مصيبة المنطقة في نزعة التسلّط

 

ما تعيشه المنطقة راهنًا، وسورية تحديدًا، إنما هو حصيلة تراكم الكثير من المقدمات والأسباب والجرائم، على مدى عقود من إدارة السلطة بعقلية شلليّة مافياوية، تمكّن أصحابها من التغلغل إلى مفاصل الدولة والمجتمع، واستطاعوا التحكّم بالقدرات العامة. كما سعوا من خلال مشاريع الخصخصة إلى التشارك مع حديثي النعمة، اللاهثين خلف صفقات مضمونة، وربح سريع لا ينسجم مع المستلزمات الضرورية لبناء اقتصاد وطني متكامل متوازن، كان من شأنه أن يلبي الاحتياجات، ويمتلك المقومات المطلوبة لتنمية مستدامة، تأخذ في اعتبارها مستقبل الأجيال الجديدة.

وهذا ما ظهر واضحًا جليًا في سورية منذ سبعينيات القرن الماضي. فبعد أن تمكّن حافظ الأسد من السيطرة على مقاليد الأمور عن طريق الانقلاب الذي سوّقه تحت اسم “الحركة التصحيحية”؛ خطّط للبقاء في الحكم مدى الحياة، بل خطّط لما هو أبعد من ذلك، فقد كان يريد تثبيت حكم سلالته لعقود مقبلة بعد موته.

ولتحقيق ذلك، وضع نفسه خارج إطار المساءلة والمحاسبة؛ إذ خرج على الناس في مظهر “بطل التحرير”، بعد حرب إشكالية تحريكية، كانت حصيلتها صفقة الجولان والحدود الهادئة. ومع الوقت، أصبح الباني الأول، والمهندس الأول، والمعلم الأول، والأول الأول في كل شيء. وانتشرت تماثيله في سائر المدن والبلدات السورية. وألّهه “علماء السلطان” من المؤسسة الدينية التي كان قد أطبق عليها بصورة كاملة، وباتت مجرد واجهة من واجهات نظامه البراغماتي، الذي سوّقه تقدميًا عبر معاهدة الصداقة مع الاتحاد السوفيتي، ومشروع الجبهة الوطنية التقدمية، تلك الجبهة التي كانت في الواقع أداة لضبط وتمزيق كل الأحزاب المنافسة، وتمرير القرارات الإشكالية من خلالها. كما تمكّن في الوقت ذاته من بناء علاقات متينة مع الدول الخليجية، لا سيما السعودية، تحت شعار التضامن العربي لمواجهة الخطر الإسرائيلي. وفي الوقت ذاته، استغل الظروف الإقليمية بعد وصول الخميني إلى الحكم، ليؤسس لعلاقة استراتيجية مع النظام الإيراني، ويسوّغ خطوته تلك بأنها لمصلحة العرب، ولصالح تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة. هذا رغم سعي النظام المذكور منذ اليوم الأول إلى تصدير ما كان يسميها “الثورة الإسلامية” إلى الدول العربية المجاورة، مستغلًا المظلوميات الشيعية، تلك المظلوميات التي كانت نتيجة إخفاق حكومات تلك الدول في التعامل مع مواطنيها الشيعة تعاملًا عادلًا، أساسه المساواة وعدم التمييز.

ما زلنا نتذكّر جهود المراكز الثقافية والبعثات الدبلوماسية الإيرانية، في ميدان الترويج لأيديولوجيتها، والتغلغل داخل المجتمعات المجاورة واستغلال المشاعر، ورفع شعارات المقاومة وتحرير القدس، تلك الشعارات التي كان لها وقع إيجابي على المجتمعات الإسلامية والعربية على السواء، بغض النظر عن الانتماء المذهبي.

ولم تقتصر الجهود الإيرانية تلك -التي كانت تتم في سورية ولبنان تحت سمع وبصر حافظ الأسد وبموافقته- على الجانب التبشيري الدعوي فحسب، بل سرعان ما انتقلت إلى الجانب التعبوي التنظيمي الميليشياوي، فكان مشروع “حزب الله” الذي أصبح مع الوقت دولة داخل دولة، بل دولة فعلية تتحكم بالدولة الرسمية؛ ثم دولة عابرة للحدود.

لقد أراد حافظ الأسد بتحالفه مع إيران وأدواتها أن يكون قوة إقليمية، تضعها الدول الكبرى في حساباتها ومعادلاتها التوازنية في المنطقة. ولتجاوز مخاطر الاحتجاجات الداخلية؛ بنى الأسد جملة من الأجهزة القمعية المتداخلة الوظائف والولاءات. المتنافسة في ما بينها أحيانًا، ولكن الخيوط جميعها كانت تلتقي لديه، ليكون الحاكم المؤلّه، الآمر الناهي.

لم يكتف بذلك فحسب، وإنما اعتمد كذلك عملية منهجية في ميدان تسطيح العقول، عبر تخريب التعليم، وتعميم الفساد والإفساد، وإنهاء الحياة السياسية. وخلق ماكينة حُكم، لها مصلحة في استمرارية الوضع القائم، طالما أنها خارج دائرة المساءلة والمحاسبة. وهذه الماكينة هي نفسها التي ثبّتت بشار الأسد في الحكم، رغم التملل الخجول لبعض أركان النظام المخضرمين، الذين لم يؤدوا بعد خروجهم من دائرة الحكم أي دور إيجابي فاعل لصالح الشعب السوري.

مع انطلاقة الثورة السورية التي فجرها في الأصل الشباب السوري، الذين عانوا من حالة انسداد الآفاق. ولكنهم لم يتمكنوا، لأسباب موضوعية وذاتية، من فرز القيادة التي كان من المفروض أن تحوّل الفعل الجماهيري إلى إنجاز سياسي يتمثّل في نظام جديد، يقطع مع القديم المتهالك الآسن.

عجزت قيادات الأحزاب التقليدية التي كانت تعاني من حالة شلل في مرحلة حافظ الأسد، عن استيعاب المرحلة الاستثنائية، فظلت تتعامل مع الوضع بأدوات انتهت مدة صلاحيتها منذ أمد بعيد.

في معركة المواجهة مع الشعب، تخلّى الحاكم الابن عن معايير سياسة والده المحسوبة، واعتمد كل الأوراق التي لا تؤسس لمشروع وطني سوري رغم ادعاءاته النقيضة؛ فقد أجج النزعات الطائفية والقومية، وتعامل مع كل صنوف الإرهاب والإرهابيين، بل مارس كل أشكال الإرهاب ضد السوريين واللبنانيين والعراقيين. واستقدم الميليشيات المذهبية، والحرس الثوري الإيراني، والقوات الروسية، كل ذلك من أجل حماية ما يعتقد أنه ملكه وحقه الطبيعي الذي ورثه عن والده، بموجب دستور نظام “جمهوري علماني” من الناحية الرسمية، بينما تؤكد الوقائع أن نظام ولي الفقيه بميليشياته هو الموجّه والمهيمن.

وقد جرت العادة في منطقتنا أن نحمّل الدول الكبرى وألاعيبها المسؤولية الكبرى، ولكننا ننسى أن تلك الألاعيب ما كان لها أن تبلغ أهدافها، لولا نزعاتنا الاستبدادية والجشعة، ولولا بُنى مجتمعاتنا الهشة بفعل مشاريعنا الأيديولوجية الكبرى، التي تبقى مجرد شعارات للتعتيم على استبداد الحكام وفسادهم، إن لم نقل لتبريرهما، بل شرعنتهما.

1 عدد الردود

التعليقات مغلقة