تحقيقات وتقارير سياسية

حذلقة

 

عرّفتها قواميس اللغة بأنها كـ (اسم) تعني “التصرُّف بالظَّرْف”، لكنها كـ (فعل) تعني للرجال أنه “ادّعى أَكثر مما عنده”، وللنساء “أَظْهَرَتْ تَبَخْتُرًا وَتَعالِيًا”، ومع الزمن؛ أصبح استخدامها الشائع بشكل عام هو التشاطر والتذاكي والتصنّع، وما إلى ذلك من أوصاف.

ألّف الكاتب الفرنسي موليير، في منتصف القرن السابع عشر، مسرحية ساخرة بعنوان (المتحذلقات)، تطرق فيها إلى مظاهر الادعاء والتصنع الذي تتصرف به بعض النساء كأسلوب، ليظهرن على أنهن من الطبقة العليا، وكانت تلك المسرحية -حينئذ- جريئة بالتطرق إلى النفاق الذي يصبح سلوكًا في المجتمع.

كتب عباس محمود العقاد في موسوعته: إن الحذلقة حين تحاول تفسير الأقوال والأحداث وغير ذلك، هي “لا تريد أن تفهم ولا أن تعمل، ولا تريد إلا ظهورًا، على حساب الفهم والعمل”.

لعل العصر الحالي الذي أصبحت فيه المعلومات متاحة بشكل واسع للجميع، أعطى للحذلقة بعدًا جديدًا، يختلف عن السلوكيات الاجتماعية، ليدخل في التخصصات، والعمل، والرأي، والنقد، والتوصيف، والظهور المتخفي ببعض العناوين والأسماء والشروحات البسيطة والخادعة، وهي أسلوب يعمم الجهل على حساب المعلومة أو الفكرة السليمة، يتبناها البعض كأسلوب حياة لغايات لا تتعلق بحب الظهور وحسب، بل تتعداه إلى الكسب بغير حق، والحصول على عمل أو منصب أو مهمة، وما إلى ذلك.

إن الحذلقة لا يمكنها أن تكون فاعلة في تخصصات دقيقة، تنطوي على التعامل مع قوانين واضحة، كالرياضيات والكيمياء والفيزياء والعلوم التقنية، ولكنها يمكن أن تكون ظاهرة واسعة الانتشار، في المجالات الإنسانية والاجتماعية والفنية والسياسية والإعلامية، وفي كل ما يتعلق بالقول والكلمة والأداء، وذلك بتقليد من يمتلك المعرفة، بطريقة مخادعة تتناول المعلومة بقشورها لا بمضامينها.

ربما جعلت وسائل التواصل الحديثة ذلك المفهوم، يسيطر على المظاهر العامة للمجتمعات التي تنقاد بسرعة وراء الحالة المبهرة من دون التفحص بخلفياتها؛ فاستفاد بعض المتحذلقون من تلك الوسائل، ليحجزوا مكانًا لهم في عدة مجالات، وهي لم تتوقف على التذاكي في البيع والشراء، وعرض الخدمات والسلع لجني المال، إنما أصبح هناك شعراء وكتاب قصة ومغنون وراقصون وممثلون وسياسيون وقادة منابر وهيئات ولجان، وجمعيات تُعنى بالمجتمع ومكوناته كالمرأة والطفل والأسرة وكذلك الدين والفقه وما يتبعه، مع وجود مساحات واسعة لإبداء الرأي والنقد الفضفاض والإفتاء والتوصيف، والتلاعب بالأحرف والكلمات بعيدًا عن الوقائع والمعلومات والعرض الموضوعي، لتصبح طريقة في الاستعراض بقدرات لا تتعدى المظهر السلوكي، والتمكن من اللغة ومعانيها وتأثيرها بأسلوب مخادع.

يغص الوسط الإعلامي والثقافي والسياسي والوسط الاجتماعي بنماذج مختلفة من المتحذلقين، وفي البلدان التي تغيب فيها معايير العلم والمعرفة، تعمل النظم الاستبدادية على تكريس حالة التكسب بطريقة التشاطر، بتجاوز القوانين والطرق السليمة، وعمدت إلى إظهار طبقة في تلك المجالات، لتعينها على تكريس عادات وقيم غير ناضجة، لا تؤثر إيجابيًا بالمجتمع، وبدا واضحًا، على سبيل المثال، أن تلك الطبقة كانت عونًا في سورية لنظام الأسد، يوم طالب الناس بحقوقهم.

يساهم أثر تلك الطبقة المفبركة في تشكيل رأي عام مشوش، حيث تمارس تلك الشخصيات دورها لتوهم الآخرين بكفاءتها، واستطاعت الوصول إلى مراكز مهمة ومفاعلة، ويلاحظ المتأمل كيف تتمكن تلك الشخصيات من التحكم بالمنابر في مجالات مختلفة، وقد أدت دورًا سلبيًا، دون أن تعترف بمحدودية مهاراتها وقدراتها الوظيفية، كي لا تخسر مكتسباتها.

يستغل المتحذلق غياب المعايير المؤسساتية، وضعف المجتمع بتقدير نوعية الكفاءات، ويعمل على تشويه وحرف الوعي السياسي والفكري والثقافي والاجتماعي والاقتصادي، إلى أن باتت هذه  الظاهرة تشكل حالة غير صحية يجب التصدي لها، فلطالما اعتمدت الأيديولوجيات السابقة أسلوب الحذلقة، في التلاعب بالشعارات التي تمس حياة الناس؛ فهدمت المجتمعات والدول، وأفرغت كل ما يحيط بنا من مضامينه المتماسكة والحقيقية.

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق