مأمون نوفل

 

الشهيد مأمون سعيد نوفل: مخرج سينمائي من مواليد 1970، في بلدة (عمرة) شمال شرق مدينة (شهبا) في محافظة السويداء، من أسرة مكافحة. استشهد والده في حرب تشرين في الجولان عام 1973، تاركًا خمسة أولاد في دائرة اليتم، منهم مأمون بعمر ثلاث سنوات، وهو أيضًا حفيد المجاهد معذّى نوفل الذي شارك في معارك الثورة السورية الكبرى ضد الاحتلال الفرنسي، وأصيب بإحدى المعارك.

درس نوفل مع إخوته في مدارس “أبناء الشهداء” في العاصمة دمشق، وحصل على الشهادة الثانوية، ثم تابع تعليمه الجامعي في كلية الهندسة الكهربائية في جامعة دمشق، لكن التكاليف اليومية، وضيق الأحوال المادية على الأسرة، اضطرته إلى أن يترك الجامعة، ويعمل لمساعدة أسرته في تحمل أعباء الحياة. أنهى خدمته العسكرية، وغادر بعدها إلى لبنان للعمل بمهن مختلفة، وبقي على هذه الحال يكد ويكافح بين سورية ولبنان نحو 12 عامًا.

أولع بمطالعة الكتب منذ مرحلة شبابه المبكرة، وتنوعت قراءاته بين الأدب والشعر والدراسات، وبدا يظهر شغفه بالأفلام السينمائية وطرق صناعتها، إلى أن وجد فرصة في دورة إعداد المخرجين في المركز الثقافي الروسي بدمشق، فالتحق بها، وبدأ بعد تخرجه بإخراج بعض الأفلام القصيرة.

مع انطلاق الثورة السورية، انتمى نوفل إلى تلك الروح الوطنية السورية الباحثة عن الحرية والكرامة، ومع نزوح الناس من بيوتهم، بسبب اقتحام قوات نظام الأسد للمدن والبلدات، بدأ يساهم بتقديم الإغاثة لنازحي الغوطة القادمين إلى جرمانا.

في 8 تشرين الثاني/ نوفمبر 2012، قامت ميليشيات النظام المحلية في جرمانا، باعتقال نوفل، بسبب العمل في مجال الإغاثة ومساعدة النازحين، حيث وجدوا لديه كيسًا يحوي بعض الأدوية التي كان يستعد لتقديمها إلى المرضى المحتاجين، واتُهم أيضًا بنقل بعض مواد الإغاثة للعائلات، داخل مناطق الغوطة الشرقية.

بعد اعتقاله؛ اقتيد إلى مكان مجهول، وحاولت العائلة -بكل ما أتيح لها من وسائل- معرفة مكان اعتقاله، لكنها لم تحصل على جواب واضح، وباءت كل محاولات العائلة للحصول على أي معلومة حوله بالفشل، سوى شبه معلومة بسيطة تشير إلى أن عناصر الميليشيا الذين اعتقلوه، سلموه إلى (فرع أمن الدولة)، حيث أودع في قسم (الخطيب) بدمشق.

أُبلغت العائلة، بعد مرور نحو 9 أشهر، وذلك في آب/ أغسطس 2013، بأنه قد توفي، وعليهم الحضور لاستلام جثته من فرع الشرطة العسكرية، الذي أحالهم إلى مشفى المجتهد وسط العاصمة دمشق، لكن بالنتيجة لم يتم تسليمهم الجثة، ولا حتى هويته الشخصية، وقد أبلغتهم السلطات أنه محروم من كافة حقوقه المدنية حتى بعد موته، أي لا يمكنهم إنشاء قبر له، أو المطالبة بأي حقوق تخصه، وقد علمت الأسرة بعد ذلك أن نوفل استشهد قبل ذلك التاريخ بعدة أشهر، في مشفى المجتهد، في أيار/ مايو 2013، بعد نقله إليه على إثر تعرضه للتعذيب الشديد في (الفرع 285)، وأن النظام دفنه في مقبرة جماعية قرب مدينة القطيفة شمال دمشق، مع عدد من المعتقلين الذين تمت تصفيتهم.

منعَ نظام الأسد عائلة نوفل في بلدة (عمرة) من إقامة حفل تأبين له، كما مُنع أصدقاؤه من إقامة مراسم تعزية أخرى له في مدينة السويداء، وفرقتهم عناصر الميليشيات والأمن بالقوة، واعتقلت البعض، لتتم إقامة مراسم تعزية، تكريمًا له ولذكراه، من قبل المعارضة السورية في العاصمة الأردنية عمان، وفي بيروت.

قدم الشهيد مأمون نوفل بوفاته فيلمًا توثيقيًا عن جزء من سلوك النظام وأجهزته، ليبقى في ذاكرة كل من عرفه من السوريين، مناضلًا وطنيًا هزَم خصومه بنبل طبعه وأخلاقه، وإيمانه بحقوق السوريين بالحرية والعدالة، وقد عاش وفيًا لمبادئه وأصدقائه وكل من عرفه، وقضى متابعًا خطى والده في نيل الشهادة، والمفارقة أن والد مأمون استشهد في حرب ضد “إسرائيل”، ومأمون استشهد في أقبية نظام الأسد، تاركًا ولدَيه: سارة وكرم، في مرارة اليتم التي سبق أن نشأ فيها.