الولادة المتعثرة للجمهورية السورية الثالثة

 

مهما قيل عن الصراعات والتجاذبات التي حصلت إبان الانتداب الفرنسي على سورية، فقد سارت الأمور، على نحوٍ متصاعد، لتشكيل دولة أواسط الأربعينيات، إذ اجتمعت إرادة القوى السورية الداخلية والمصالح الدولية، لإنشاء الدولة السورية المستقلة على أرض بلاد الشام، والتي ساهم المستعمر الفرنسي في بناء هياكلها. في سنوات الخمسينيات، استمرت الصراعات داخل هذه الديمقراطية الوليدة بين العسكريين والمدنيين، وانتهَت بقيام الوحدة المصرية السورية عام 1958، بما يمثل انتصار العسكر هذه المرة على مشروع الدولة المدنية الديمقراطية، المشروع الذي لم يكتمل قط.

ما ميّز فترة الانتداب الفرنسي وما تلاها، حتى زمن الوحدة، كان الصراع السياسي المكشوف الذي لم يخلُ من التآمر السياسي، ضمن إطار لعبة ديمقراطية غير ناضجة، تم طمسها لاحقًا إبان الحكم العسكري، المتمدين ظاهريًا في بعض مراحله. في فترة الحكم العسكري هذه اختمرت التناقضات في غياب دولة المواطنة، وما نتج عن ذلك من استعادة إنتاج الانقسامات العمودية؛ القومية والمذهبية والعشائرية، التي احتكر الاستبداد استخدامها لتأمين بقائه وديمومته.

خلال فترة “القطع” الديمقراطي هذه، لم يتوقف التلاعب الدولي بسورية، لكن عبر بوابة الاستبداد الوحيدة، مع استبدال اللاعبين وتفاوت أهمية أدوارهم، فقد تراجع الدوران الإنكليزي والفرنسي، لصالح الدورين السوفيتي/ الروسي والأميركي حاليًا، بينما لم يتغير الدور التركي جوهريًا، والذي كان قد حقق مكاسب مهمة أيضًا بعد استيلاء القوميين الأتاتوركيين على كيليكية وإسكندرونة من حصة فرنسا السورية، وفقًا لخارطة سايكس-بيكو. الدور الإسرائيلي بقي ثابتًا، أما الدور الإقليمي المستجد في الشأن السوري فهو الدور الإيراني، الذي يواجه الدور التركي وامتداداته الخليجية، مع درجة قصوى من البراغماتية.

بين نشأة الجمهورية السورية الأولى المستقلة عام 1946، وسورية الحالية مشتتة الانتماءات والتحالفات، مسافة تاريخية أزيحت فيها التناقضات الداخلية بالقوة، والتي تعتبر، في الدول الديمقراطية، محركة التطور نحو حياة سياسية أكثر نضجًا وتمثيلًا، لتتكشف هذه التناقضات في عام 2011 بصورة مشوهة، يصعب البناء عليها لتشكيل الجمهورية السورية الثالثة، فالتاريخ لا يستعاد إلا كملهاة أو مأساة. من هنا؛ علينا الاعتراف بمدى صعوبة استعادة سورية كدولة مركزية بالمعنى الشمولي للكلمة، سواء كما كانت قبل الوحدة أو بعدها؛ ما يدفع إلى التفكير بصيغة جديدة لسورية تتجاوز ما سبقها، وتأخذ بالاعتبار كل العوامل المستجدة، فضلًا عن نتائج الحرب الكارثية على العلاقات البينية في الداخل.

ما زالت محاولة إعادة تشكيل سورية، وهي خارجية المنشأ والإرادة والمصالح حتى الآن، تدور في حلقة مفرغة، لعلها من وجهة نظر المحاولات الحالية: الروسية – التركية – الإيرانية، لا تتعدى تقاسمًا ما للسلطة بين الطيف الإخواني والسلطة، كاستمرار للمحادثات السرية التي رعتها تركيا بين النظام والإخوان المسلمين، قبل انفجار الاحتجاجات من أجل المشاركة في الحكم، وذلك في الفترة الذهبية للعلاقة بين النظامين السوري والتركي. لم يكن النظام السوري وقتها مستعدًا لتقبل المشاركة، مثلما لم يكن كذلك يومًا، إنما كان يساير الحليف التركي بعد سنوات من الجفاء والعداوة، والتي انتهت بتوقيع اتفاقية أضنة عام 1998 بوساطة شخصية من الرئيس المصري حسني مبارك، ومن ثم اعتقال زعيم “حزب العمال الكردستاني”، عبد الله أوجلان، من قبل قوات الأمن التركية في كينيا 1999.

في البيان الذي صدر عن مؤتمر سوتشي، برعاية الدول الثلاث المذكورة أعلاه، ورَد وصف لسورية بأنها “دولة لا طائفية”، ما يعكس مدى صعوبة الاتفاق على توصيف محدد لطبيعة الدولة السورية المستقبلية. في الواقع، لا يعني هذا التوصيف شيئًا من الناحية الإجرائية، وهو محاولة للهروب إلى الأمام، من أجل الاستمرار في تغييب مصطلح العلمانية بشتى الصيغ، والذي ورد ذكره أكثر من مرة في الوثائق الروسية الأميركية ذات الصلة.

من سوء حظ السوريين أن الدول الثلاث، واسعة النفوذ والتأثير في سورية الحالية، ليس من مصلحتها تشكيل دولة ديمقراطية علمانية؛ روسيا ما زالت في مرحلة انتقالية بين نمطي الحكم المافيوي والديمقراطي، وتركيا تأمل بالخروج من فضاء العلمانية إلى فضاء الإسلاموية، فيما يحكم إيران نظام ديني مطلق يمسخ الديمقراطية إلى إجراء شكلي من خلال فرض مرشحين من طيف اللون الواحد.

إن مجرد إدراج مصطلح العلمانية يسهّل، إلى حد بعيد، تشكيل دولة على أسس حديثة وعادلة تتجاوز كل الصيغ التفتيتية الأخرى، وتقلل المخاوف والنزعات الانفصالية، وتنزع فتيل الحساسيات والمشكلات الناجمة عن المحاصصات على اختلافها، كما تحترم، في الوقت ذاته، رغبات السكان في اختيار ما يناسبهم من أنماط الحياة في مختلف المناطق السورية، ليتحقق احترام التنوع ضمن وحدة الدولة، ويضمن الحد الأقصى من استقلالها، باعتباره يسد الكثير من الذرائع، ويغلق المنافذ التي تتسرب منها التدخلات الخارجية، للعب على أوتار المكونات الدينية والقومية. وإن إطالة الطريق وكثرة التجارب حتى الاقتناع بأفضلية الخيار العلماني، كسمة للدولة العصرية، يعني المزيد من الانقسامات والصراعات، ويؤخر الوصول إلى دولة القانون والمواطنة.

يعود الحذر والتخوف من فكرة العلمانية، لما لحق بهذا المصطلح من تشويه وابتذال، خلال عقود الاستبداد؛ لارتباطه بممارسات استبدادية تعسفية، بعيدةً كل البعد عن احترام الآخر المختلف، فضلًا عن شيوع المغالطات المتعلقة بمعارضة العلماني بالديني واستغلال القوى السياسية الدينية لهذه المغالطات.

بانتظار جولة جنيف القادمة، حيث يمكن أن تتلاقى الجهود الروسية – التركية – الإيرانية، مع المقترحات الغربية الواردة في “اللاورقة” الصادرة عن خمس دول، هي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والأردن والسعودية، ربما يتم وضع العملية السياسية السورية على سكة الحل، أو قد تتضارب المصالح مرة أخرى، فتنشب جولات إضافية من الصراع، ولو أنه من المرجح حدوث اختراق في هذه الجولة على أنقاض المحاولات الفاشلة السابقة.

1 عدد الردود

التعليقات مغلقة