مقالات الرأي

ثقافة الإرهاب في بنية النظام السوري

 

في شهر آذار عام 2006، كنت مدعوًا إلى الغداء في الربوة، وأثناء الغداء، ورد اتصال هاتفي إلى شخص يجلس بجواري، ومن الكلمة الأولى التي نطق بها؛ عرف الجميع مباشرة أنه من الشخصيات الأمنية في البلد، كان غاضبًا جدًا في رده، لم يترك كلمة بذيئة إلا وصف زميله المتصل به، ألطفها (حمار، غبي، ما بتفهم… إلخ) باللهجة الأمنية المتعارف عليها في سورية، ولكن الملفت في الاتصال الهاتفي قوله: ألا تستطيع مع مجموعتك أن تحرقوا بعض المحال والسيارات والمباني الحكومية المحيطة بهم، وتعتقلهم بتهمة الإرهاب والتخريب!”، وبعد انتهاء المكالمة، عرفت أنه ضابط في القصر الجمهوري، وكان غضبه العنيف على زميله، لأنه لم يتصرف بإرهاب، كما ورد في حديثه، تجاه بعض السوريين الأكراد، الذين تجمعوا في ساحة السبع بحرات وسط دمشق، قرب مقر رئاسة الحكومة السابق، بمناسبة الذكرى الثانية لأحداث مدينة القامشلي، والتي اندلعت في 12 آذار/ مارس 2004 قبيل بدء مباراة في كرة القدم بين ناديي الجهاد والفتوة المحليين، في الملعب البلدي في المدينة.

علمت، من خلال وسائل الإعلام، فيما بعد، عام 2011 أن هذا الضابط ذاته، بعد التقاعد من خدمته، أصبح من الشخصيات الرئيسية في سورية، التي تقود إحدى الميليشيات الإرهابية التي تقوم بإرهاب المواطنين، وقتلهم واعتقالهم وتعفيش أرزاقهم.

طبعًا، هذه الحادثة ليست بالجديدة، إذ إن هذا العنف الإرهابي يعود إلى السبعينيات، من الأيام الأولى لانقلاب الأسد الأب على رفاقه في حزب البعث، حيث كنا نسمع في ريفنا السوري العديد من القصص والروايات البطولية -كما يعتقد أصحابها- عن كيفية اندساسهم (عناصر من سرايا الدفاع والوحدات الخاصة) بين طلبة الجامعة، وبين المعارضين المتظاهرين ضد الانقلاب، والقيام بأعمال تخريبية، تسيء للطلبة وللمواطنين المحتجين، وتسهّل عملية اعتقالهم بتهمة التخريب للخدمات العامة… إلخ.

هناك آلاف القصص المشابهة على امتداد المدن والبلدات السورية، إنما قصدت من روايتي لهذه القصة أن تكون مدخلًا للتعرف على أصالة الثقافة الإرهابية، في بنية نظام البعث الاستبدادي، منذ أن اعتلى السلطة السياسية، وبخاصة بعد انقلاب الأسد الأب العسكري عام 1970. وهذا يستدعي -بدايةً- تعريفَ الإرهابي؛ في (المعجم الوسيط)، الإرهابيون هم أولئك الذين “يسلكون سبيل العنف والإرهاب لتحقيق أهدافهم السياسية”، وجاء في (المنجد) أن “الإرهابي هو من يلجأ إلى الإرهاب بإقامة سلطته”.

ثمّة إجماع من الأكاديميين المختصين بموضوع الإرهاب على تعريفه بأنه: فعل عنيف لتحقيق هدف سياسي، بأسلوب مخيف ومرعب وموجه نحو المدنيين، بشكل مباشر وغير مباشر. وما يميّز هذا الإرهاب عن العنف، أنه عنف منظم يمارسه نظام سياسي استبدادي، كوسيلة لتحقيق أهداف سياسية وعقائدية، أما العنف العادي فيكون موجهًا نحو شخص محدد غالبًا، والإنسان العنيف -في أي حال من الأحوال- أخف وطأة في ممارساته العنيفة من الإرهابي، ويمكن علاجه، من خلال إزالة الدوافع الكامنة وراء عنفه.

أيْ إنّ إرهاب النظام السوري هو نسق ثقافي رئيس متأصل في بنيته السياسية، قبل اعتلائه السلطة السياسية، من خلال ثقافته السياسية والأيديولوجية التي تُقصي الآخرين من المشاركة السياسية في المجتمع السوري، لا بل حتى الوظيفية في المؤسسات الحكومية، وقد تجسدت هذه الثقافة الإرهابية، في استخدام العنف الإرهابي تجاه الآخرين، بهدف إخضاعهم له.

أول تجسيد لهذه الثقافة الإرهابية، في عهد الأسد الابن، كان طريقة تعامل نظامه مع شعبه، يوم خرج الشعب إلى الشارع مناديًا بالحرية والديمقراطية ومطالبًا بحقه في المشاركة السياسية، بهدف بناء وطنه السوري في ثورة 2011، ليس بالاعتقال والتعذيب فقط، كما كان يجري قبل 2011، وإنما اتجه إلى ممارسة حرب الإبادة للمدن والبلدات السورية التي انطلقت منها التظاهرات، ببربرية ودموية، لم يشهد تاريخ البشرية مثيلًا لها، من خلال تدمير القطاعات الخدمية والإنتاجية الحكومية والخاصة (المشافي، المدارس، الكهرباء، الماء، الهواتف، المؤسسات الصناعية، قطع مياه الأنهار عن الأراضي الزراعية… إلخ) إضافة إلى قتل مئات الآلاف من السكان الآمنين، وكذلك من الجرحى والمعاقين وآلاف المفقودين، وتهجير ملايين السوريين وانتهاك إنسانية المواطن السوري، وخصوصًا ظاهرة الاغتصاب للآلاف لكلا الجنسين، بهدف معاقبة أوسع الفئات الاجتماعية السورية، وكل ذلك من أجل أهداف عقائدية وسياسية.

هذا النوع من الإرهاب، في عهد الأسدين الأب والابن، هو سياسة ممنهجة، بل أضحى جزءًا لا يتجزأ من بنيته السياسية. بحيث يمكن تسميته إرهاب النظام السياسي (الدولة) الذي يتم بأمر من أعلى مسؤوليه، أو بتأييده وموافقته المسبقة.

غير أن ثقافة الإرهاب لم تَعد تقتصر على دائرة مؤسسات النظام الأمنية والعسكرية فحسب، بل اتسعت إلى ما يُسمّى حاضنته الاجتماعية، من خلال بعض الأفراد والجماعات المسلحة والعصابات المنظمة وغيرها، التي أوجدها النظام بعد 2011، والتي أدخلت الرعب والخوف الدائم في نفوس المواطنين الآمنين، من خلال ممارساتها الإرهابية في الحياة اليومية التفصيلية للمواطنين، دون التنسيق المباشر مع المؤسسات الأمنية للنظام، عن طريق ممارستهم للقتل الجماعي والاغتيال والتفجير والخطف، بهدف ابتزاز المواطنين، ماليًا أو ما يسمى بالفدية، والتعفيش لأرزاقهم… الخ، دون التمييز في نوع الضحايا وفئاتها العمرية، لذلك نجدها تستهدف كل المواطنين في المجتمع السوري، ما يعكس وحشية ودموية إرهاب هذا النظام في المجتمع السوري، حيث الأعمال الإرهابية لم تستثن أحدًا.

ما نتج من ردّات فعل إرهابية، من التنظيمات الإرهابية الأخرى (داعش وأخواتها.. وغيرها)، هو أيضًا صادر عن ثقافة إرهابية متأصلة في عقيدتها الأيديولوجية والسياسية التي تماهت مع إرهاب النظام، في ممارساتها الإرهابية، في الكثير من المدن والبلدات السورية التي سيطرت عليها.

انعكست آثار ثقافة الإرهاب على بنية وقيم المجتمع السوري، وظهرت في انتشار الفساد والرذيلة واهتزاز القيم الأخلاقية، والكراهية المتبادلة، وهي أمورٌ يصعب معالجتها بسهولة في المدى القريب، وأولى خطوات معالجتها محاكمة مُنتجي ثقافة الإرهاب في النظام السوري.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق