شرق السكة غرب الثورة

 

لطالما تكرر من بين عدة مصطلحات تقسيمية، ضمن الثورة السورية، والصراع الذي أشعلته الدول المتصارعة على سورية، مصطلحٌ أطلق منذ قرابة عام: “شرق النهر وغرب النهر”. والنهر هنا هو الفرات، ولكن المصطلح الأكثر جدلًا، وإثارة للاستغراب، هو “شرق السكة”
نعم إنها تعني نفسها، ومنطقها وترسم الحدود التي لم يكن أحد يتصور أننا سنصل إلى ذلك أبدًا.

“شرق السكة” هو بالضبط يقع غرب القضية السورية، بل نقيضها، لأنه مصطلح دخيل على ثقافة السوري الذي يعرف شرقه وغربه تمامًا، وليس من ضمن معجمه الجغرافي والثقافي، “شرق سكة أو غربها”. شرق السكة يقع تمامًا بين يدي ثالوث الإجرام: (جبهة الجولاني، سليماني، بوتين). حيث أصرّ الأخير على أن يكون شرقها بين يديه، وأن يكون هو حافظًا أمينًا له لحين تأدية الأمانة إلى أهلها. كيف لا، وهو من ينزل إلى شرعه الخاص دائمًا، منطق شرق السكة يقع خارج حدود الثورة وطريقة تعاطيها مع أشبار الأرض السورية، فالثورة لديها شرقها الذي يصل إلى البوكمال ويتاخم القائم العراقية، ولديها غربها الذي يمشي مع المتوسط كتفا بكتف.

من وضع هذه المصطلحات هو ثالوث الإجرام، فأولهم من وضع نفسه شرق المجتمع، وعزل نفسه بكانتونات معزولة فيها صراع ذو صبغة حدية جدلية بين كافر ومؤمن وملاحدة ومسلمون، نعم هو شرق سكته الذي رسمه في ذهنه، وليس على الأرض، ليس عبثيًا أن تكون (النصرة) حصان طروادة كما كانت (داعش)؛ فالنصرة كما النظام لهما مصلحة مشتركة، وهي القضاء على الثورة؛ فيستفيد الثاني بكسر إرادة الشعب، والأول يجني أموال، إلى الآن نحن عاجزون عن حسابها. والثاني أخذ قرارًا مصيريًا ضد الشعب السوري، قسمه عبر شرق سكته الخاص إلى تكفيري بآل البيت، وشيعة آل البيت. والثالث كان شرق سكته تقسيميًا بجدلية حرية -إرهاب وخضوع وخنوع – ليس إرهابيًا. منطق متهالك مثل منطق لافروف اليوم بتصريحه عن معارضة مؤيدة للحكومة ومعارضة تريد إنهاء الحكومة. سبحان الله! شرق سكة يحدد ما تريده موسكو، فإضافة مصطلح جديد في علم السياسية يجب أن يدرس (معارضة مؤيدة للحكومة).

شرق سكة (الجولاني-بوتين–سليماني) هو غرب القضية ومعاكسها وليس منها، فهو يعلم أنه ساقط مع سقوط الأسد بل سيسحل في الشوارع هو وعقابه وزبانيته الذين وجدوا في المجتمع المتصالح مع نفسه عدوًا مبينًا، فكيف لمجتمع ينهض ويقاوم أن لا يكون عدوًا للأسدين: بشار والجولاني؛ فالجولاني كان مغوارًا باسلًا على من وقّع على اتفاق شرق سكته -كما أدعى- وقضى عليه، ولكن لم يكن أحد يعلم أنه يقضي على بذور التمرد الذي قد يحصل على أي اتفاق فتسلم بعدها التنفيذ والإشراف بنفسه. إن ثالوث الإجرام: (الجولاني-بوتين-سليماني) هو الذي تعهد بمهمة تحويل الثورة السورية التي غيّرت وجه المنطقة مرة واحدة وإلى الأبد، بتحويلها إلى قضايا إرهاب و(داعش) وجهاديين تكفيريين، فلهذا الثالوث وحده قصب السبق في تغير المفاهيم في الثورة.

كيف لا، وهو الذي تولى مسألة القضاء على من قرر المقاومة في حلب المحاصرة، ولا زلت أذكر، وأنا الشاهد على قضية إفراغ مستودعات الفصيل الأكبر في حلب على يد أمنيي القاعدة تنفيذًا لمقررات عقدت صفقة حلب. نعم ليست المرة الأولى التي يقوم بها الجولاني بمهامه ويشرعنها، ولكن كيف لنا أن نستوعب أن هناك إلى الآن من لم يرهُ بعيني شرق السكة بل يراه بعين الرضا! شرق السكة هو نفسه منطق التحايل والمخاتلة والمغالبة، وليس غريبًا على من لم نعلم إلى الآن من هو، ومن أين أتى، ولن يمضي وقت طويل، ليعلم السوريون مَن رسم شرق السكة وغربها وشرق النهر وغربه أن سورية مرت بمشروع غورو، وكسرته ومرغته بوحل سجله التاريخ، وكان لمنطق شرق السكة عرابين، كما الجولاني فكان صبحي البركات الذي أصبح رئيسًا لفدرالية الأقاليم التي رسمتها رؤية الأغراب والمحدودة بتقسيمٍ، يروق لدول الأغراب أن تراه في بلادي سورية، لن يمرّ وقت طويل، حتى يدرك الأغراب أن سورية أكبر من أن تبلع، وأصغر من أن تقسّم، لأنها ولدت هكذا وستبقى. إن مرّ شرق السكة، أو شرق النهر وغربه، اليوم، فهو حدث عرضي مؤقت، ستدحله الأيام وتكسر مسنناته، كما فعلت من قبل.