفه حارسًا لهذا الخراب الذي تسبب به، وفي الوقت نفسه تعطي هذه التسوية (روسية الملامح والهوى) حجةً للأميركيين بعدم الدخول مع حلفائها في عملية إعادة الإعمار؛ بحجة أن التسوية غير مقبولة، وبما يعني ترك سورية على هيئة خرابة، تصفر فيها رياح الفقر والتخلف والجريمة، وتوزع على جيرانها في المنطقة كل الأوبئة السياسية والحروب الضرورية، لتفتيت وتقسيم المنطقة برمتها، كما أنها ضرورية لأميركا، لنهب ما تبقى من ثروات في جيوب نظم وحكام المنطقة على شكل “خوّات”، وكذلك نهب ما تبقى، وما هو مكتشف حديثًا، من الثروات الباطنية في عموم المنطقة، قبل أن تُرمى هذه الشعوب على قارعة التاريخ جثة هامدة، لا حول ولا قوة لها.