مقالات الرأي

مسارات الحل السياسي والدور الراهن للمعارضة السورية

تعلمنا في اللغة العربية أنه لا يجوز دخول “ال” التعريف على كلمة “غير”؛ لأنها أداة تفيد معنى النفي حين تدخل على الصفات، فيما “ال” التعريف تدخل على الأسماء فقط، لكن الدبلوماسية المعاصرة خرقت القاعدة العربية، حين أدخلت “ال” التعريف على أداة النفي “لا”، إذ دفعتنا في سياق تعاطيها مع الحالة السورية، مرتين اثنتين، إلى استخدام تعبير “اللاورقة”، كترجمة لصفة “غير رسمية”، وفي هذا الاستخدام نفي للاسم “ورقة”، مع تعريف غير جائز للنفي أيضًا.

في “اللاورقة” الأخيرة، التي قصد بها نفي الصفة الرسمية عن مخرجات اجتماع باريس بتاريخ 23/ 1/ 2018، والتي وقعها ممثلو كل من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا إضافة إلى السعودية والأردن. تحت عنوان “إحياء العملية السلمية في جنيف بشأن سورية”، وشمل هذا الوسم “غير رسمية” اسم المجموعة الصغيرة التي ضمت “الموقعين” أيضًا على الورقة، لكنها قُدمت إلى المبعوث الدولي بخصوص سورية ستيفان دي ميستورا، بقصد خلق آلية أو منهجية جديدة لمسار “جنيف” الذي مضى على نسخته الأولى قرابة خمس سنوات ونصف، فهل يمكن اعتبار ذلك عملًا “غير رسمي”، انسجامًا مع الاجتهاد التعبيري لنزع الصفة الرسمية عن الورقة وموقعيها أيضًا؟!

في تلك المخرجات “غير الرسمية”، يجري استعراض سريع لإجراءات بناء الثقة في القضايا الإنسانية، كملف وقف إطلاق النار، وتمرير المساعدات الإنسانية لبعض المناطق، وتبادل المعتقلين، أو سواها مما يمكن أن يتفق عليه جميع الأطراف، وهو الاتفاق الذي لم تعرفه سنوات سورية السبع العجاف حتى الآن. ليتم بعدها “التركيز بشكل مباشر وفوري على مناقشة ملف الدستور وإجراء انتخابات حرة ونزيهة”، كما جاء في المقدمة.

للوهلة الأولى، يبدو ذلك استعادة للطرح الروسي بشأن مسار التفاوض بين النظام والمعارضة، والذي أقر لاحقًا في مؤتمر سوتشي، غير أن التمعن في تفاصيل الاقتراح يجعلنا نكتشف أنه يقع خارج الرؤية الروسية للموضوع، بل يمكن أن يقطع عليها الطريق، عبر تضمين ملف الدستور توصية للأمم المتحدة أن تبدأ بالتركيز على المبادئ الدستورية العامة التي ستضع إطارًا للمناقشات اللاحقة، بشأن مضمون الدستور الجديد أو نصه الفعلي أو الإصلاح الدستوري، لكن في التفاصيل سنكتشف ما يغطي كثير من إجراءات “مرحلة الانتقال السياسي”، دون أن تسمى مباشرة، إذ يتم إسناد كل ذلك إلى قرار مجلس الأمن الدولي 2254.

تشمل مخرجات اجتماع باريس أهم المبادئ فوق الدستورية التي تنص على فصل السلطات، وتقليص صلاحيات الرئيس، إضافة إلى اللامركزية الإدارية، ومن هذه المبادئ:

1 – تعدل صلاحيات الرئيس ليكون محققًا لتوازن كافة القوى، وضامنًا لاستقلال المؤسسات الحكومية المركزية أو الإقليمية، (بعد تجريده من صلاحيات تعيين رئيس الحكومة أو الوزراء، أو حل البرلمان، أو التدخل في أعمال المجلس القضائي).

2 – منح رئيس الوزراء صلاحيات موسعة، مع فصل واضح بين صلاحيات كل من رئيس الوزراء والرئيس، ودون الحاجة إلى موافقة الرئيس في تعيين رئيس الوزراء وأعضاء الحكومة.

3 – أن يتكون البرلمان من مجلسين، على أن يمثل في المجلس الثاني كافة الأقاليم، وإلغاء سلطة الرئيس بخصوص حل البرلمان.

4 – استقلال السلطة القضائية بشكل كامل وواضح، بما في ذلك إبعاد السلطة الحالية للرئيس عن رئاسة المجلس القضائي.

5 – اللامركزية الإدارية، منح سلطة واضحة للحكومات الإقليمية استنادًا إلى مبادئ اللامركزية، عملًا بمبدأ فصل السلطات أيضًا.

6 – ضمان الحقوق والحريات الأساسية لجميع السوريين، بما يتفق مع التزامات سورية الدولية، ومحايدة الدولة فيما يتعلق بجميع الأديان مع ضمان حماية حقوق الأقليات.

7 – ضمان الرقابة المدنية على الأجهزة العسكرية والأمنية، ووضع حد للإفلات من العقاب على أعمال الأجهزة الأمنية، وتعزيز مؤسسات الدولة الشرعية.

8 – إجراء إصلاحات على المواد التي تحكم آلية الانتخابات ونظمها، فيما يتعلق بحقوق الترشيح للمناصب الحكومية، بما فيها منصب الرئيس، وضمان حماية أمن الناخبين وسرية عملية الاقتراع.

لذلك سارع النظام بقوة لرفض هذه الورقة، فيما يفترض بالمعارضة السورية أن تكتشف آليات الاستفادة منها إلى أقصى حد، وإمكانية الشغل عليها في مسار جنيف، إذا قدر له أن يستمر، لأن استمرارية هذا المسار أو الحل السياسي ككل بات رهنًا بتوافق القوى الفاعلة في الملف السوري، ومن الواضح أن أهواء موسكو لم تعد متحمسة للضغط على النظام، من أجل التفاوض حول أجندات الدستور والانتخابات، ومن هنا تبدو المخرجات السابقة في صيغة احتمالية: “ريثما يتم التوصل إلى اتفاق بين الأطراف الخارجية الداعمة لأطراف النزاع في سورية، يمكن للأمم المتحدة أن تنتقل إلى عملية صياغة الدستور”.

بمعنى أدق: هي جملة ممكنات، لكنها تبقى مجرد احتمالات غير ملزمة، وعلى المعارضة السورية الاستفادة من كل الاحتمالات لخدمة قضايا ومصالح السوريين، مع أن، أو لأن تلك الصيغة السابقة تشي بأنه لا يوجد في المدى المنظور أي حل سياسي أو غير سياسي، بانتظار توافق “الأطراف الخارجية الداعمة لأطراف النزاع في سورية”.

فالدبلوماسية التي تتقن لعبة القوة، ارتأت أخيرًا الاعتراف بما هو قائم موضوعيًا، ويجري تداوله في الإعلام، بأن السوريين نظامًا ومعارضة قد أضحوا خارج المعادلة، في ما يخص تقرير مصير قضيتهم وبلدهم وشعبهم. وأن المجتمع الدولي والأطراف الخارجية هم من يتبارون الآن للحديث، نيابة عن السوريين وباسم السوريين لتقرير مصير السوريين، بغض النظر عن قوائم المشاركين في كل مرة أو مسار التفاوض باسم سورية والسوريين.

هذه الحقيقة ترتب على المعارضة مهمة مستعجلة لاستعادة المشروع الوطني السوري، لصالح السوريين أنفسهم، وبعيدًا عن الحسابات الإقليمية والدولية، استعادة شعارات الثورة وأفقها التقدمي من أجل بناء دولة المواطنة والحرية والكرامة لكل السوريين، واستعادة جوهر الصراع في سورية، بوصفه تناقضًا بين الشعب وبين سلطة الفساد والديكتاتورية، وليس صراعًا بين أطراف داخلية في سورية، كما رغب أصحاب الورقة “غير الرسمية” في توصيف ما يجري في بلدنا.

فالسلطة التي دخلت في تنازع مع شعبها تفقد، وفق الأعراف الدولية، كل شرعية اكتسبتها سابقًا بالفساد والديكتاتورية، وكل الاتفاقيات التي أبرمتها في ظل الحرب ضد السوريين لاغية قانونيًا، وكل تنازلات النظام وعقوده مع الروس والإيرانيين ليست أكثر من جرائم حرب سيحاسبه عليها التاريخ والقانون الدولي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق