معادلة إعادة إعمار سورية

 

مع تحجيم “الإرهاب” في سورية والعراق، وعودة ملف الحل السياسي السوري إلى الواجهة؛ برزت معادلة مفادها “لا إعادة إعمار في سورية دون تحقيق انتقال سياسي فيها”. وقد برزت كورقة ضغط جديدة، على الروس والإيرانيين، بيد التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة. فعلى خلاف استراتيجية روسيا وإيران بإعادة الإعمار، في ظل المحافظة على الوضع بسورية من دون انتقال سياسي، تربط استراتيجية التحالف الدولي بين الانتقال السياسي وإعادة الإعمار.

يُهدد الأميركيون وحلفاؤهم من الأوروبيين بعدم المشاركة في إعادة إعمار سورية، دون أنْ يتم انتقال سياسي في جنيف، بواسطة انتخابات تكون بإشراف أممي من الألف إلى الياء، وبتعديل حقيقي للدستور. وتراوح التقديرات بشأن إعادة الإعمار في سورية بين 200-300 مليار دولار، وهي تقديرات لا تستطيع روسيا وإيران أنْ تتحملها فعليًا؛ الأمر الذي يجعل هذه الورقة تمارس ضغطًا فعليًا عليهما.

والسؤال المطروح هنا هو: هل تُعادِل معاندة الأميركيين لإعادة إعمار سورية، مساندة الروس لبقاء الأسد، وبالتالي يستجيب الروس للقبول بانتقال سياسي؟ أم أن الأميركيين سيضطرون إلى إعادة إعمار سورية دون تحقيق الانتقال السياسي؛ كي لا تقع كل سورية بيد الروس والإيرانيين، وذلك على غرار مشروع (مارشال) لإعادة إعمار أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية، كي لا تقع أوروبا كلها تحت هيمنة الاتحاد السوفيتي آنذاك؟ فعلى الرغم من المعادلة الأميركية/ الأوروبية التي تفيد بعدم المشاركة في إعادة الإعمار، حتى يتم الانتقال السياسي في سورية، فإن العناد الروسي/ الإيراني بالاستجابة لهذا الضغط وتماديهما بالهيمنة على سورية، قد يقود إلى مشاركة أميركية/ أوروبية، من دون تحقيق شرط الانتقال السياسي؛ لكيلا تضيع سورية كلها من يدهم.

ولكن من المرجح أنْ تكون هذه الورقة مفيدة لتحقيق انتقال سياسي، لارتباطها بأوراق أخرى ومتنوعة بيد التحالف الدولي، ولا سيما بعد البروز المتثاقل للملامح الأساسية للاستراتيجية الأميركية في سورية، والتي يمكن تلخيصها الآن في عدة نقاط:

1- تحجيم الهيمنة الإيرانية على سورية وتحجيم الإرهاب الشيعي، من خلال تصنيف بعض أذرع إيران بوصفها أذرعًا إرهابية، وبدعم تظاهرات إيران مؤخرًا ومحاولة تعميقها من خلال مجلس الأمن، وبإعادة النظر في الاتفاق النووي، وبقطع الطريق على إيران في تحقيق طريقين بريين: أحدهم يربط طهران ببغداد بدمشق بالجولان ولبنان، والآخر يربط السليمانية عبر الحسكة وحلب وإدلب بميناء بحري في اللاذقية.

2- التفاهم مع الروس والضغط عليهم في آنٍ، على أسس الانتقال السياسي وإجراء انتخابات بإشراف أممي وتعديلات دستورية ذات جدوى، وإذا لم يتم التفاهم معهم؛ فسيكون الضغط عليهم باستهداف قاعدتي روسيا في حميميم وطرطوس، والضغط عليهم بملف إعادة الإعمار، وعدم إضفاء شرعية على المجهود الروسي في سورية وفي سوتشي.

3- الضغط على الأتراك بملف الأكراد، وإعلان التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة تأليف قوى حدودية قوامها 30 ألفًا، وتدريب إيطاليا لقوات دركٍ في الرقة، وبدء شركة التنمية الأميركية بإزالة ركام الحرب من الرقة كخطوة أولى في إعادة إعمار الرقة.

4- إدارة الظهر لمؤتمر سوتشي وتبني جنيف للحل في سورية، استنادًا إلى القرار الدولي 2254.

5- ربط إعادة إعمار سورية بانتقالٍ سياسي، والتلويح بعدم المشاركة فيه طالما لم يتم الانتقال السياسي، والتلويح كذلك بتقسيم سورية طالما بقيت حالة المراوحة في المكان والزمان. فواهمٌ من يظن أن الوقائع على الأرض السورية فقط، كما يعتقد النظام، هي من ترسم مستقبل سورية وانتخاباتها ودستورها، في ظل تهديدات أميركية بتقسيم سورية وعدم إعادة إعمارها، في حال لم يتم انتقال سياسي.

وتساعد العقوبات الدولية التي تحضر التعاملات المالية مع بعض الأشخاص والمسؤولين، وبعض المؤسسات العامة والشركات الخاصة والمصارف في سورية، على الربط بين إعادة الإعمار وبين تحقيق الانتقال السياسي؛ فمن دون مثل هذه التعاملات المالية لا يكون ثمة إعادة إعمار في سورية؛ لأن العقوبات لا تزول إلا بتحقيق انتقال سياسي. كما يساعد تراجع الموارد في سورية، كالنفط والغاز والفوسفات، في عدم إغراء وإقبال المستثمرين ورؤوس الأموال على إعادة الإعمار.

إن ما تفعله أميركا في سورية ليس من باب التشويش على الروس فقط، بل ثمة استراتيجية للنيل من الروس، بالنقاط لا بالضربة القاضية. وهذا يزيد من فرص واحتمالات توافق أميركي/ روسي على انتقال سياسي في سورية. وهذا معناه أن معادلة إعادة الإعمار تُعادل من الصلف الروسي الإيراني، وستقودهم بالتالي إلى انتقال سياسي في سورية.