مقالات الرأي

سورية وصناديق الكارثة

 

مذبحة مستمرة منذ سبع سنوات، ضحايا في الجنوب السوري وفي الشمال يسقطون بكافة الأسلحة “المحرّمة والمحلّلة” دوليًا، بأكثر الأساليب إسفافًا ورعبًا، هذا ما يجري تسجيله داخل “الصندوق الأسود” لوطنٍ تحول إلى الكارثة بكافة أبعادها، دون أن يكون هناك من يوقفها، حيث الجميع ضالع في قتل الشعب السوري، إما بشكل مباشر عبر المشاركة في الحرب، أو دعم وتسليح جهات ميليشياوية طائفية تشارك في الحرب، وإما عبر عرقلة مشاريع الحلول.

ما يحدث داخل الصندوق الأسود لا قيمة له خارج هذا الصندوق، فأرواح السوريين مجرد أرقام على بيانات إحصاء الضحايا التي يرفع المجتمع الدولي عقيرته بالتنديد بها، والقلق من ازديادها، ولا ينسى أن يعلن عجزه عن فرض لجم للقتل عبر هدنة شاملة ودائمة. عجزٌ بلغ ذروته، قبل أيام، فما يسمى “مجلس الأمن الدولي” عجز عن استحصال هدنة أكثر من شهر، على ما اعتبره مسؤول الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة مارك لوفكوك “الوضع الأسوأ منذ 2015″، معبّرًا عن الحاجة الملحّة لإيجاد ممر إنساني وتجنيب المدنيين المعارك، لكن هذه الحاجة كانت “غير واقعية”، بالنسبة إلى روسيا التي ترى أن هذا الواقع الأسود عليه الاستمرار لخدمتها وخدمة بقية الأطراف التي تعبث بدماء السوريين، ريثما يتم الانتهاء من تطويع مسارات الحلول السياسية المعقّدة، وسحب خيوطها ليس بما يناسب مصلحة سورية والسوريين، التي كان من الممكن فرضها تحت البند السابع وإلزام الجميع على تطبيقها قبل اشتداد الكارثة، بل بما يضمن استمرار وجود المتحاصصين.

داخل الصندوق منفصل عما هو خارجه، رغم العلاقة المباشرة معه، هذا ما تؤكده كافة مهازل التصريحات والتنديدات، وتؤكده أكثر مهزلة المؤتمرات التي تحوّلت إلى صناديق جانبية، مهمتها الفك والتركيب، لبحث المخارج المناسبة التي لم تثمر حتى الآن إلا في تكديس الوثائق في أروقة الأمم المتحدة. فمنذ خطة البنود الستة التي قدّمها كوفي أنان، بإقامة هيئة حكم انتقالية على أساس الموافقة المتبادلة بين الأطراف، تمارس كامل السلطات التنفيذية، وتُهيّئ لبيئة محايدة تتحرك في ظلّها العملية الانتقالية، إلى بيان جنيف 2012، وقراري مجلس الأمن 2118 و2254، وقرار الجمعية العامة 262/ 67 وغيرها، التي لم تستطع إنهاء الأزمة في حينها، انتقالًا إلى “لاورقة” المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سورية ستيفان دي ميستورا، وبنودها الـ 12 العصماء التي أطلقها ليؤكد أن بوابة السلم هي التسوية بين “النظام والمعارضة”، انتقالًا إلى البيان الختامي لـمؤتمر سوتشي الذي عقدته روسيا للحوار الوطني، والذي أظهر الفشلَ الروسي في التحوّل من طرف في الصراع إلى وسيط حقيقي بين الأطراف السورية، وفي جذب الأميركيين والأوربيين وإثارة اهتمامهم، وصولًا إلى “لاورقة” الدول الخمس التي أعدّتها أميركا، بالتعاون مع بريطانيا وفرنسا والسعودية والأردن، لكسر الاحتكار الروسي للحلّ وردم الفجوة الواسعة، بين ما تطرحه روسيا وما يمكن أن تقبله المعارضة، وللخلاص من المناوشات الدولية والسورية حول إسقاط أو بقاء النظام السوري، وما سبّبته من فشل ذريع في كافة المباحثات التالية التي تحوّلت من مسار حلّ الأزمة إلى التسوية عبر مسارات أكثر تنازلًا في صياغة التوافقات على كيفية توزيع الحصص المناسبة لحجم التدخلات الخارجية لسورية المستباحة، والتي ستزداد تعقيدًا مع المتغيرات الأخيرة في استراتيجية بقاء القوات الأميركية التي تسيطر مع حلفائها على 30 بالمئة من الأراضي السورية.

الواقع السوري المزري ما زال ينتقل من مسار إلى آخر، وأمل السوريين بانتهاء “لعنة” صناديق الفك والتركيب لإيجاد الحلول ما يزال يراوح في مكانه، رغم ما وصلت إليه هذه الحلول من منحدر أخير، وإجماع دولي على إسقاط هيئة الحكم الانتقالي، في مماحكات المصالح الإقليمية والدولية، والالتفات نحو صياغة دستور ضبابي في تعابيره السياسية، وفي ما سيقدمه لاحقًا لبناء سورية جديدة، لكنها ما تزال محكومة بتصاعد الاحتكاكات بين القوى الدولية المختلفة الموجودة على الأرض السورية، وما ستسفر عنه من ترتيبات، ومن بينها سياسة أميركا الجديدة التي ربطت وجود قواتها من جهة بتحقيق المصالح الأميركية في سورية، ومن بقية الجهات بشروط مختلفة كالقضاء على الإرهاب، وتأمين السلم والاستقرار المرتبط أولًا: بالعملية السياسية ووضع دستور جديد، وإجراء انتخابات حرّة ونزيهة تحقّق انتقالًا سياسيًا كاملًا يرحل بموجبه رأس النظام السوري وعائلته، ثانيًا: بالحدّ من الوجود الإيراني والذي يبدو أكثر صعوبة فأميركا، وهي تلقي باللائمة على قدرة روسيا في الحدّ من تمدّد إيران، لا تمتلك حتى اللحظة أي استراتيجية واضحة لكبح هذا التمدّد؛ ما يجعل السوريين على موعد مع مواجهات غائمة، لا يعرفون حدودها وآلياتها لتقليص النفوذ الإيراني.

“الصندوق الأسود” الموضوع على حافة هذا الوطن، لتسجيل الكارثة السورية بكافة أبعادها وتجلّياتها، سيدفن مع ما تبقى من ركام صنايق مقترحات الحلول البعيدة والقريبة، ما دام السوريون إلى اليوم لم يمتلكوا أوراقهم التفاوضية القوية، لإنقاذ سورية من التشظي، ولم يتعلّموا كيفية تنسيق الجهود لتشكيل تحالف شعبي سوري، يعمل باتجاه تحقيق طموحات السوريين كافة في الديمقراطية والحرية وتحقيق وطن للجميع، بدل تركها لمؤتمرات لن تقدّم، رغم رفضها التدخّلات الخارجية وتأكيدها على أن الشعب السوري هو صاحب القرار، سوى بضاعة دولية للمساومات والتحاصص، على حساب الدم السوري.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق