الإسلام والليبرالية

 

عند البحث في علاقة الإسلام بالليبرالية، ثمة إشكالية كبرى، إذ لا يوجد إسلام بالمعنى المنجز والمحدد للكلمة، ولا يوجد إسلام حتى بالمعنى التاريخي الذي نتوهمه كل على حدة، إنما هناك (إسلامات)، إذا جاز التعبير، فما يندرج تحت إطاره واسع الطيف، يتكلم باسمه ملل ونحل تتصارع وتتناقض وتتخالف وتتضاد، فنحن لسنا أمام مدرسة فقهية معينة أو إطار فكري محدد، لكن أمام تعبيرات مختلفة تحتاج إلى ضوابط للعلاقة بينها حتى تشكل بنية فلسفية عامة، نكون قادرين حينئذ على تثمينها تثمينًا كليًا أو توصيفها توصيفًا دقيقًا. أما مصادرة الإسلام باسم مذهب أو فرقة أو اجتهاد، فإنها لن تحيل إلى التضاد مع الليبرالية فحسب، بل تحيلها إلى التضاد مع مكونات الحالة الإسلامية بحد ذاتها، لذلك حين الحديث عن الإسلام، يجب أن نأخذ بالحسبان التأويلات المختلفة في دائرته، وغير ذلك علينا أن نحدد الجهة أو المدرسة التي نقصدها بالضبط. أما الليبرالية فالأمر بالنسبة إليها لا يقل التباسًا، فهل نحن أمام التجارب الليبرالية أم مع التعبيرات المختلفة لها، أم التطبيقات الفرعية في المجالات المتعددة التي تعرضت لها، أم عن تأويلاتها المختلفة، وتحولاتها السياسية والإعلامية، ناهيكم عن الالتباس الكبير الذي يتضمنه أصلًا البحث في الاختلافات بين الليبرالية كمنهجية فكرية سلوكية، وبين الإسلام كنظام عقائدي شمولي، ذلك أن الليبرالية منهجية فكرية عامة ذات طابع سلوكي في المقام الأول، بينما الإسلام نظام عقدي متشعب، بمعنى أن الليبرالية تنشغل بالعلاقة بين الأطراف المختلفة المكونة للمجتمعات البشرية، بينما الإسلام كونه دينًا، هو في الحد الأدنى ينحاز للمسلم، مهما بلغ تقديره لغير المسلم، وليس هذا بعلة تخص الإسلام، إنما العقيدة -أي عقيدة- تقوم على أساس التمايز عن الآخرين، والاستئثار برضى السماء.

مسائل التضاد بين الإسلام والليبرالية، لا يمكن الجزم بوجودها أو نفي وجودها إلا من خلال تأويلات وتحليلات تأخذ سبلًا متعددة، بمعنى أن المنطق الذي يحكم كل رؤية منطق خاص ومؤول، ومرد ذلك أننا في بحثنا نخلط بين أمور عديدة، لعل أهمها الخلط بين أدوات المحاكمة والقياس، إضافة إلى اعتبار المواقف الحيادية مواقف داعمة لما نختلف عنه، دون اعتبار لمسألة مهمة في الحياد، وهي تقبل وجود وجهات النظر المختلفة، لا القبول بها أو رفضها، بنوع من الحياد الذي يرمي إلى بيان حق كل رأي بالتجربة والممارسة. ومن هذا المنطلق، لا يساور المسلم اليوم أي شك بهويته الإسلامية، مع أنه يدرب نفسه على مزيد من الليبرالية التي يراها قدرًا كليًا للبشرية، ربما ليس بما أنجزته إلى اليوم، ولكن بما ستنجزه في المستقبل.

العلاقة بين الإسلام والليبرالية مرهونة بفهمنا لكليهما، فالإسلام الموروث بتنوعاته، ليس نظامًا كونيًا للمساواة الكاملة بين البشر، على اختلاف عقائدهم وأفكارهم، والليبرالية ليست دربًا للصعود نحو فردوس السماء. إن ما يغري إلى تبني هوية ليبرالية هو فهمها على أنها بشكل جوهري تحض على حرية الإنسان في خياراته واختياراته، وتتشدد في مواجهة أي اعتداء أو استبداد بحق فرد أو مجموعة على أساس عقدي أو طبقي أو عرقي أو ثقافي، وهذا لا يعني أنها تميل إلى جهة الفوضى، بل إنها تكون حريصة على مسائل احترام القانون والأنظمة الاجتماعية التي يرتضيها المجتمع، لذلك فإن الرعب الذي يتشكل ضدها على أنها قد تحض على الشذوذ بمعانيه المختلفة، أو انعدام القيم المؤسسة للمجتمع البشري، هو وهم ودليل ضعف ذاتي من جهة، وأيضًا تأويل متطرف للمعنى الليبرالي، بدفعها باتجاه ما جاءت من أجل الحد منه وكفه.

أما في مسألة تفسير الصدام بين الإسلام والليبرالية، على أنه صدام بين العقل والنص، لا شك أن النص لا يحضر إلينا طازجًا، إنما مرتديًا من المعاني المسبغة عليه أثوابًا كثيفة ومتنوعة، لكنه لا يسوغ الصدام المفتعل بين الإسلام والليبرالية، إنما يناقش ضمن جدل النص المقدس والتراث، لذلك فإن إقحام النص في العلاقة بين الإسلام والليبرالية يقطع الطريق على الحوار الذي يتناول الإسلام كتراث، مع الإشارة إلى التنوع الذي تحفل به الدائرة الإسلامية. إن المضمون الأساسي لليبرالية قائم على الحرية الفردية واحترام النظم الدستورية المبنية بشكل سليم وطوعي، والتي قد تقترب من مفهوم (العقد الاجتماعي) وإن لم تكن لتطابقه، ولكنها لا تقف عند تصور معين لتحقيق هذا الأمر، إنما تردفه بمزيد من التعمق في فهم هذه الحرية، وهذا الالتزام باضطراد. ولإعمال العقل لن نجد مناصًا من توضيح البعد الليبرالي في الإسلام لفتح باب الاجتهاد في تفسير الإشكال المعرفي في الفقه والمعتقد على هذا الأساس الفكري المفتوح.

والعناية بالظرف المنتج لليبرالية ضروري لفهمها، وإن كانت نتاجًا جمعيًا لتجارب بشرية تاريخية تشربت من منابع شتى، وإنْ كانت التعبيرات الواضحة عنها بلغة معينة، أو كانت إرهاصاتها قد ظهرت في جغرافية محددة، لكن الإنسان هو الإنسان، حيثما كان، وأيما كانت ثقافته ومعتقداته، إن كون الليبرالية متحررة من الانحياز لثقافة بعينها كاف إلى حد بعيد للتجرد إزاء منابعها، ما لم تكن هذه المنابع ذات خصوصية ثقافية لا تناسب ثقافات أخرى.

الفارق بين الواقع وبين ما نتمناه شاسع، والزعم أن هناك كليات تجمع المسلمين على أطيافهم هي نتاج دبلوماسيات لطالما أخفقت في تلطيف الاختلاف، ومقولة أننا نتفق في الأصول ونختلف في الفروع هي مقولة فارغة، لا رصيد لها في الواقع، فالاختلاف بين السنة والشيعة مثلًا اختلاف في الأصول وفي الكليات، حتى لو قصرنا الكليات على الوحدانية والنبوة والمعاد وما إليها، لأن لكل مذهب واتجاه تصورات لا تطابق تصورات الآخرين، أي لا يوجد إسلام متفق عليه، وهذا لا يعني قطع الطريق على مناقشة العلاقة، بل التنبيه إلى مساحة الاختلاف في الساحة الإسلامية، وهو تنبيه يرمي إلى بيان أمر مهم، هو العجز عن إقامة نظام داخلي للعلاقة بين التأويلات الإسلامية بعضها ببعض. أي بمعنى آخر عدم صلاحية أي اتجاه أو رؤية أو مذهب على أنه الممثل للهوية الإسلامية أكثر من غيره باتفاق المسلمين. لذلك أجد أن موضوع المقارنة سينحو إلى بيان العلاقة بين الدين ذي المرجعية المقدسة، وبين الليبرالية ذات المرجعية الواقعية، والغاية من بيان هذا الأمر نفي التضاد وليس تأكيد الاتفاق، بمعنى اختلاف المحمل الغائي، إذا جاز التعبير. أما فيما يخص صفة الشمولية، فهذا مما يسم كل التصورات الإسلامية، وهي تعني بالضبط إخضاع كل جوانب حياة الفرد والمجتمع -سلوكًا وفكرًا وطبائع- للتصور الديني المدون، حتى في أدق التفاصيل وليس في الملبس والمأكل والمشرب والتعاملات وما إليها.

على أي حال، فإن القطعيات والكليات -إذا افترضنا أن هناك ما هو جوهري ومتفق عليه بشأنها- ستبيّن وتجلّى من خلال النقاش الجاد، وينظر في أمرها إن كانت تشكل تضادًا بين الإسلام والليبرالية، أو تشكل عائقًا يشوب هذه العلاقة ويدفع بها إلى الابتسار والنحول.

أما من حيث اعتبار الفردانية لب الليبرالية ومحركها، فهو أمر غير دقيق، لا شك أن هناك تداخلًا كبيرًا من حيث التركيز على مسائل الحرية والاختيار، إلا أن الفردانية بحد ذاتها تتصادم مع الليبرالية في بعض نظرياتها وممارساتها، لأن الفردانية مثلًا تجعل من مقدس الآخرين مشاعًا للاختراق وربما للتسفيه والطعن، بينما الليبرالية لا تقر هذا، وتضع للفردانية حدودًا، تتعلق باحترام الثقافات الخاصة والأيديولوجيات المختلفة، وثمة فارق فلسفي ومنهجي وقانوني بين الليبرالية والفردانية. يمكننا البحث فيه في مقالة مستقلة.

لا جدوى من التطرف في تنسيب الفهم، بحيث نصل إلى نفي الوجود “الموضوعي” للمفهوم، سواء في طرف الإسلام أو في التحديد الليبرالي، والقصد أن نقر بالتنوع وإمكانية الحركة داخل دائرة كل طرف من طرفي العلاقة التي نبحثها.

وكون الإسلام شموليًا لا يعني تحديد مساحة الاختلاف في دائرته، ولكن لبيان بنيته العقدية، أي بيان أن المساحة الأوفر منه تتعلق بالاستسلام لمعنى مقدس تقدس اتفاقًا، وليس بالضرورة أن يكون مقدسًا بنفسه، وهذا الأمر شائك ومعقد في الحقل المعرفي الإسلامي ويمثل جوهر الاختلاف بين العقل والنقل، المعركة التي لن تنتهي، طالما هناك انتصار وتطرف لأحد طرفيها.

الفردوس الذي تبشر به الليبرالية والذي تسعى من أجله لا يقطع الطريق على الفردوس الأعلى، ولكن لا يجعل من القناعة بحيازة هذا الفردوس السماوي سببًا لجحيم الآخرين في الأرض السابغة، ميزة الليبرالية في سعيها لإقامة واقع عادل يجعل من تصوراتها الفردوسية متنوعة وممكنة للجميع، لا أن تكون محتكرة لفئة دون غيرها، ويمكننا تفسير الموقف الليبرالي هنا على أنه يقر بحق الجميع في جنة الدنيا التي منحت للبشر أجمعين، أما فردوس الآخرة، فدعها لمالكها يهبها لمن يشاء، وهو ما يتفق إسلاميًا مع تفسير الآية (مالك يوم الدين). إن البحث عن الفردوس الأرضي ليس حكرًا على الليبرالية وحدها، ففي الإسلام معظم النصوص والتفسيرات تتواشج مع إقامته في الدنيا كمدخل لفردوس الآخرة، وفي سبيل إقامته في الدنيا يجب أن يقترن بالعدل، ولعل هذا ما يعضد الرؤى التي تقول إنه يجب أن نستأصل كل أوجه الاستبداد التي تلبس لبوسًا استبداديًا، والتي تؤول النصوص تأويلًا مناهضًا للآخر.

لتبديد الوهم حول المسائل الكلية، من المفيد التذكير بمثال، لأنه يطرح كثيرًا سواء في نقاش العلاقة مع الليبرالية أو مع الفردانية، الزنى -مثلًا- محرَّم باتفاق جميع الأديان، ولكن ثمة اختلافات حادة في توصيفه، فبعض أنواع الزواج التي تبيحها مذاهب تكون زنًى عند مذاهب أخرى، ولكل حججه وأسبابه، لكن الليبرالية غير معنية بالحلال والحرام، إنما معنية بالقانوني والخارج عن القانون الذي يتبناه مجتمع معين طوعًا، والإطار الشرعي الذي يلتزمه مجتمع معين يمثل إطارًا قانونيًا له، أي أن تكون هذه الشريعة مدونة، كقانون واضح لا لبس فيه، ولا مجال لتجاوزه بامتيازات على أساس طبيعة الإيمان، ودون تجاوز هذا الإلزام السلوكي إلى التدخل في القناعات والحيوات الخاصة.

المنهجية الليبرالية ترى أن أي علاقة بين الذكر والأنثى، إن لم يداخلها الإكراه أو القصور في الوعي، مباحة قانونًا، وإن كانت في التعريف الديني زنًى، وترى أن أي علاقة يداخلها الإكراه أو الاستغلال، ولو كان بين زوج وزوجته، جريمة يجب تطالها المحاسبة، وهذه المنهجية لا تفرض الزنى على الناس، ولا تقف في وجه محاسبة الزناة، إذا كان القانون (أو الشريعة) التي ارتضاها المجتمع تحرمه، ولكنه غير معنية بالتحريم والتحليل؛ لأنها ليست بدين، ولا تميل إلى دين دون سواه. لكنها تحض على فهم العلاقة في إطار إنساني، يمنع الإكراه والاغتصاب، سواء أكان ذلك بمسوغ ديني أم لا. كما أنها تمنع المجتمع من ممارسة رقابة صارمة على الفرد الذي قد يمارس الأمر في حدود حريته الشخصية، من دون مساس بالمسلكيات العامة المتفق عليها، وهو ما يتفق مع جوهر الأوامر ذات الصبغة الإسلامية بعدم جواز التجسس والتحسس، والأوامر التي تتعلق بستر (المعصية) التي يبتلى بها (الفرد المسلم).

لقد نشأت الليبرالية في حضن مسيحي، ولكنها نشأت نشأة مناهضة لهذا الحضن، وهي لم تقر المسيحية على تصوراتها المثالية التي تصل إلى حد تعريف اشتهاء الزوج لزوجته لغير طلب النسل على أنه زنى، فهي غير معنية بالغايات الدينية وتأويلاتها، إنما معنية بمسائل الحرية في حدود الحرية الشخصية، والعدالة في الحياد من التصورات الأخلاقية الخاصة.

في هذا المثال، قد يفسر البعض موقف الليبرالية على أنها تحض على الزنى، مع أن التعمق في فهم الأمر، كما أفهمه، هو انتصار للعلاقة الموثقة لئلا تنتج نسلًا يفتقد الحضن الحاضن، سواء أكانت الأسرة أم مؤسسات المجتمع، إضافة إلى ما ذكرته من احترام واجب للقيم التي يتبناها مجتمع محدد يساهم أفراده في وضع الأسس الاجتماعية والأخلاقية المناسبة له والخاصة به. سوء الفهم الذي يحصل هنا يتعلق بالنظر إلى الليبرالية، من خلال تفاعلها مع مجتمعات مغايرة، وليس النظر فيها كمنهجية سلوكية ورؤية إنسانية عامة.

1 عدد الردود

التعليقات مغلقة