أولويات واشنطن والحل المؤجل

لا تبدو الولايات المتحدة في عجلة من أمرها، إزاء المسألة السورية وتطوراتها المختلفة، سواء على صعيد مواصلة الهجمات الوحشية من قبل النظام السوري، أو في ما يتصل بالتحديات الأمنية التي تواجه “إسرائيل”، باعتبار واشنطن حليفًا وضامنًا لها، إثر إسقاط مقاتلة لها، في سابقةٍ لم تحدث منذ ثلاثين عامًا في مواجهة مباشرة، أو خلال تنفيذ عمليات في سورية. وهو الحدث الذي يراد لاحتمالات مفاعيله أن تبقى مفتوحة –ربما– لأمد غير قريب، بما يحقق أهدافًا أخرى غير منظورة للأطراف المعنية بهذا الحدث، وبخاصة واشنطن وطهران.

دون أدنى شك، أدار إسقاط الطائرة الإسرائيلية دفةَ الأنظار بعيدًا جدًا عما يقوم به النظام السوري، وكذلك الروسي، من غارات جوية مكثفة تستهدف المدنيين، بالغازات السامة بشكل منتظم، في غوطة دمشق وريف إدلب. اللافت في ذلك، خفوت الصوت الأميركي في القضيتين: استخدام المواد السامة في سورية، وإسقاط الـ (إف 16) الأميركية الصنع، واكتفت –حتى الآن- بتحريك قطع الأسطول السادس، ودعم العمليات الجوية الإسرائيلية الانتقامية، إضافة إلى مشاورات مع موسكو، لضمان “احتواء الحدث” وعدم التصعيد.

على الرغم من تعهد إدارة ترامب بمنع استخدام أسلحة كيميائية ضد المدنيين، فقد قللت من أهمية التقارير حول جرائم غاز الكلورين في غوطة دمشق وسراقب، معللّة موقفها بعدم توفر أدلة قاطعة على ذلك، من مصادر موثوقة. هذا الموقف يُعدّ تراجعًا عن التزامات الإدارة الأميركية، بشأن حماية المدنيين في سورية، والتي استعرض ترامب بموجبها قدرة الحسم في مستهل احتلاله البيت الأبيض، حين قام بقصف مطار الشعيرات في نيسان/ أبريل الماضي، لتكون تلك العملية رسالة أميركية إلى العالم، وليس منعًا لجرائم استخدام الكيميائي، كما يُفترض أنه واجب مناطٌ بقوة دولية بحجم ومكانة الولايات المتحدة، وعضو دائم في مجلس الأمن.

هذا الموقف لا يساعد المجرمين في الإفلات من احتمال المحاسبة الدولية لمثل هذه الجرائم فحسب، بل يشجعهم على الاستمرار في مواجهة المدنيين العزّل بأسلحة مبتكرة، تقوم على اشتقاق مواد كيميائية وغازات سامة، غير مصنفة في قوائم الأسلحة المحرمة دوليًا، كما تفعل السلطات السورية، بمساندة خبرات إيرانية وكورية شمالية على وجه الخصوص. ويبدو أن مفتاح الموقف الأميركي حيال ذلك، مرتبطٌ جذريًا بمجالات استخدام تلك الأسلحة، وطالما أنها لا تستهدف “إسرائيل”، فإنه يتم التغاضي عنها، كما فعلت إدارة أوباما، حين تم نزع الأسلحة الكيميائية الاستراتيجية السورية، والإبقاء على ما تُقدّر نسبته بـ 8 بالمئة (وفقًا لمنظمة حظر استخدام الكيميائي) بحوزة الجيش السوري، لم تتم معالجتها، من قبل الهيئات الدولية المعنية، والولايات المتحدة، بصورة تحدد نوعيتها، وأماكن إخفائها، وأوجه استخداماتها المحتملة.

قضية استخدام الكيميائي هي القضية الأبرز، من ضمن جملة القضايا السياسية والأمنية المعقدة التي تجري وقائعها في سورية اليوم، ومن حولها، أو بفعل انعكاساتها على العلاقات الدولية. لكن مسألة الدور الأميركي تلقي بظلالها بصورة أشد إرباكًا من قبل، أي في عهد الرئيس باراك أوباما الذي بدت سياساته الخارجية واضحة لفائدة انكماش الدور الأميركي، في ما يتصل بالتدخل المباشر في القضايا الدولية، الشرق الأوسط، والمسألة السورية بشكل خاص. لكن إدارة ترامب انتقلت إلى طور جديد من التدخل في المنطقة، الشمال السوري كمثال، أما في المسار السياسي، فإن الضبابية تكاد تكون غالبة على ما يمكن أن توصف به المواقف الأميركية اليوم، مع الوضوح في أولوياتها المتمثلة محاربة الإرهاب أولًا، وقبل كل شيء.

لكن ثمة أولوية تالية، تبدو ناظمة لمجمل تحركات واشنطن السياسية في المنطقة، وهي المتصلة باحتواء الدور الإيراني وتحجيمه، وهو هاجس أميركي بالفعل، ومن خلاله تتعاطى إدارة ترامب مع قضايا إقليمية عديدة في الشرق الأوسط، وفي مقدمها المسألة السورية بالطبع.

هنا يمكننا اقتفاء أثر خفوت الصوت الأميركي، في ما يتصل بإسقاط المقاتلة الإسرائيلية، بعد قصفها قاعدة عسكرية إيرانية في سورية الأسبوع الماضي. وعن دور إيران في توريط الدفاع الجوي السوري، في استهداف الـ (إف 16)، خروجًا على مألوف الموقف السوري في الرد على اختراقات “إسرائيل” للسيادة السورية، واعتداءاتها المتكررة، بسياسة التجاهل وضبط النفس، والاحتفاظ بحق الرد!

نتذكر هنا، تدمير البارجة الإسرائيلية عام 2006، من قبل “حزب الله”، بدعم إيراني – سوري آنذاك. والهدف في الحالتين هو إحداث خلل في الوضع السياسي الراهن، بعد أن وصلت حرب واشنطن ضد (داعش) إلى نهاياتها، وباتت قضية إيران على وشك أن تصبح في سلّم أوليات السياسة الخارجية الأميركية، ويبدو أن وضع إيران في سورية، هو بيضة القبّان، التي ستضع فيها واشنطن جهودها، لتبدأ في تغيير الموازين، وتحجيم الدور والوجود الإيراني في جنوب سورية. وهو موقف يتكامل مع السياسة الإسرائيلية اليوم، بشأن الوجود الإيراني في سورية، والذي ترى فيه خطرًا مضاعفًا في حال استمراره، يمتد من جنوب لبنان إلى شمالي الأردن.

تلك هي أولويات السياسة الخارجية الأميركية في ما يتعلق بالمنطقة. سورية تأتي تاليًا، ومع ذلك، فإن توجه واشنطن لدعم إنجاز حل سياسي، وفقًا لقرار الأمم المتحدة رقم 4452، يبقى رهنًا بإنجازٍ أميركي جديد، بشأن قصّ أجنحة إيران وتقليم أظفارها في المنطقة، وبخاصة “حزب الله”. رفض أي دور إيراني في سوتشي وأستانا، وجنيف بالطبع، هو عامل أساس في موقف واشنطن منها ومن أي عملية سياسية، وليس لمخرجاتها، وبالتالي فإن الحل في سورية سيكون رهنًا بإقصاء الدور الإيراني، وهنا عقدة العقد، بالنظر إلى توغل طهران المريع في الجسد السوري.

ربما تحرك زيارة تيلرسون إلى المنطقة الملفات الراكدة في البيت الأبيض، وتمسح الغبار عنها قليلًا بشأن سورية، وهذا لا يعني أن بإمكاننا التعويل على لقاء عابر لوزير الخارجية الأميركي مع وفدٍ هشّ للمعارضة السورية، في عمان قبل أيام، لم ترشح عنه سوى مظاهر بروتوكولية، قد لا تقدم ولا تؤخر شيئًا لجهة إحداث تطور في الموقف الأميركي حيال القضية السورية. المطلوب هو دور أميركي حاسم، يدفع جميع الأطراف نحو مفاوضات جادة وفقًا لمبادئ جنيف، مع وقف كامل للعمليات العسكرية، في كافة المناطق السورية.

1 عدد الردود

التعليقات مغلقة