متوالية الفساد السوري

 

سوف يصبّ أي كلام عن مؤسسات ثورية فاسدة في مصلحة نظام دمشق الفاسد بالتأكيد، ولن يعدم المطبلون له وسيلة ليقولوا: أهذا ما جنيتموه بعد كل هذا الخراب الذي جلبته الثورة، المزعومة، إلى بلادنا! وسوف يكون بإمكاننا نحن -المدافعين عن حلم الثورة- اختيار عشرات وربما مئات الردود المناسبة عليهم، والتي يستطيع أصغرها إفحامهم، ووضعهم في “خانة اليك”، لكن ليس هذا هو المطلوب، بل المطلوب هو الإشارة إلى موضع الخلل، لعل ما سيأتي من سنوات كفيل بمداواته وعلاجه، وصولًا إلى التخلص منه، والانتصار أخيرًا لفكرة الثورة التي وضعت الحرية شرطها الأول والأخير، للتوقف والرسو على شاطئ نهائي. وبمقدار ما قد يبدو هذا الكلام طوباويًا، وقد وصلنا إلى ما وصلنا إليه من تفكك ضرب أدق تفاصيل المجتمع السوري، فإن علينا ألا ننسى أبدًا أن التظاهرات الأولى التي شهدتها بعض المدن السورية كانت تظاهرات ضد الفساد والفاسدين، ولم يرتفع سقف مطالبها بإسقاط النظام إلا بعد مرور أسابيع على أول تظاهرة، وهذا يعني أن الفساد كان محركًا أساسيًا، والأمر نفسه حدث في مصر وتونس، فالأنظمة الحاكمة كان الفساد قد استشرى فيها، وانعكس استشراؤه إفقارًا للشعوب وتهميشًا لها لصالح فئات مستفيدة، كانت تتمتع بالثروة والسلطة، فيما تنتشر البطالة والفاقة على مقربة من قصورهم التي شيدوها من ثروات الدولة. فقد احتلت سورية المرتبة 144 عالميًا في تقرير مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية العالمية لعامي 2011 و2012، وهو ما يناقض -جملة وتفصيلًا- ما ذهب إليه الكثيرون في أن محرك الثورة السورية كان طائفيًا أصلًا. يصر الشاعر السوري المعروف أدونيس، مثلًا، على اتهام الثورة السورية بأنها ثورة طائفية، متجاهلًا عن عمد جميع التقارير الدولية التي كانت وما زالت تضع سورية في قاع التصنيف العالمي، في الحريات الصحفية والحريات العامة طبعًا، وتضعها في مرتبة متدنية ضمن مؤشرات النزاهة الحكومية والشفافية.

وإذا كان الملف السوري الشائك ما زال يتخبط دون أن تظهر في الأفق بوادر حل، أي حل، بل يذهب مراقبون إلى القول إنه يتجه ليصير أكثر تعقيدًا، وقد تحولت سورية إلى ساحة عالمية لتصفية الحسابات، ولم يعد الحديث عن تنحي النظام أو حتى بقائه يمثل أولوية لدى العاملين الرئيسين في هذا الملف، ولا نقصد السوريين طبعًا، بل القوى الإقليمية والدولية؛ فإن من الضروري لنا -السوريين- رصد بعض الأسباب التي يمكن النظر إليها على أنها عوامل أساسية في عدم سقوط النظام حتى يومنا هذا، ومحاولة تلافي الأخطاء في مراحل مقبلة، وسيكون الفساد في مقدمة تلك الأسباب، طبعًا بعد أن نسقط العوامل الخارجية، من دعم إيراني روسي إلى تراخٍ دولي في دعم الثورة السورية.

حدثني صحافي إيطالي، عمل مدة مع إحدى المنظمات المعنية بإيصال المساعدات إلى المناطق المحاصرة والمنكوبة، بشيء من الخيبة، عن آفة الفساد، وقال إنه يستغرب أن يقوم سوريون يعملون في الإغاثة ببيع بعض ما تقدمه منظمات إنسانية عالمية في السوق السوداء، لجني بعض الأرباح الإضافية، على الرغم من أنهم -يضيف الصحفي الإيطالي الذي ابتعد عن العمل في الشأن السوري منذ فترة- يتقاضون أجورًا بالعملة الصعبة، أي أنهم ليسوا متطوعين. وما ذكره الصحافي الإيطالي عن تلك المنظمة يستطيع آخرون ذكره عن منظمات ومؤسسات أخرى، إعلامية وإغاثية وحكومية، تلقت على مدى سنوات من قبل المانحين دفعات مالية منتظمة، تم تجيير ربما ثلاثة أرباعها لمصالح شخصية، واستثمر الربع المتبقي للعمل، ويمكن لتحقيقات استقصائية متخصصة أن ترصد حجم الفساد الذي ضرب مؤسسات وكيانات المعارضة لنخرج بنتيجة كارثية، ربما يعلمها كثير من السوريين، غير أن غياب جسم قانوني قادر على المحاسبة، ويمتلك الأدوات اللازمة لفرض تلك المحاسبة، وارتباط عدد من المؤسسات الإعلامية بمؤسسة الفساد نفسها، كل هذا يحيلنا إلى تكرار النموذج الذي قامت بسببه الثورة، فالفساد الذي ظل جزءًا لا يتجزأ من نمط الحكم في سورية، على مدى عقود، وصار مؤسسة قائمة بذاتها، لها من يدير شؤونها ويسهر على بقائها نشطة متفاعلة، وقد تكون المؤسسة الوحيدة في سورية ما قبل وخلال الثورة التي لم يطرأ على بنيتها أي تغير يذكر، وربما نستطيع الذهاب أبعد من ذلك، والقول إنها تطورت تطورًا كبيرًا، وطورت أدواتها بشكل بارز، لأنها استطاعت الانتقال إلى الطرف الآخر بسهولة حتى صارت سببًا من أسباب فشل الثورة، كما كانت من قبل سببًا من أسباب فشل الدولة السورية، ولو تمّ إعداد تقرير مختص من قبل منظمة مستقلة، كمنظمة الشفافية العالمية حول الفساد في جسم المعارضة؛ لصنفت المعارضة السورية في مرتبة متدنية جدًا على مقياس الشفافية والنزاهة. ألسنا إذًا أمام كارثة متحركة ينبغي الثورة عليها أولًا، والمطالبة بإسقاطها؛ كي يمكن إسقاط نظام دمشق والبدء بسورية جديدة خالية من الفساد؟

أخيرًا، سرّب لي أحد الأصدقاء محضر اجتماع لإحدى المنظمات التي انبثقت باسم الثورة السورية، وكان الاجتماع مخصصًا لمناقشة مقالة كتبها أحد الصحافيين السوريين، يفضح فيها المحسوبية والشللية الموجودة في تلك المنظمة، اعتبر القائمون على المنظمة التي تتلقى دعمًا ماديًا دوليًا أن مقالة الصحافي خيانة لمبادئ الثورة وخدمة لنظام دمشق، واتُهم الصحافي بأنه متآمر مع أعداء الثورة… وربما تعدّ هذه المقالة كذلك أيضًا، فما أشبه اليوم بالأمس.

1 عدد الردود

التعليقات مغلقة