قضايا المجتمع

عن الجنس والتعصّب الديني.. مقاربة نفسيّة

 

هذا المقال لا ينطلق من منهجيّة نظريّة صارمة لتفسير ظاهرتي التعصّب الديني والعمليات الانتحارية/ الاستشهادية، ويمكن للقارئ أن يأخذه على طريق التأمّل والتحفيز والمُعاينة الحُرّة.

(1)

ينبغي عدم تبسيط ظاهرة التعصب الديني والإرهاب لأسباب عقائدية؛ فهي ظاهرة معقدة مركبة متعددة ومتغيرة العوامل، وهي ليست خاصّة بالمسلمين دون غيرهم، ولكن بسبب انخراط أعداد متزايدة من المسلمين في أعمال كهذي، تنفيذًا أو تحريضًا أو تبريرًا، ولكوني -كاتب السطور- ابن الثقافة العربية الإسلامية، فالأقربون أولى بالنقد، والنقد عنوان المحبّة، وليس العكس.

(2)

الكبت والقمع لا يقتصر على موضوع الجنس والغريزة الجنسية، بل هو مفهوم شامل لمناحي الحياة في مجتمعاتنا، حيث تتفشّى ثقافة الاستبداد. إنّ القمع السياسي واحتكار الفضاء العام وكبت حرية التعبير من قبل السلطة، إضافة إلى الفقر والحرمان المادي، وما يرافقه من أزمات وتردي التعليم والصحة والقضاء، ولا ننسى كلَّ ذلك الكبت الاجتماعي، حيث تنمو الشخصية بطريقة غير سوية، في وسط مُعتلّ، ومن هنا؛ يفتقر الإنسان إلى مهارات التواصل الاجتماعي والخبرات الحياتية والشعور وتفهّم الآخر المُختلف.. كل هذا يجعل الناس أضعف مناعة، تجاه التعصب الديني والانخراط في العنف والعمليات الإرهابية، فالدين هو حدّ الفقر السياسي (ماركس).

(3)

الكبت الجنسي أكثر انتشارًا في المجتمعات الإسلامية مقارنة بالمجتمعات الغربية، بحكم كون المجتمعات الإسلامية في العموم تقليدية محافظة من هذه الجهة، ولا أعتقد بأنّ ذلك مثار جدال كبير، فالاتصال الجنسي والعاطفي بين الذكور والإناث، وتفريغ الغريزة الجنسية أكثر صعوبة وتقييدًا في مجتمعاتنا، بحكم العادات والتقاليد الأسرية والمجتمعية وتكاليف الزواج العالية.. حيث نجد كثيرًا من رجال الدين يفتون بتحريم أو كراهية حتّى الاستمتاع الذاتي (الاستمناء) عدا عمّا يُسمّى بالاختلاط، وتحريم مجرد النظر (زنا العين) أو لمس الأنثى، ولو بمناسبة المصافحة والسلام العابر. من المعروف أنّ كل ممنوع مرغوب، وأنّ الحضور الكبير لظاهرة الكبت الجنسي سوف ينعكس مُبالغة في الانشغال بمواضيع الجنس، وفي أحيان كثيرة يتمّ اختزال المرأة إلى موضوع جنسي، وتجريدها من إنسانيتها (ثقافة ذكورية). من الضروري هنا التذكير بأنّ الكبت الجنسي ليس بشتيمة بل هو يشملنا جميعًا، هو ظاهرة حاضرة في مجتمعاتنا، وهي جزء من الطبيعة الإنسانية بالعموم، تختلف شدتها ما بين فرد وآخر، وبين مجتمع ومجتمع، وبين عصر وعصر آخر، ولكنّ الأشخاص يختلفون في استجابتهم لهذا الكبت؛ فمنهم من يتوفر له الإمكانية للزواج الباكر أو تتاح له علاقات جنسية خارج إطار الزواج، أو قد تحدث آلية التسامي، حيث يتحوّل “اللبيدو” إلى التأمّل والإبداع والرسم أو النحت أو تصميم أزياء والتمثيل وتجاوز فنّي خلّاق (وفقًا لفرويد) أو قد تكون الاستجابة عبر أعراض القلق النفسي، أو قد تأخذ الاستجابة منحى النقمة على النساء أو المجتمعات الأكثر انفتاحًا من الناحية الاجتماعية الجنسية، بحجّة أنها نجس وتلوث وانحلال ينبغي استئصاله وتنظيف العالم منه، أو تأخذ الاستجابة منحى الموت وتدمير الذات؛ حيث إن الموت هو إخصاء نفسي (حسب فرويد) فهذه الحياة التعيسة (الزبالة) لا تستحقّ الحياة، مقارنة بنعيم الجنّة ونعيم المتع الجنسية غير المقيدة في الآخرة، و”الحور العين”. هذا هو أحد التفسيرات النفسية للعمليات الانتحارية/ الاستشهادية، ولكنه ليس العامل الوحيد، وينبغي أخذ الحيطة، من أنه ليس العامل المُفسّر لكل الحالات.

