“مسنثروبيا”

 

مفهوم فلسفي جاء من الكلمة الإنكليزية (Misanthropy)، يدلّ على ميول نفسية وعقلية لدى صاحبه، كارهة وحاقدة على الجنس البشري، ولا تثق بكل ما يمثل الإنسانية، وهو خلل وظيفي في الدماغ يرافق الإنسان منذ ولادته، يصعب تحديد أسبابه وحصرها. ولا يمكن اعتباره من الحالات النفسية التي تأتي كردة فعل، تجاه حدث ما أو أزمة معينة أدت بصاحبها إلى الإحساس بالحقد الأعمى على البشرية.

وفقًا لتوصيف الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، فإن الشخص الـ (مسنثروبي)، “باغض للبشر، يهرب من مواجهة الناس، إما لأنه يحتقرهم أو أنه يشعر بأنهم أعدائه”.

ويرى الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور أن “الكراهية تنبع من القلب، والاحتقار من العقل، وكلاهما خارج عن إرادتنا”، واعتبر أن “الصفات البغيضة” عند بعض البشر تساهم في إبعادهم عن بعضهم.

(المسنثروبيا): ليست مرضًا نفسيًا، يمكن علاجه أو التخفيف من حدته بطرق معينة، كما أن غالبية أصحاب هذا الطبع يعتقدون أنهم فهموا سلوك الجنس البشري، ويرون أنه يميل إلى الشر لا إلى الخير، ولذلك يعتقدون أن إبادة البشرية قد تكون هي الحل، وهي ليست نظرة عنصرية نحو صفة أو جنس معين من البشر، إنما رغبة نابعة من بواطن النفس والعقل تجاه الجنس البشري عامة.

اعتبار أن الشخص (المسنثروبي) يعاني من خلل عقلي، ربما يكون هو التوصيف الأكثر إحاطة بالحالة، حيث إن التفكير العدائي المستحكم تجاه البشرية وما أنجزته وتنجزه، وتجاه مستقبلها، مع تمني فنائها وفناء الكون كله، لا يمكن أن يصدر عن عقل سليم، وإنما عن خلل في التفكير أوصل صاحبه إلى تلك القناعات الراسخة لديه.

لا نستطيع التعرف على هذا النوع من الأشخاص بسهولة، فهم يحاولون أن يكونوا طبيعيين في علاقاتهم بمحيطهم، في حال لم يتجهوا إلى الانزواء، والبعض منهم يتمتعون بذكاء خاص، ومنهم مبدعون في بعض العلوم كالفلسفة والفن والأدب والابتكارات الصناعية والتكنولوجية وغير ذلك، دون أن يكشفوا عما يضمرون من بغض أو حقد للبشر.

ربما خلّدت البشرية، في تاريخها السياسي أو الفكري الطويل، أسماء العديد من الشخصيات التي تميّزت بشيء ما، لكن في حقيقة بواطنهم كانوا مصابين بالـ (مسنثروبيا)، ومن المرجح أن الكثير من الحروب التي طحنت أجساد ملايين البشر، تعود إلى هذه النزعة والخلل في النظرة إلى البشرية مع الرغبة في تدمير كل ما يمت إلى الحياة بِصلة.

إن التأمل فيما يجري حاليًا في سورية، من جهة الاستمتاع بجرائم القتل والتدمير المروعة التي طالت حتى الأطفال والعجزة والحواضن في المستشفيات، والتي تنفذها قوات نظام الأسد وميليشياته، على خلفية انتقام غير مبررة، لكنها مترافقة مع مناخ تشجيعي وتبريري، من قِبل بعض المثقفين والشعراء والأدباء السوريين وغيرهم، قد يساعد في فهم التوصيف الذي يقول: إن من يقوم بهذه الأفعال لديه خلل عقلي أو نفسي، أو كليهما.

إلى ذلك أيضًا يمكن إرجاع هذا الجموح الكبير من قبل فلاديمير بوتين، للقتل والتدمير، والاستقواء على المدنيين أينما سنحت له الفرصة، ثم الافتخار بتجريب الأسلحة عليهم في سورية، واعتبارها تدريبات مجانية تأتي بالربح والمكاسب، من دون أن يبدو أي تأنيب ضمير من قِبل الفاعلين، على الرغم من حجم الكارثة. إن توثيق هذه الجرائم، ومعرفة دوافعها وآلية ترويجها وطرق تنفيذها، ودراسة السبل المتبعة في تبريرها وتجنيد مؤيديها، قد يساعد البشرية في المستقبل، في فهم أوسع لمعنى (مسنثروبيا).

 

1 عدد الردود

التعليقات مغلقة