سورية: الديمقراطية السوداء

 

عمومًا، تقوم الديمقراطية على تداول السلطة وفصل السلطات وسيادة القانون وحرية التعبير، في آنٍ. وهي نظامٌ للحكم، يستمد شرعيته من الشعب، ويتيح له أنْ يختار ممثليه وحكامه بالانتخابات، كما يتيح له إطلاق فاعليته بالتنافس والتعاون، ويهدف إلى تحقيق أمنه واستقراره، من خلال تنظيم علاقة الحاكم بالمحكوم، وتنظيم علاقة المحكومين ببعضهم البعض، ويجعل من شعبه شعبًا سيدًا متحكمًا بمصيره ومراكمًا لرفاهه وثروته.

بينما، تقوم “الديمقراطية السوداء” على واحدة من مقومات الديمقراطية، وعلى إحلال شيء آخر غيرها، كما تقوم على تخويف العالم من تحوّل سورية إلى نظام ديمقراطي. إنّ “الديمقراطية السوداء” نظامٌ للحكم، يستمد شرعيته من القوة المحلية والإقليمية والدولية، يتم فيه تعيين ممثلي الشعب تعيينًا فوقيًا، ويُحتقر الشعب فيه ويكون في موضع الشك، ويتم احتجاز فاعليته وتنمية استزلامه، ويلجأ إلى البيعة والاستفتاء بدل الانتخابات، ويهدف إلى الحفاظ على الحكم والوظيفة المنوطة به، على حساب الشعب.

في سورية، تسود ثلاث نزعات تعطي الديمقراطيةَ مضامين خاصة وغريبة، تقوض الديمقراطية بالتدريج؛ فتتحول الديمقراطية من مضمونها العالمي والعام إلى “ديمقراطية سوداء” خاصة بسورية فقط. وينتج عن هذا التحول تعليق الديمقراطية في سورية، حتى إشعار آخر، ووضعها في موضع إعادة البناء، قبل تحقيقها فعليًا.

النزعة الأولى هي الاختزالية؛ أي اختزال الديمقراطية إلى إحدى مفرداتها، وانتقاء ركن من أركان الديمقراطية للتبجح به؛ فتختزل الديمقراطية إلى فصل السلطات مثلًا، من دون تداول السلطة وحرية التعبير وسيادة القانون على الحاكم والمحكوم، أو تختزل إلى “حكم الشعب نفسه بنفسه ولنفسه”، بينما الحقيقة هي حكم الفرد للشعب حسب رغباته ومصالحه، وهذا ما نجده عند النظام وحزب البعث والدستور السوري. ونجده أيضًا في الطرح الروسي للتسوية السياسية من دون تداول للسلطة؛ التسوية التي يحاول الروس تسويقها للسوريين، بعد هذا الثمن الأسطوري الذي دفعه الشعب السوري للخلاص من طغيانهم ونهبهم. وما هذا الاختزال إلّا بلعمة لأية إمكانية يحملها هذا الشعب في إعادة بناء نفسه، وتنظيم علاقة المحكومين بين بعضهم البعض، وتحديد علاقة الحاكم بالمحكومين، وتداول الحكم المقنن.

أما النزعة الثانية فهي الاستبدالية؛ أي استبدال الشورى بالديمقراطية (الباء تدخل على المتروك)، وإحلال البيعة محل الانتخابات، والبيعة هي قبول واعتراف بما اختاروه لنا، بينما الانتخاب هو اختيارنا الحر والمسؤول. ونجد هذه النزعة عند الإسلام السياسي والفصائلي غير الجهادي (الإرهابي)؛ لأن الجهاديين منهم يرون الديمقراطية وثنًا يجب على السوريين تحطيمه، وهم يستمدون شرعيتهم من الفقه والقوة والتوظيف الذي توظفهم فيه الدول. بينما غير الجهاديين يرون في الديمقراطية وسيلةً للوصول إلى السلطة؛ لأنهم أكثرية عددية لا يخشون من صناديق الاقتراع. ولكنهم يختزلونها في الانتخابات فقط، ثم يضعون الشورى محل الديمقراطية، ويضعون البيعة محل الانتخاب، بعد أن يحتكروا الجيش والقضاء والدبلوماسية.

وأخيرًا، النزعة الثالثة وهي التخويفية؛ أي تخويف العالم من تحول سورية إلى الديمقراطية. وهذه النزعة تأخذ بالديمقراطية، جملة وتفصيلًا، ولكنها تظن أن تحقيق النظام الديمقراطي سيجعلها في موضع تحارب فيه العالم، وتبث رسالتها على هواها. وذلك لاعتقادهم أنَّ سورية بتحولها إلى الديمقراطية ستقضي على الرأسمالية والعولمة والصهيونية! ونجد هذا عند كثير من الثوار وكثير من المعارضين، كما عند دعاة التغيير الوطني الديمقراطي، من المجلس الوطني أو من الائتلاف أو هيئة التفاوض. إنَّ الديمقراطية السوداء غول سيلتهم العالم، حسب هؤلاء.

تاريخيًا، التفّت التيارات الثلاثة الكبرى، القومي والماركسي والإسلامي، على الديمقراطية في سورية؛ مرة باسم العدالة الاجتماعية، وأخرى باسم الخصوصية والنسبية، ومرة باسم “الشورى” والتراث، ومرة باسم “الديمقراطية المركزية”، وأخرى باسم “المركزية الديمقراطية”، وقد كانت ممارستهم الفعليّة، في الحكم أو في أحزابهم، تتناقض مع المبادئ الديمقراطية. ولم يكن الفرز واضحًا بين هذ النزعات، بقدر وضوح التداخل فيما بينها. حيث ثمة تداخل بين الاختزال والاستبدال والتخويف؛ فالتيار الذي يأخذ بالاستبدال يأخذ أيضًا بالاختزال والتخويف والعكس صحيح. فحافظ الأسد “العَلماني”، مثلًا، استخدم البيعة وتجديد البيعة أكثر مما استخدمها مرشد الإخوان المسلمين أو “أبو بكر البغدادي”، أو حتى “أبو محمد الجولاني”.

ثم أتت الضربة القاضية للديمقراطية واستفحال ظاهرة “الديمقراطية السوداء”، من احتلال العراق 2003 بحجة الديمقراطية. ومؤخرًا، أيضًا، من انقلاب “السيسي” على الديمقراطية المصريّة، بعد سعي الإخوان لاحتكار الجيش والقضاء والدبلوماسية. وبهذا بتنا نفضل العدالة على الديمقراطية، ونسعى للعدالة حتى بتساوي الظلم، ونحلم برئيس عادل ذي كاريزما، وهذا مما يرتبط بهذه النزعات سالفة الذكر.

لا، أيتها السيدات، أيها السادة، الشورى ليست الديمقراطية، ولا يجوز التبديل بينهما. ولا تختزل الديمقراطية بإحدى مبادئها، فهي تأتي سلة واحدة إما أن نقبلها وإما أن نرفضها، ولكن لا يجوز أنْ نختزلها، حسب مقتضيات مصالحنا الشخصية. كما أن الديمقراطية لا تخيف العالم، لأنها بنتٌ شرعية للرأسمالية وللعولمة، لا لتراثنا المملوكي والسلطاني.

إنَّ الديمقراطية ترفع الشعب السوري بين شعوب العالم، وتؤكد على التعاون على المشكلات العامة، وعلى السياسة التي تنبذ الحرب خارج المدنيات الديمقراطية. بينما “الديمقراطية السوداء” تجعلنا سمادًا للتاريخ نتحارب بلا نهاية لصالح الآخرين.

1 عدد الردود

التعليقات مغلقة