(4)

النصوص الدينية التي تتحدث في الجنة عن المُتع الحسية عمومًا، والجنسية خصوصًا، كثيرة، نجدها في القرآن الكريم ونصوص الأحاديث المنسوبة إلى النبي محمّد، والتي يؤمن الإسلاميون بكونها صحيحة وكيقين لا يعتريه الشك! وقد وردت الإشارة إلى “الحور العين” (نساء المتعة الجنسية)، في خمس آيات في القرآن الكريم، وأكثر من ذلك عددًا وتفصيلًا في الأحاديث. سورة الصافات: {وَعِندَهُمْ قَاصِراتُ الطَّرْفِ} آية 48. سورة الدخان: {كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ} آية 54. سورة الطور: {مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ} آية 20. سورة الرحمن: {حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ} آية 72. سورة الواقعة: {وحور عين} آية 22. انتهى. يوجد كثير من التسجيلات الصوتية والخطب والنصوص المنشورة عبر النت بهذا الخصوص، ضمن أوساط الشباب في مجتمعات المسلمين، وأوساط الحركات السلفية الجهادية خصوصًا، ويمكن للقارئ فقط البحث عبر محرك البحث غوغل أو اليوتيوب عن (الحور العين)! ومن ذلك -على سبيل المثال لا الحصر- أغنية وأنشودة (الحور العين تناديني)، وهي على لسان ذكر جهادي، يخاطب أمّه قبل المعركة وعزمه القيام بعملية انتحارية/ استشهادية، واستعجاله طلب “الحور العين”.

ثمّة الكثير من القصائد الرائجة التي يستخدمها خطباء الجوامع ومشايخ السلفية، في تحريض الشباب على الموت طلبًا للنعيم الجنسي في الحياة الآخرة، منها على سبيل المثال لا الحصر، قصيدة لابن القيم الجوزية، القصيدة مطلعها: فاسمع صفات عرائس الجنات.. ثم اختر لنفسك يا أخا العرفان. حور حسان قد كملن خلائقًا.. ومحاسنًا من أجمل النسوان.

(5)

عندما يشتهي الرجل امرأة جميلة مثيرة، ولا يكون ذلك مُمكنًا في ظرفه… قد تكون استجابته عبر كراهيّة النساء الجميلات قاطبة.. عندما يشتهي المتعصب الديني الحضارة ونِعم العيش، ولا يكون ذلك مُمكنا في ظرفه.. قد تكون استجابته عبر الرغبة في تدمير الحضارة وتدمير سعادة الآخرين.

(6)

عادة يتحاشى الإنسان التفكير في موته هوَ، ويسعى جاهدًا في إبعاد هذا الهاجس والسيطرة على القلق المُتولّد من التفكير في هاجس الموت، ويكون ذلك عبر آليات مختلفة تتضمن الاعتقاد الديني بخلود الروح، أو عبر الفنون أو تعزيز الانتماء إلى الجماعة التي تستمر بالحياة لما بعد موته الفردي، أو عبر التناسي والانشغال البديل الفعّال في خضمّ الحياة. عندما تسيطر فكرة الموت/ الانتحار/ الشهادة، على كيان المُتعصّب الجهادي فهو يُحمّل نفسه ما قد لا يُحتَمل! فالموت الشخصي يستحيل التعايش السلامي معه! عندئذ يغدو الإقدام على الموت المُستعجل مختارًا هو الحلّ في إزالة هذا القلق غير المُحتمل.

(7)

المتعصّب الجهادي هو شخص يطمح إلى الكمال، وإلى أن يسود الكمال هذا العالم، وهذا يتطلّب منه/ منهم هداية العالم أو فرض رؤيتهم الكماليّة للحياة، وتطويع البيئة الاجتماعية والطبيعية المحيطة لغرض تصحيح الانحرافات والضلالات الموجودة! فهو أشبه بالجنين الذي يسعى في العودة إلى رحم أمه، حيث يكتفي بنفسه، ويرتدّ إلى كماله وحنانه المفقود. المتعصّب الجهادي يعاني من الجرح النرجسي، ويسعى إلى تصحيحه مُستخدمًا الإيثار والتضحية في سبيل هداية العالم حينًا، ومُستخدمًا العنف والانتقام من هذا العالم الجاحد حينًا، بغية التخلّص من عواقب هذا الجرح، والعودة إلى نعيم الأمومة وأوقيانوس السعادة الذي لم ولن يعود.

(8)

التعصب انتشاء وتوهم بالعظمة.. والإنسان المهزوز والفارغ بحاجة إلى هكذا انتشاء وتوهمات، سرعان ما تختفي! لنتذكر الصعود الصاروخي لـ (داعش) والحركات الجهادية، ومن ثم انهيار الرهان عليها سريعًا، لنتذكر كذلك الفورة التي رافقت ثورة الخميني كذلك واستبشار العالم الإسلامي بها! التعصب الديني (للا- ديني أيضًا) غريزة ومتعة حيوانية.. الإنسان يتشارك في متعه مع الحيوانات، ولكن الحيوانات لا تتعصب دينيًا. التعصب انتشاء توهم بالعظمة، عندما يفتقد الإنسان السبل إلى تحقيق ذاته، وبناء مجده الخاص والتقدير الاجتماعي.

(9)

وفقًا لنظرية التحليل النفسي، يتعرّض الأطفال الذكور –لا شعوريًا- إلى تأثيرات عقدة أوديب والخوف من خصاء الأب لهم، وإزالة الأعضاء التناسلية المذكرة. يقوم الزعيم أو الوطن أو المعتقد الديني بدور الأب الرمزي في عقدة أوديب؛ فنصبح أمام حالة خصاء مواز يتظاهر في قتل الأب الرمزي والسلوك التدميري الانتقامي من الذات والآخر، حيث إن الموت هو أحد أشكال الخصاء (فرويد).

(9)

تتميز العقائد الدينية على الأغلب بفكرة وجود هدف وغاية للحياة تكون ما وراء الحياة، بينما نفتقد ذلك عند المؤمنين بالعقائد اللا- دينية والعقائد الإلحادية واللا-أدرية، فنجدهم يقصرون السعادة في حياتهم عبر سائر المُتع الحسية والمعرفية والفنّية. من هنا؛ نجد المتعصّبين في الأديان أكثر ميلًا إلى الزهد في متع الحياة، مقابل متع موعودة مؤجّلة إلى ما بعد الموت. ومن الطبيعي أن يتشبّث المؤمنون بالعقائد اللا- دينية أكثر بالحياة ويستغرقون أنفسهم بها.

(10)

إنّ من يملكُ علمًا ويملكُ فنًا؛ فإنهُ يملكُ دينًا كذلك. ولكن مَن لا يملك علمًا ولا فنّا؛ فليس أمامه إلا أن يكونَ من المُتدينين.

يوهان غوتة – شاعر ألماني

(11)

لولا المحبة وفضيلة التسامح؛ لاستحالت الحياة على هذا الكوكب.

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق