هل سنبني وطنًا؟

 

تشتد حدة الاستقطاب داخل المجتمع السوري، إن صح استخدام كلمة “المجتمع” بالمفرد، وتتعالى أصوات الجدالات السفسطائية القاطعة والحاسمة التي لا يقبل أصحابها عمومًا الرأي الآخر، إن لم يستهينوا به أو يسخّفوه، وتزداد حدة “الكراهية” بين السوريين، واستخدام الألفاظ النابية بسهولة مريرة، واللجوء إلى التخوين والتكفير والتصنيف الوطني والأخلاقي، بمختلف درجاته. ومن وجهة نظر سريعة، فإن هذه الحال يمكن أن تكون “مقبولة” نسبيًا، في الحديث عن الشروخات العميقة التي نشأت، أو برزت، أو تم إحياؤها، بين قطبين أساسيين هما المعارضة والموالاة، على ما يحمله هذان المسميان من تفاوتات ودرجات وتنوعات، لأن من الطبيعي أن يبتعد الطرفان عن القواسم المشتركة، ويصيرا على طرفي نقيض، وربما يتحولان إلى أعداء سافرين. بالمقابل، فإن تطوّر هذا الفعل السلبي لدى الطرف الواحد هو المؤشّر الأشد على نجاح من سعى إلى تدمير ما تبقى من بنية مشتركة في أدنى حدودها، إن كان نظامًا أم جهات خارجية متلوّنة.

المتابع للجدالات القائمة والمستمرة، بين ما يُسمى بـ “قوى المعارضة”، إن كان في الحلقات المغلقة والغرف المقفلة، أو على وسائل التواصل الاجتماعي، أو حتى في المجال العام وصفحات الجرائد وشاشات التلفزة، يكاد يُدهش لحجم الحمولة السلبية التي تعتريها، ودرجة الألفاظ غير السياسية وغير الأخلاقية وغير الملائمة للنقاش الفكري -مهما اختلفت فيه المشارب حتمًا- التي تسمها. ويستمر المُعلّلون الباحثون عن بصيصٍ أمل في اللجوء إلى حتمية هذا الواقع ومقبوليته، بالعودة إلى التراكمات التسلطية، وإلى فقدان الممارسة السياسية طوال عقود، وإلى تهميش الفكر في ظل الاستبداد، وإلى العمل الفردي المنعزل في ظل ثقافة الخوف، وإلى الجهل بقواعد الاختلاف والحوار الإيجابي لفقدان القدرة على التعبير، وإلى الثقافة السياسية السائدة، وإلى تأميم المجال العام الذي هو الأخصب لتنمية القدرات الحوارية وتشذيب المعاني وقوننة المشاعر وتأطير الأحاسيس. وإن تم التسليم جدلًا بهذه التبريرات، في بدايات الثورة السورية وقبل انتقالها إلى مرحلة المقتلة؛ فإن من المنطقي استبعاد القبول بهذه الأصناف من التبرير، بعد مرور سبع سنوات، انتقلت بنا من مرحلة إدارة الأمل عبورًا بمرحلة إدارة الأمل، ووصولًا إلى مرحلة إدارة الهزيمة بمعناها الإنساني على الأقل.

لم يعد مقبولًا أن يختلف من ادّعوا يومًا أنهم خرجوا من أجل الحرية والمساواة والعدالة والديمقراطية على ألف باء الممارسة الديمقراطية أو على أسس الحرية، في الفعل وفي القول وفي التفكير، مهما تنوّعت انتماءاتهم الأيديولوجية. فقاسمهم المشترك واضح نظريًا، ولكنهم تناسوه عمومًا، وصار جزءٌ منهم صغار مستبدين في الأُطر الضيقة، إن هم تمكنوا من مفصلٍ ما. واكتفى البعض الآخر بممارسة الاستبداد النظري، من خلال مواقف رافضة للرأي الآخر بعنف لفظي، لا يمنع من تحوله إلى عضلي إن اتيحت الفرصة، كما يبدو من درجاته.

صحيحٌ أن المستبد الأكبر نجح في تعزيز عرى الكراهية بين مكونات الشعب “الواحد” المختلفة، وصحيحٌ أنه كان داهية في التأسيس لهذا الوضع، وفي تحديث وتطوير ممارساته، إلا أنه من العدل أن تُسلّط الأضواء على مسؤولية الطرف الآخر، وإن لم يكن هناك تناسب كمي بين الطرفين في حجم المسؤولية، فإن المسؤولية الأخلاقية الملقاة على عاتق من تبنى المبادئ تبقى كبيرة، ولا يمكن مقارنتها بانعدام هذه المسؤولية لدى من خرّب المبادئ.

ما العمل إذًا في ظل هذا المناخ غير الصحي وغير الملائم لبناء مشروع مشترك؟ كيف السبيل إلى قبول الرأي المختلف، وإلى تبني المبادئ الإنسانية المؤسسة لكل عمل يسعى -أو يدّعي بأنه يسعى- إلى تأسيس أرضية وطنية قائمة على مبادئ الحرية والعدالة؟ عبر أي وسيلة يمكن درء جنوح البعض إلى توزيع صكوك “الجنة” نظريًا أو عمليًا؟ ومن خلال أي أداة يمكن تصويب الأداء الأخلاقي على الأقل؟

كثيرون وكثيرات هم من لم يصابوا بهذا المرض المزمن والمعدي والمدمر، ولكنهم أكثرية صامتة أو تميل بتؤدة نحو الصمت، تحاشيًا للانغماس في مستنقع الكلمات النابية والتوترات النفسية والتعصب الديني والمذهبي والإثني على درجاته المتفاوتة. وهؤلاء الناؤون بأنفسهم عن رذاذ أمواج العنف اللفظي لا يُلامون حتمًا، وهم مدعوون بالمقابل إلى التعبير الهادئ بعيدًا عن التفاعل مع الردود من الطرف الآخر، مهما كانت مؤيدة بعنفٍ لفظي إقصائي، أو رافضة بعنف لفظي مشابه. فليُبنَ تراكمٌ يمكن أن يفيد في وقت من الأوقات بعيدًا عن الاستخدام اللحظي في مواجهة أو مقارعة أو إثبات موقف.

لبناء وطن مشترك في زمنٍ لاحق، إن اجتمع العدد المناسب من الإرادات، وقبل أن نسعى إلى بناء أرضية حوار مشتركة مع الآخر المختلف الذي تموضع على النقيض من مبادئ الحرية والعدالة والديمقراطية، لأسباب متشابكة ومعقدة، يجدر بنا أن نسعى إلى إصلاح الأرضية المشتركة لمن يؤمن بهذه المبادئ، وأن نجد لهم أساليب حوار أكثر إيجابية.

ربما هي الطوباوية، ولكن لا مفر من الخوض في الحلم، إن آمنا بضرورة إدارة الهزيمة لتجاوزها والبناء عليها، لمستقبل صرنا بعيدين عنه.

1 عدد الردود

التعليقات مغلقة