قضايا المجتمع

العصا المقدسة

 

النظر إلى الإسلام، بوصفه نظام حكم، خطأ جسيم وقعت فيه معظم التيارات المعاصرة، العلمانية والإسلامية والقومية وغيرها، فالإسلام نظام اجتماعي وفضاء ثقافي، والطبقة الدينية هي طبقة دخيلة على الأصول، ولا يوجد في الأصول أي اعتراف صريح بها، بمعنى آخر: لا توجد سلطة دينية في الإسلام، إنما هناك نوع من الترشيد والتوجيه للطبقة الحاكمة التي لا تتمتع أبدًا بسلطة دينية جزئية أو شاملة. بمعنى آخر: لا وجود شرعيًا بحسب الأصول لأي تيار سياسي أو حركي أو سلطوي يحتكر الإسلام، والصدام الأكبر الذي تلقاه الأحزاب والجماعات والحكومات التي تدعي تمثيل المسلمين هو الصدام مع المسلمين أنفسهم قبل غيرهم، محاولة اختراع كنيسة إسلامية كانت دومًا خطوة سياسية أو صراعًا على السلطة، ربما نما شيء من هذا القبيل عند الطوائف والأقليات، لأسباب تاريخية، لكنه حتمًا عوارض بائسة على مستوى المجتمعات الإسلامية، وخاصة في الإسلام السني الوسيط الأكثر اتساعًا وعددًا بما لا يقارن.

مردّ هذا الخلط عهودٌ متأخرة نسبيًا، لجأت فيها السلطة إلى تبني شرعية مقدسة محمية بالنصوص، كانت وراء نشوء المذاهب الفقهية التي تعود اختلافاتها في جذورها إلى الخلاف على السلطة والمرجعية، امتدت فيما بعد إلى اختلافات فقهية، نشأت أساسًا على نظريات الحاكمية، فالنقلة النوعية تمت مع استيلاء العباسيين على السلطة، عند قضائهم على الخلافة الأموية، فالخلافة الأموية -على الرغم من قسوتها على من يعارضها- لم تذهب إلى حد وسمِ غلبتها بالقداسة، ربما لأنها لا تملك تلك الوجاهة النصوصية، ولذلك لم تبرز الخلافات الفقهية، وكان معظم المسلمين في إطار اجتهاد ملزم لصاحبه دون غيره، وقد سبق المرحلة الأموية ممارسات وتطبيقات لم تلتزم بالنص المقدس بحرفيته، بل ربما تبدو بعض الأحكام كمخالفة لصريح النص، وخاصة في عهد عمر بن الخطاب. ولذلك يمكن عد عهده الانطلاقة الحقيقية لفقه المقاصد، حيث المقاصد العليا للعدالة وحرية الاعتقاد والحفاظ على كرامة الوجود الإنساني، دون المرور بالضرورة بالأحكام القطعية، وخاصة في العقوبات والحدود.

وعلى الرغم من الاختلافات في الاجتهادات التي ظهرت طوال الفترتين الراشدية والأموية، لم تظهر الفتيا، كرأي حازم ومدجج ومتسلط على التفسير. فالانتقال الدراماتيكي من عقلية الاجتهاد إلى عقلية الفتوى كان في العهد العباسي، حيث أصبح النص المؤول بدلًا من النص المفتوح على المعاني المختلفة، وخلف هذا التأويل سلطة تفرضه كتفسير وحيد ملزم. وهذا ما دعا إلى ظهور طبقة جديدة مواكبة للطبقة الحاكمة، هي طبقة “رجال الدين” الذين يحتكرون التفسير الديني، ولأن النصوص الإسلامية الصريحة ترفض فكرة التوسط بين العبد وربه، ظهرت هذه الطبقة بتسمية مواربة، تحت اسم علماء الشريعة، أو الفقهاء، سرعان ما أفرزت أدوات ضبط وتحكم للجم العامة عن الاجتهاد. ومع أن هناك مواقف جريئة، في وجه السلطة، عند بعض الفقهاء، فإن الفقه نشأ في إطار تأصيلي واستلحاقي، فالسلطة تقرر والفقهاء يؤصلون القرار، ويمدونه بالنصوص التي تسبغ على القرار قداسة شرسة. في إطار ما يسمى بالفتوى، فالفتوى ليست اجتهادًا قابلًا للتجاهل، إنما حكم صارم يعاقب من يخالفه أو يخترقه بعقوبات تعزيرية متفاوتة، ومتعسفة جدًا، عندما تمس هيبة الحاكم أو السلطة.

هذه الطبقة الفقهية بقيت رهن دورها السلطوي، في مختلف العهود ذات المرجعية الدينية، وحتى بعد انتهاء الشكل التقليدي للسلطة المتمثل في الخلافة أو إمارة المؤمنين، وفي إطار الدولة الحديثة، استمر هذا الدور من خلال تبني المرجعية الدينية كأساس للدستور، بل ظهر بأشكال أكثر حدة، من خلال تبني ما سمي بـ (الشريعة الإسلامية)، ومع أن هذه التسمية تشي بما خلفها من مصادرة حرية الاجتهاد والرأي، فإنها دغدغت عواطف (المؤمنين)، ودعمت بقوة من طبقة (العلماء)، حيث ينالون حظوة كبيرة، ويتقاسمون شيئًا من السلطة تنعكس عليهم بغنائم مادية أو معنوية.

ربما، لضرورات ظرفية وتاريخية، نما شيء من الهيكلية الدينية لدى المساحة المعارضة للحكم الإسلامي الوسيط المدجج بالفتوى، وتكرست هذه المرجعية كإطار ديني حازم ومركزي، إلا أن طبيعة الإسلام السني الوسيط بقيت عصية على مركزية لازبة ومحددة، فنشأت معاهد كثيرة ومتخالفة ومختلفة، فلم تنشأ هيكلية تراتبية واضحة. وهذا ما جعل نظام الفتوى بحد ذاته محدودًا ضمن الإكراه والتعسف.

الطبقة الدينية السنية لم تحظ بالدعم المادي الجماهيري، على نحو ما جرى عند طبقات دينية مذهبية أو دينية أخرى، ولم تتحول الوظيفة الفقهية إلى نمط إنتاجي، وهذا ما رهنها لسلطة الحاكم ورضاه، فهي تنال برضاه المكانة والمال والحصانة، وتتجنب قسوة المآلات.

والاستخدام السياسي للدين، عند الإسلام التاريخي الوسيط (السني)، لم يظهر كنظرية سياسية إلا بعد نشأة الاتجاهات السياسية المتأثرة بالغرب، والتي اتخذت ثوبًا إحيائيًا، في بيئة لم يكن الدين فيها ميتًا ليتم إحياؤه، وظهرت الحركات والأحزاب الإسلامية، لتطرح (الحاكمية) كنظرية مركزية لإدارة المجتمع والفرد والدولة والعلاقات مع الآخرين، ولأن السياسة فن الممكن، وجدت هذه الأحزاب والجماعات نفسها عرضة للاستخدام السياسي حتى عند الأنظمة والدول التي تعادي الإسلام، وتم استخدامها بالفعل لخنق رغبات التحرر أو التنمية أو الاستقرار، وفي سبيل ديمومة الاستبداد والتحكم، بل إن ظهور جماعات مغرقة في خطاب الكراهية وممارسات وحشية، أصبح التجارة الأكثر رواجًا للأنظمة القمعية الحاكمة وداعميهم من دول السلاح والهيمنة. وذلك بإدارة استخباراتية حاذقة، تواكبها خطط إعلامية مكثفة، قادرة على بث الدمار في أكثر البيئات استقرارًا، ونشر الصراع في أكثرها وعدًا وتنمية. جماعات مباغتة، لا عمق لها، ولا أدبيات واضحة، تختزل الدين في مظهر بائس ورغبات وحشية، تظهر من العدم، وتنمو نموًا سريعًا، وكأنها الند المنتظر لسلطة مستبدة، ثم لا تلبث أن تتداعى، بعد أن تكبد الناس، لا السلطة، أهوالًا وخسائر فادحة. حوّلت الدين من إطار للفهم والرحمة، إلى عصا مقدسة لا ترحم.

 

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق