أدب وفنون

فخ التناقض

ما هي الآليات التي يصبح بمقتضاها الفكر واقعًا، في ظل التناقض الصارخ، بين ما تمثله التجربة من خبرة يمكن بواسطتها تحليلها تحليلًا منطقيًا، وبين مصادرة تلك المعرفة التجريبية أو توقيفها لحساب المعتقد ذي المنشأ النفسي؟

تمتلك المعرفة السحرية أسانيد نفسية، تعزز بقاءها وتصونها من عبث الدخلاء، وتغدو مركزية بالنسبة إلى الفهم العام، وفي المقابل من الناحية العقلية، بالنسبة إلى بعض الأفراد، فإن سوق الجميع إلى مستوى واحد وموحَد من الفهم والإيمان، يغدو عسيرًا وصعبًا. لذلك، فإن بذور التمرد العقلي لا بد أن تبرز، بسبب بعض المقولات والسيرورات العقلية. إن الموضوعة الأهم هنا هي الفهم، وكيف تحدث تلك الأشياء (الأفعال السحرية)، بمستوى فائق من التناقض الحسي، أشرنا سلفًا إلى مبدأ الحس العام أو المشترك، والذي كان مصادرًا بصورة ما من قِبل فئة معينة، تملك فهمًا وتفسيرًا محددًا وغائيًا، وليس فهمًا تحليلًا وسببيًا (المستوى التجريبي- الأمبريقي)، ففي طريقة التفكير التحليلية، والتي تعتمد بطريقة مبدئية على الصور، ومن ثم الرموز، حيث لا بدّ من فهم السلسلة من مبتداها إلى نهايتها، وما يتولد عن كل فئة من الأحداث، بطريقة تسمح للعقل بممارسة الاستقراء والتنبؤ، حيث لا يمكننا السير قدمًا في هذا الطريق، من دون تحطيم التقليد الفكري والقوالب الدوغمائية للمعرفة البشرية، فنحن هنا أمام احتمالات متعددة، تتطلب منا فحصًا وتجريبًا، وفي ذلك فإن غزارة الملاحظات الخبروية، وتعدد أنماط ظهورها، وتوسع وظائف المجتمع من ناحية أخرى، حيث تعددت الفئات وتطورت الوسائل الناظمة للمجتمع، ولا نلحظ ذلك إلا في الفترات التي بدأت فيها الحضارة والكتابة، وأخذ الإنسان يبني المدن ويصنع الفخار ويبدع الأساطير الأولى. وكما أشرنا من قبل، إن ضرورة الفهم تمنح العقل رؤية عالم مختلف عن نهج الخرافة، وتعزز الوثوقية بالذات وتدفع بالتجربة الإنسانية قدمًا نحو الأمام.

أشرنا آنفًا إلى مسألة “التناقض الحسي”، فكيف يرتطم الوعي بالتناقض؟ إن ذلك لا يحدث إلا إذا تولد انطباع مبدئي بتعدد احتمالات الخبرة لدى الوعي، حيث إننا نسعى أولًا نحو المطابقة بين الأشكال والصور، فكل منها في المخزون العقلي يملك صورةً ما، لكن هل في ذهني صورة مسبقة عن هذه الكأس التي أمامي؟ ويجب أن نلاحظ أن صورة هذه الكأس لا تنطبع في الدماغ، وفق الصورة البصرية، بل أيضًا وفق ما تنقله الحواس الأخرى إلى الدماغ، من إحساسات اللمس والضغط والحرارة والوزن، ومن الوجهة المبدئية تكفي الصورة البصرية في تعرّف الكأس، بينما لا تكفي بدقة الإحساسات الأخرى، في توكيد حالة الكأس بدقة مطلقة. فإذا ما رأى الإنسان كأسًا سيتبادر إلى ذهنه على الفور كلمة (كأس) بنحو لا شعوري، وما يرتبط بهذه الصورة من خبرات حسية أخرى، وذلك وفق متوالية وتتابع رمزي وخبروي محدد. وبالطريقة نفسها، فإن إحدى الخبرات الأخرى عند تحريضها سوف تثار من خلالها صورة الكأس في الدماغ، سواء بشكل واع أم غير واع، مع الاعتبار أن الوعي هنا هو التالي واللاحق، بالنسبة إلى الوعي. وهذا ما وضحته البحوث التجريبية في التصوير الوظيفي للدماغ، وفي تجارب الوعي الأخيرة التي عضدتها تجارب (لامبيرت) وَ(هاميروف) وسواهم. ويجب أن نعلم أن خبرة الكأس، إذا ما تأكدت بأكثر من طريق حسي لدى الدماغ، أصبح لها موثوقية، وكانت نابضة وحية. يجب ألا يغرب عن البال أن الإدراك اللغوي والأداء الفينومي (الصوتي) ذو ارتباط بصورة الكأس، ويمكن ملاحظة ذلك، عندما نبدأ بتعليم الأطفال بالصور مصحوبًا بالتعبير الصوتي، والشكل الكتابي لصورة الكأس. إننا نعرض الصور ونعرض مرادفها الصوتي، وبالتالي فنحن نرسي الدعائم الأولى لما يسمى: (الدال والمدلول)، يمكن من بعد هذا المستوى، تقفي نظرية القواعد المولِّدة للغة (تشومسكي)، وسيستطيع الطفل في ما بعد تشكيل الجمل متقطعة؛ ومن ثم سيُنشئ روابط في ما بينها، لتصبح تلك الجمل مرتبطة بمنطق الحدث، فهو أخذ بالتدرب ومعرفة التسلسل الزمني، بين الماضي والحاضر والمستقبل، لقد باشر للتو تحديد منطقته الذاتية، أي الأنا، وسيصار تاليًا لأن تخوض تلك الأنا دفاعات تجاه العالم الواقعي، من أجل أن تحتوي الواقع المتجدد ومتطلبات النظام الاجتماعي والأبوي متمثلة بالسلطة الاجتماعية والأخلاقية للأنا الأعلى. إن النمو النفسي والنمو اللغوي متواشجان، ويؤثر كل منهما في الآخر، وفق علاقة الدال والمدلول، وليس أدل على ذلك من أن ارتقاء الثقافة لدى الإنسان، يعني ارتقاءً في طبيعة وكثافة البنية الرمزية، لكل من اللغة وشتى أنواع التعبير الأخرى، حيث تتكثف وتتحد أحيانًا مجموعة من المدلولات، في رمز أو دال واحد، فمثلًا يمثل الثور المقدس مجموعة من القوى والغرائز المرتبطة بالخصب، وقوى الذكورة والفعالية النفسية الإيجابية، وهكذا دواليك. إن التركيبات الوجدانية والغرائزية تتنمط وفق علاقات توترية مختلفة الشدة والنوعية، وهكذا شيئًا فشيئًا، تنمو النفس وتنضج عبر مسيرة الإنسان التطورية، وتأخذ الثقافة من هنا فصاعدًا زمام المبادرة ممثلة بالإنتاج اللغوي والفني، نحو أماكن أبعد من الخيال. لقد أصبح لدى الإنسان إرث ثقافي غني، تتناقله الأجيال عبر مروياتها من الأساطير والملاحم عن القوى في الطبيعة، وشرع -كما أسلفنا- في إقامة علاقة بين الناسوت واللاهوت، وسيغدو التحدي التالي هو تحدي الابتكار والصنع، وسيعلن أن بمقدوره محاكاة موجودات الطبيعة، وسيحاول جاهدًا أن يقول إنه السيد على هذا الكوكب. لقد انعتق عن مجاله الحيوي مع الطبيعة وتعرّف ذاته المستقلة عن العالم، وأصبح نتاجه نتاجًا يعبر عن ذاته، وهو بهذا سيغدو مغتربًا وأصيلًا بالوقت نفسه.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق