تحقيقات وتقارير سياسية

الاستزلام

 

الاستزلام: ظاهرة سلوكية مجتمعية، تشير إلى أشخاص يتبعون زعيمًا سياسيًا، أو قائدًا عسكريًا، أو وجيهًا اجتماعيًا، أو مديرًا ومسؤولًا في دائرة معينة، وكل ذلك لمصلحة شخصية، كما أنها تشير -من ناحية عكسية- إلى الزعيم أو القائد أو الوجيه والمسؤول نفسه، الذي يعمد إلى تشكيل مجموعات من الأزلام، وتقريبهم إليه وإتاحة المنفعة لهم، مهما صغرت.

تشرح معاجم اللغة العربية كلمة (زلم)، بــ “زلَم السهم: سوّاه وقوّمه”، والزّلَم: “كراع الظِّلْف” عند الحيوانات، والأخص “أظلاف الأبقار”، والزَّلَم: السهم الذي لا ريش له، والأزلام هي “سهام صغيرة” استُعملت قبل الإسلام، وكانوا يقترعون بها، بأن يُكتب على بعضها كلمة (افعل)، وعلى بعضها (لا تفعل) و”يضعونها في كيس، فإذا أراد المرء حاجة؛ أدخل يده في الكيس لإخراج واحد منها، فإذا وجد المكتوب عليها (افعل)؛ مضى في حاجته، وإذا وجد العكس لم يمض في حاجته”، واستخدمت أيضًا لإثبات “المشكوك في نسبه”، وجاء في الآية الكريمة: “إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ”.

أصبح سلوك (الاستزلام) حالة علنية في الممارسة والأداء، لدى العديد من الأشخاص، ويمكن تلمّس هذا السلوك، في أماكن مختلفة داخل مجتمعاتنا، بداية من العصبية العائلية والعشائرية والمناطقية، وصولًا إلى الأحزاب والتنظيمات السياسية، وقد انعكست على المؤسسات العامة والدوائر المختلفة، وعلى طرق إدارتها والتوظيف والتقييم والأداء فيها، وبدا أن لكل زعيم “أزلامه” كشخص، وليس بصفة مؤيدين له كصاحب رؤية أو مشروع فكري، وهذا أيضًا سلوك يُرضيه، كونه يحيط نفسه بالمقربين أو الأتباع/ الأزلام أصحاب المنفعة الضيقة، الذين لا شخصية لهم بعيدًا عن شخصيته التي تقمّصوها، فأصبحوا يكيلون بمكياله، ويزينون بميزانه، ويتكلمون بلسانه، ويضربون بسيفه، ولا قائمة لهم بدونه.

والشخصية التي تطرح نفسها في موقع قيادة، بلا أساس أو “قوائم” ذاتية تسندها وترفعها، تحتاج إلى قوائم تعتمد عليها (الاستزلام)، لتنهض من خلال “أزلامها” أو “أظلافها”. ولهذا فإن “الاستزلام” ظاهرة لتبادل المنافع، فالمسؤول/ السيد الذي يحيطه أزلامه لن يجد حرجًا في جهله أو خطئه أو عدم كفاءته، إذ إن ابتسامة منه، بالنسبة إلى “أزلامه”، تُعدّ ميزة مباركة، وهؤلاء الأزلام مستعدون للدفاع عن سيدهم بل القتال من أجله، والموت في سبيل رضاه. وهكذا؛ يستخدم الزعيم أتباعه/ أزلامه لقضاء مآربه وبلوغ غاياته.

نجد في مجتمعاتنا أن كافة الأحزاب والتنظيمات في العقود الماضية، بنت هياكلها على مفهوم (الاستزلام)، لا مفهوم الأداء، كذلك نجد موظفي الدرجة الأولى في القطاع العام، هم أزلام الأنظمة وأدواتها و”أظلافها”، وأصحاب هذا السلوك يتفاخرون بأنهم أزلام سلطانهم وقائدهم وزعيمهم، وقد تدهور الفعل السياسي الجاد والوطني في بلادنا، بسبب هذه الظاهرة، كما تدهورت مؤسسات الدولة بفعلها، وبدا أن منظمات المجتمع المدني التي أنتجتها الأحزاب والسلطات، هي هياكل متكاملة مبنية على هذه الظاهرة، ولها الغرض والدور نفسيهما.

عملية (الاستزلام) هي استهتار بالكرامة الذاتية للإنسان المستزلَم من قبل المستزلِم، وبالنتيجة بكرامة المجتمع وأخلاقه، فعندما يتم تقديم المنفعة بناء على هذا المعيار، فإن هذا يعني تغييب الشخصية الحرة المستقلة والفاعلة، لتحل مكانها الشخصية المراوغة والمسيئة، ويمكن تشبيه الحالة بقطعة حلوى تحوم حولها مجموعات الذباب.

يسير الأتباع خلف زعيمهم الذي استزلمهم، وهم مسلوبو الإرادة، يتحركون بأوامره، ويتبعون قراراته وتعليماته أيًا كانت، وتوسعت هذه الظاهرة، لتشمل رجال الدين وفتاواهم، الذين لهم أتباع أو (أزلام)، وأخذت تتعمق لتقتحم كل مناحي الحياة الاجتماعية بعصبية قاتمة، تزيد تعميق الشرخ الاجتماعي، نتيجة تداخلاتها وسلوك أفرادها حتى على مستوى العقائد، مع ظهور دعاة يتلاعبون بمشاعر الأتباع لتغييبها عن واقعها.

في دول تحكمها التوازنات الطائفية أو القبلية والعشائرية، تبدو ظاهرة (الاستزلام) عبارة عن متراس حرب مؤجلة بين المكونات، تغذيها الانتماءات -كما في لبنان والعراق، على سبيل المثال- لأجل مصالح أصبحت تتعلق بالأمن الشخصي والحماية، لعجز الدولة المركزية عن أداء دورها، وتتعلق أيضًا بالحصول على وظيفة أو رخصة عمل، من خلال ترشيح الزعيم للشخص، وهي ظاهرة استغلها نظام الأسد في سورية، ليس فقط في التوظيف أو توزيع المناصب أو تنظيم الجيش والأمن وبقية المنظمات، بناء على حجم (الاستزلام)، بل كذلك في تدعيم العشائرية والعائلية، من خلال إتاحة هامش لزعيم محلي بتقديم منفعة لمقربيه.

ظاهرة الاستزلام انعكست كذلك، على بعض مؤسسات المعارضة السورية، السياسية والإدارية والخدمية والإغاثية وغير ذلك، وأثرت على أدائها، كما أنها حالة مرضية سادت في تشكيلة الفصائل المقاتلة، وأصبح كل قائد جماعة عسكرية له أزلامه الذين يتبعون مشروعه لا مشروع الوطن، وعلى هذا يصعب توحيد جهودهم وأهدافهم، بسبب حالة الذاتية و(الاستزلام)، بين الرئيس والمرؤوس، إن لم نقلْ بين السيد والعبد.

إن هذه الثقافة الخطيرة التي أصبحت سائدة، تهدد القيم المجتمعية، وتطرد الكفاءات، وتعيد عقارب الساعة إلى الوراء، في كل مناحي الحياة، كونها ثقافة مدمرة وتستبيح كل شيء لأجل شخص، فتُعمي البصيرة وتفلت العنان لكل من يستسهل الاستخفاف بطاقات البشر، وقدراتهم وكراماتهم وآرائهم وطموحاتهم.

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق