قضايا المجتمع

هل الأرض تدور؟! جدل في القرن الحادي والعشرين

 

اشتدت خلال السنوات الأخيرة تصريحات صادمة وغير مألوفة، من رجال دين من مواقع مختلفة، ضد الحقائق العلمية التي اتفق عليها العقلاء كافة: كروية الأرض ودورانها حول نفسها وحول الشمس، ونظام المجموعة الشمسية، وغيرها من الحقائق العلمية المختلفة.

وقد اشتدت هذه الظاهرة حين أتيح للشركات التجارية إطلاق قنواتها الخاصة، بل أتيح لأي من للأفراد أن يقيم قناته الخاصة على (يوتيوب)، وانتهى بذلك عصر احتكار الدولة للبث الفضائي، حيث كانت الدولة إلى حد ما مسؤولة عن البث الفضائي، وتحاول أن لا يناقض ما يتعلمه التلاميذ في المدارس.

بالطبع، لا أكتب هنا لأثبت هذه الحقائق علميًا، ولا كي أسفّه موقف المنكرين، فهذا اللون من التفكير موجود في كل العالم، وجمعيات أصدقاء الأرض المسطحة وإنكار الوصول إلى القمر كثيرة، وموجودة في أميركا وأوروبا وفيها حتى علماء فلك! بالمناسبة فإن عددًا من أعضاء هيئة كبار العلماء في السعودية لا يزالون يفتون بتحريم القول بالصعود إلى القمر، وتحريم القول بكروية الأرض! ولكنني أبحث هنا عن شيء آخر، وهو سبب انتشار هذا اللون من التفكير، ومعنى اعتبارها تأويلًا صحيحًا للقرآن الكريم. وقناعتي أن هذه الموجة من الفتاوى تعزى إلى سببين اثنين:

الأول حالة الشك المستمر في الغرب والعقل المؤامراتي الذي بات سمة واضحة في التفكير العربي، وقد زادت السياسات الغربية المتخبطة هذه القناعة لدى جمهور كبير من العرب؛ فبات افتراض مؤامرة وراء كل تصريح أو خبر أو موقف أمرًا عاديًا وضروريًا، يتكرر كل يوم مئة مرة.

السبب الثاني هو طريقة تعامل رجال الدين مع القرآن الكريم، في ظاهرة تكريسه نصًا فوق العقل وفوق العلم، وهي ظاهرة باتت تتزايد باطراد في خيار سلفي حاد، بخاصة على مستوى شيوخ الإعلام الرسمي الذي بات يمارس دورًا سيئًا في مجاملة المؤسسات الدينية التقليدية، على حساب النهضة والمعرفة.

ومع أن التاريخ واضح في طبيعة الانقسام بين تيار النص وتيار الاجتهاد، أو بين العقل والنقل، أو بين أهل الرأي وأهل الأثر، حيث كان الإسلام الشعبي دومًا في تيار أهل الاجتهاد والرأي، وكانت الظاهرية عادة في تيار النص، وكانت الدولة الإسلامية دومًا تختار الإسلام الشعبي الحافل بالتأويلات والاجتهادات، فيما تبقى المعارضة الدينية عادة من أتباع التيار النصي الحرفي، ولكن السنوات الأخيرة حققت ظهورًا سلفيًا غير معتاد، وبشكل خاص حين تبنت السعودية -وهي دولة إسلامية كبرى- منطق الحكم بظاهر الكتاب والسنة، وأقامت لأجل ذلك عشرات المؤسسات الكبرى المنتشرة في العالم، وإلى عهد قريب كان لكل هيئة خارجية مستشار مسؤول عن تطبيق ظاهر الكتاب والسنة، بما في ذلك السفارات الدبلوماسية التي كانت تضم دومًا ملحقًا ثقافيًا، تتلخص مسؤوليته في الدعوة إلى تطبيق ظاهر الكتاب والسنة.

وكدليل بسيط على حداثة هذا الموقف، فإن الدول الإسلامية الكبرى: إندونيسيا وتركيا وماليزيا ونيجيريا والمغرب والجزائر ومصر والشام والعراق وغيرها، تقيم عادة أكبر حفلات المولد النبوي على مستوى حكومي ووطني، وتحتفل بالإسراء والمعراج، وليلة النصف من شعبان، وتقيم للأولياء والأنبياء قبابًا ومشاهد ومزارات، وقد ظل ذلك خلال التاريخ منذ قرون طويلة دون أدنى إنكار، وصارت له طقوسه ومراسمه وأنشطته وأفراحه، ولكن ذلك كله اعتبر بدعًا منكَرة بضراوة، في البرنامج السلفي، وتزايدت باطراد الأقلام التي تكتب في التحذير منه في مواجهة إجماع شعبي وحكومي على تعزيز هذه المناسبات.

وقامت هيئات إسلامية كبرى مدعومة بموازنات ضخمة، تحت عنوان الهيئة العالمية لإعجاز القرآن، والهيئة العالمية لإعجاز السنة، والمجلس العالمي لإحياء كتب الصحاح، وغير ذلك من المؤسسات التي تنتهي دومًا إلى عبارة إن العلوم كلها مخزونة بشكل سحري وإعجازي في سطور الكتاب والسنة، وإن على العقل أن يناضل لفهمها وحفظها واستظهارها، وصار العلم الذي لا ينتمي إليها بسبيل علمًا مشكوكًا فيه، وصارت الحقائق العلمية مطالبة بأن تُؤيَّد بوجه من وجوه الدلالة الكتابية أو السنية، وصار النص هو الأصل الذي يفسر الكون، فيما تأتي التجربة والبرهان والفيزياء في مرحلة تابعة.

هذا المنطق السلفي في التفكير موجود في كل دين، وقد عرفت النصرانية هذا المذهب على يد القديس أوغسطين في القرن الخامس الميلادي؛ إذ أنكر أن يكون للعلم أدنى قدرة على تغيير حرف من النص المقدس، وأنّ على العلم أن يلتزم بظاهر الكتاب، وأن كل فهم يخالف ظاهر الكتاب فهو ردة وهرطقة وجهل مطبق، ولن يقود إلا إلى الجهل والجاهلية.

وفي سبيل ذلك دخلت الكنيسة في صراع مع العلم، استمر ألف عام، ولم تخرج منه أوروبا إلا بعد سلسلة حروب دينية ماحقة انتهت بمنع الكنيسة من التدخل في الحياة، وحصارها في خمسمئة متر مربع من الأرض، ومنحها سلطانًا وهميًا عابرًا للقارات تتحدث فيه ما شاءت عن السماء، ولكن لا حق لها في شيء في تفسير الأرض.

هذه المفارقات نفسها نشهدها اليوم، حيث تنتشر سلسلة أشرطة على (يوتيوب) لشيوخ معروفين يصرحون بوضوح أن القول بكروية الأرض جحود لنص القرآن، وأن الاعتراف بالكواكب على الوجه الذي يقدمه العلم ما هو إلا هرطقة وشك في القرآن الكريم الذي يعرف الكواكب بأنها مصابيح زينة، وأن كل ما يزعمه الغرب الكافر من الوصول إلى الفضاء هو وهمٌ، يجب أن نقاومه ونرفضه.

ولكن ما يصدمك في هذا السياق أن هذه الحقائق العلمية التي تعودنا صغارًا أن نعتبرها من إعجاز القرآن، كما كان يلقننا أساتذتنا في المدارس التقليدية، باتت اليوم في مكان آخر، وبات الموقف الأكثر حضورًا في المؤسسة الدينية التقليدية هو العودة إلى التفسير الظاهري للنص، وفق قراءة السلف، مهما كان هذا التفسير صادمًا للعلم والمنطق، وأن أي تأويل يخالف كلام السلف هو هرطقة وعناد وإنْ دلّت عليه كل الحقائق العلمية!

في الحقيقة، إن هذه الفتاوى مسطورة بالتفصيل في كل كتب التراث الاسلامي، ومعظم المفسرين يعد ثبوت الأرض وتسطحها من لازم النص القرآني، وأن تأويلها إلى ما يقوله أهل الهيئة غير مقبول، ويمكنك -مثلًا- قراءة آيات سورة (المرسلات) وسورة (عمَّ) في تفسير ابن عطية أو الطبري أو القرطبي.

جاء في تفسير ابن عطية، في قوله تعالى {والله جعل لكم الأرض بِساطًا}: أما اعتقاد كونها بسيطة فهو ظاهر كتاب الله تعالى، وهو الذي لا يلحق عنه فساد البتة. واستدل ابن مجاهد على صحة ذلك بماء البحر المحيط بالمعمور، فقال: لو كانت الأرض كروية لما استقر الماء عليها.

وفي تفسير القرطبي: في هذه الآية ردّ على من زعم أن الأرض كالكرة، وردّ على من زعم أن الأرض تهوي أبوابها عليها، وزعم ابن الراوندي أن تحت الأرض جسمًا صعادًا كالريح الصعادة….. والذي عليه المسلمون وأهل الكتاب القول بوقوف الأرض وسكونها ومدها. أما الخازن فقد كتب في (لباب التأويل): أخبر سبحانه أنه مد الأرض، وأنه دحاها وبسطها وكل ذلك يدل على التسطيح والله تعالى أصدق قيلًا وأبين دليلًا من أصحاب الهيئة.

وتكمن المشكلة في إقحام النص الديني في إثبات الحقائق العلمية، وفي الواقع، إن هذا اللون من الإقحام ضار بالمنهجين جميعًا، فلن يستقيم الإعجاز إلا بتأويل متكلف، ولن يحقق العلم أي غاية، وهو مأمور بأن يجامل النصوص.

لماذا يجب أن يكون في القران جواب عن كل سؤال؟ ولماذا يجب أن تكون إشارة القرآن أو عبارته حاكمًا على الحقيقة العلمية؟

القرآن نص أدبي لا يحتمل هذه المجازفات، ولا يتحمل هذه التأويلات، ومنذ فجر الرسالة كتب أبو عبيدة معمر بن المثنى (توفي 209 هجري) كتابه (مجاز القرآن) وأشار فيه إلى عشرات الآيات في القرآن الكريم، ليست مرادة على ظاهرها ويجب تأويلها عن ظاهرها، ومن ذلك: يد الله، وعين الله، وساق الله، وناقة الله، وبيت الله، وعرش الله، ولتصنع على عيني، فإنك بأعيننا، وأن سفينة نوح تجري بأعيننا.. وهي آيات كثيرة اتفقوا من دون نزاع أن ظاهرها غير مراد، وأنه يجب تأويلها على خلاف الظاهر، وفي السنة من ذلك: يد الله، ورجل الله، وحقو الله، وزنار الله، ومثله أن الله جاء يمشي ويهرول ويركض ويضحك وظهر على صورة شاب أمرد، وكل ما ورد متصلًا بالله يوهم تشبيهه بالبشر، فذلك كله يجب تأويله عن الظاهر، ولو أن أحدًا اعتقد ظاهره فقد صار اعتقاده فاسدًا بلا خلاف.

لماذا فهم الناس، قبل ألف عام، أن القرآن الكريم -مهما كان مقدسًا ومعصومًا- هو في النهاية نص أدبي، فيه المجاز وفيه الحقيقة، وفيه الظاهر وفيه الباطن، وفيه الحرف وفيه المقصد، ثم نرتكس اليوم إلى فهم ظاهري متزمت يسيء أول ما يسيء إلى القرآن نفسه.

بالطبع ما كتبه العلامة أبو عبيدة في (مجاز القرآن) مرفوض تمامًا اليوم في التيار النصي السلفي، وقد كتب شيخ السلفية محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي كتابًا خاصًا في الرد على أهل المجاز أسماه (منع جواز المجاز)، وقال فيه: فإنا لَمّا رأينا جُل أهل هذا الزمان يقولون بجواز المجاز في القرآن، ولم ينتبهوا أن هذا المنزل للتعبد والإعجاز كله حقائق، وليس فيه مجاز، ….. وقد أردنا أن نبين في هذه الرسالة ما يفهم منه الحاذق الذائق أن القرآن كله حقائق، وكيف يمكن أن يكون شيء منه غير حقيقة، وكل كلمة منه بغاية الكمال جديرة حقيقة؟!

والمفارقة أن نفي المجاز عن القرآن هو أيضًا ما يختاره القرآنيون المعاصرون الذين يهاجمون السنة، ولكنهم يشتدون في تقديس القرآن، وقد اختاره الدكتور محمد شحرور في كتابه (الكتاب والقرآن) “نفي المجاز والترادف عن القرآن”، ويقول: إن المجاز والترادف -وإن كان حسنًا في أدب العرب- ليس حسنًا في النص القرآني، ومن العجيب أن يشترك التياران السلفي والقرآني، في إنكار المجاز على الرغم من شقة الخلاف بينهما.

إننا نعبد القرآن ولا نستنير به، وهنا تكمن الكارثة، ويبدو أننا بحاجة إلى دورة جديدة من الجدل الذي قام في القرن الثاني بين الخلفاء العباسيين وبين رجال الدين، حين كان الخلفاء يبحثون عن مقاصد النصوص وغاياتها، فيما كان رجال الدين يصرون على ظاهر اللفظ، ويمنعون تأويله، ويبدو أننا بحاجة إلى إعادة نشر الكتب التي قامت على أساس مجاز القرآن، لتوعية الناس بأن الظاهر ليس بالضرورة مرادًا، وأن القرآن في النهاية نص أدبي، فيه كل الفنون الأدبية، بل هو من ألهم الأدب العربي كل فنون المجاز والتشبيه والكناية والاستعارة، وهي مفردات تجعل من الصعوبة بمكان النظر إلى القرآن على أنه نص فيزيائي حاسم لا يحتمل التأويل.

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق