التوالد

 

أرسى الذهن الدعائمَ الأولى للتفكير، وأنشأ مركبات منطقية، وتفهّم بعض القضايا المنطقية الأساسية، لقد تأسس الكيان لدى الإنسان باعتباره الإنسان وعقله بالتحديد صورةَ العقل الكوني، ولقد أصبح لديه حكاية يرويها عن أصل الوجود وعن نفسه، وأكثر ما يميز تلك الحكاية هو علاقة التوالد، لا شك أن المركبات الجنسية مليئة بالصور المولدة في أساطير الخلق الأولى، وذلك على أبسط صورة للفهم قد حصل نتيجة الخبرة البشرية في التوالد، وتكاثر أفراد العشيرة البدائية، يمكن الفهم أيضًا أن التقاء قوتين متعاكستين في الشدة وموحدتين في الاتجاه يتولد عنهما شيء جديد، وهنا يحصل الالتقاء بين هذه المتضادات لينتج عنهما فرد أو صنع جديد، وأيضًا فكرة جديدة لا تلبث أن تتأكد بالخبرة البشرية، إن المزج والدمج لعنصرين متضادين لا بد له من قوةٍ ما تستطيع إبقاء هذا الترابط ساري المفعول، وبذلك فإن الوجود لهذه الحالة هو وجود متحقق بواسطة القوة، والعكس صحيح، فإن حلّ هذا الترابط يحتاج أيضًا إلى القوة، وبهذا الشكل يألف الدماغ والفكر خاصة موضوعة كهذه، وتمسي لديه نتيجة طبيعية، وأمرًا مألوفًا. وهنا يمكن لنا أن نرى أن من التوالد كظاهرة طبيعية استنتج العقل مفعول القوة وظاهرة الضد. وبالتالي سوف ينشأ الدماغ والعقل في سيروراته مجموعة من المتقابلات والأضداد التي سوف تجتمع في أنساق متقابلة، بصورة لاشعورية وغير مفهومة من جهة الوعي في بادئ الأمر. لقد أصبح للعقل إمكانية توليد أفكار ونتائج من مجموعة من الأفكار الأخرى والظواهر، وسوف يسعى في ما بعد إلى البحث عن التصنيف الفئوي، وذلك ما نلحظه جليًا في بدايات التفكير الميثولوجي في اليونان القديمة، وسوف يتعمق هذا الإرث من التصنيف الفئوي لمنظومات التفكير لدى الإنسان في اليونان، وهو ما يبدو جليًا وواضحًا في المدارس الفلسفية اليونانية القديمة، ويمكن اعتبار ذلك سمة أساسية لمنظومة التفكير التي ورثناها عن اليونان، حيث كان البحث الأولي عن الأسباب والعلل، ولا يغرب عن البال هنا التأثير المشرقي لبابل وسومر والمجموعة الميثولوجية والتراث العلمي لبلاد الرافدين، يمكن ملاحظته بجلاء في قصة الخلق السومرية، والعلوم الخاصة بالهندسة والفلك: الحساب ونظام العد الستيني البابلي. على أي حال، الاستطراد في هذا المجال تبيّنَ بمجموعة من الدراسات التاريخية والأركيولوجية. ولا يغرب عن البال أن المدارس الفكرية والفلسفية في الشرق الأقصى قد ذهبت في اتجاه آخر؛ حيث إنها نظرت من زاوية مختلفة، فكانت الأضداد لديها أكثر ثباتًا، فهي لا تتماهى ببعضها ولا تستبدل أحدها بالآخر، بل تجتمع في نسق واحد وفق علاقة تؤسسها الوحدة، حيث تعتبر تلك الأضداد الظاهر من فعالية الوجود، وينظر إلى كلا الطرفين من الأضداد: الليل والنهار أو النور والظلمة أو الخير والشر أو الوجود والعدم.. إلخ، ليس نظرة سببية بمقدار ما هي وحدة تتراءى للعارف يفهم من خلالها بشكل لا منطوق الوحدة الكونية. في هذا الفلسفة تغيب الفعالية التوليدية السببية، وتظهر التناقضات كأضداد فاعلة في الوجود الإنساني. وإذا كان التوالد هنا مخصوصًا بانبعاث نتائج جديدة؛ فهو أيضًا -والحال هذي- سوف يفضي إلى مشكلات جديدة خاصة في ما استجد على الفهم بالنسبة للظاهرة، ويمكننا تبسيط المسألة على النحو التالي، فنقول: إن كل الظاهرات تطرح إشكاليات عند التصدي لحلها أو تفسيرها وإزالة وجه التناقض البادي فيها بالنسبة للحس. إن محاولة الفهم تجعلنا نتصور تفسيرًا ما، ولب القضية يقع عند هذه النقطة، فهنا ينفتح العقل على عالم الموجودات، وعلى كم هائل من الاحتمالات المتغايرة، وكل منها يتطلب رؤية مختلفة، وعندما تتصادم أو (تتنافس) هذه التفسيرات؛ فإنها لا بد أن تحظى بحظوظ متساوية من إمكانات التبرير (يمكن الاستفاضة في ذلك بالرجوع لكتاب منطق الكشف العلمي، تأليف: كارل بوبر)، وكل إمكانية تحتاج، حتى تتقوى تجاه أقرانها، إلى مجموعة من التحقيقات التجريبية، حيث إن النظرية الجديدة تحتاج إلى الإثبات التجريبي على الدوام، في مرحلة صعودها في التفسير، وهي بهذا المعنى لا بد أن تكون قابلة للتكذيب، وبقدر ما تصمد أمام قابلية التكذيب؛ فإنها تكتسب وجودًا أعمق بالنسبة إلى الحقيقة العلمية. ويمكن القول، كما وصف (بوبر)، إن النهج العلمي لا بد أن يمر بسلسلة مشكلات – نظريات – تفنيد النظريات وانتقادها – مشكلات جديدة؛ وهكذا نجد أنفسنا في البداية. أما مشكلات الظاهرة فسوف ننتج رويدًا رويدًا مشكلات جديدة بمحاولة تفسيرها وتفنيدها أمام النظريات الأخرى. وهذا يقتضي أن الطريقة العلمية في تصور الحقيقة هي البحث عن المشكلات، وإنتاجها من جديد وفق صياغة معرفية مختلفة في كل مرة، وهذا ما يسمح بتوسع الأفق المعرفي أمام الباحثين عن تفسيرات جديدة وحقائق جديدة.

أسس المنهج العلمي:

إذا كان العلم اليوم هو المعني إلى درجة بالغة بتفسير الحقائق والظواهر الطبيعية؛ فإن ذلك يظهر كنتيجة مباشرة لِما يسمى النظرة العلمية. وعليه فإن العقل الإنساني يطمح إلى تسديد هذه النظرة على كل ما من شأنه تفسير ما يحدث من حولنا وفي الكون. لكن ماذا نقصد بالتفسير العلمي؟

الجواب على هذا السؤال يحيلنا إلى أشهَر قضيةٍ شغلَت بال العامة والعلماء، منذ القرن الخامس عشر إلى القرن السابع عشر الميلادي. وذلك عندما أطاح (نيكولاس كوبرنيكوس 1473-1543) بنظام (بطليموس) في كتابه المجسطي (170-100ق.م) والذي ينص على أن الأرض هي مركز الكون. لقد كانت نظرة التفسير التي قدمها (كوبرنيكوس) مهمة جدًا، ذلك لأنه يشرح أيضًا دوران السماء الظاهري، وتجوال الشمس السنوي خلال دائرة البروج، إضافة إلى النظرة الأهم: أن الشمس هي مركز ما نسميه اليوم المجموعة الشمسية. ورغم احتفاظ (كوبرنيكوس) في نظامه الشمسي بأفلاك التدوير الدائرية للكواكب المشتقة من نظام بطليموس، فإنه وضع علامة فارقة في جوهر النظرة العلمية. لقد استطاعت نظريته البحث عن سبب آخر لتفسير الظواهر الطبيعية بدلًا من التفسير الذاتي. وهذا ما تجذر حدوثه فيما بعد مع كل من (يوهانس كبلر 1571-1630) الذي رأى أن الكواكب تسلك في مسارها حول الشمس مسارًا إهليليجيًا (قطع ناقص) بدلًا من المسارات الدائرية. ومع مجيء (غاليليه 1564-1642) تم التأكيد على النظام الكوبرنيكي، من خلال اكتشاف أقمار المشتري الأربعة. إن المحاكمة التي لقيها غاليليو لم تكن فقط جزاءً على ما اكتشفه، بل لأنه أشاد نظرة جديدة إلى الكون أكدت أن التفسير المستند على مبدأ الحس العام، والنظرة الذاتية قد تكون خاطئة إلى حدٍ بعيد، فكل ما تراه أعيننا وما نحس به قد يكون مغلوطًا، إذا بنينا عليه استنتاجاتنا بدل أن ننظر بعين العقل. وهذا ما أثار حفيظة محاكم التفتيش في روما. وعليه فإن النظرة الموضوعية بانت على أنها النقيض المنطقي للنظرة الذاتية. لقد كان لذلك أثر عميق في مسيرة المنهج العلمي في ما بعد. فبعد أن كانت الأرض ساكنة لا تتحرك في الفضاء الكوني، أصبحت تدور حول الشمس في سنة كاملة. ولقد امتدت هذه النظرة لتشمل ما جاء به (نيوتن 1642-1727) في قوانينه الثلاث عن الحركة، وليوطد الدعائم الأولى لمبدأ السببية، في أن الظواهر محكومة بمجموعة من الأسباب البدئية، والتي تختص القوانين الرياضية بمعرفة طريقة انتظامها في العالم الطبيعي.

وحتى نستطيع التأكد من أن تفسيرنا للظاهرة يسير على نحو علمي، فلا بد من اتباع مجموعة من الخطوات يوجزها (أرنست ماير) كما يلي:

أولًا: يلاحظ العلماء ما يجري في الطبيعة من دون تدخل، ويسجلون من المشاهدات التي يستعصي تفسيرها على النظريات الأخرى.

ثانيًا: يسأل الباحث نفسه عن هذه الملاحظات: “لماذا؟” و “كيف؟”.

ثالثًا: يمكن صياغة مجموعة من الفروض للإجابة عن السؤالين السابقين.

رابعًا: يتم اختبار الفروض المقدمة للحكم على مدى صحتها.

خامسًا: الفرض الذي يجتاز أكبر عدد ممكن من الاختبارات، هو الذي يعتد به في النهاية، من أجل تفسير الظاهرة التي سجلها الباحث.

إن العلماء عندما يجتهدون في تفسير ظاهرة ما يسعون، بكل الطرق الممكنة، من أجل التحقق منها تجريبيًا (أمبريقيًا) وهم بذلك يتطلعون إلى أن تصبح هذه الفرضيات في مقام النظريات الأكثر شمولًا، والتي تحقق تنبؤات وأسئلة أخرى جديدة، يراد منها توسيع أفق النظرة الإنسانية إلى العالم.