مقالات الرأي

المأساة السورية والتضليل المنظم

 

قبل سنوات سبع، في مثل هذه الأيام، كان الغضب في المجتمع السوري قد بلغ أوجًا لم يصل إليه من قبل. وكانت قابلية الانفجار قائمة في أي لحظة، ليس في 2011 فقط، بل قبل ذلك بسنوات طويلة، كان كل فعلٍ يقترفه النظام الأسدي، بحق المجتمع السوري، يرفع درجة الغليان، ويزيد في كمونه العظيم. وفي كل مرة تكاد فيه الصيحة أن تنفلت من عقالها، كان النظام جاهزًا بأدوات القمع الوحشي التي لا ترحم، وما فتئ يستخدمها ضد السوريين، حتى خُيّل إليه أن تدجين هذا المجتمع قد وصل إلى درجة من الخضوع والسيطرة، لا يمكن أن تقود إلى مجرد التفكير بالخروج على المستبد المتسلط.

الذهنية الأمنية – الأسدية، لم تكن ترى السوريين سوى مجرد حيوات محكومة بالانقياد التام، وأن مملكة الصمت هذه أبدية، مثلما كان النظام يعمل من أجل سلطة أسدية أبدية، تحكم البلد.

الأكذوبة الكبرى التي أطلقها النظام وصدّقها وروّج لها: “أن سورية ليست تونس، وليست ليبيا، وليست كغيرها من البلدان الأخرى”. كان المعنى يفيد أن قبضة النظام (لا الدولة؛ لأن الدولة بمفهومها السياسي والقانوني تحكمها المؤسسات) هي قبضة مُحكمة على البلد وعلى الشعب. ولكن، مَن كان يتصور أن يثور الليبيون على القذافي جنرال الدم والمعتقلات؟ مجرد التوقف للتفكير في الإجابة على هذا التساؤل، كافية لدحض فكرة الاستثناء السوري. وقبل ذلك –دائمًا– كان الحراك السوري –على محدوديته ودرجة قمعه العالية- منذرًا بالتغيير، ولم يطل الأمر كثيرًا، حتى خرج الشارع السوري عن صمته، في حراك مدني أصيل.

كان الرد على سلمية الانتفاضة بتوريطها وإرباكها، ومنذ البدء، قال النظام إنه لم يتصد لأي تجمع مدني سلمي بالسلاح، وإن من بدأ يقتل المتظاهرين هم مجموعات مسلحة غير معروفة، ولم يلبث أن أضاف صفة الإرهاب إليهم؛ فاتخذ لنفسه شرعية المواجهة المسلحة التي فتحت أبوابها بلا حدود، حتى اليوم. كان العالم يدرك أنها موجة جديدة في تطورات ومراحل الربيع العربي، لكنه كان منكمشًا، حيال خروج السوريين عن احتمال الذل والخضوع، على العكس تمامًا من موقف دول أعضاء في مجلس الأمن، سارعت إلى إدانة أي استخدام للعنف المفرط في مواجهة الجماهير الغاضبة، تونس وليبيا مثالًا. كان المشهد السوري العام يشير إلى تورط النظام باستخدام العنف بصورة متواترة، مع ارتفاع أعداد الضحايا، معتقلين وقتلى. كانت المعالجة الأمنية للحدث السوري، القرار الذي اتخذته دمشق بمشورة حلفائها الأقرب، جزءًا من استراتيجية المواجهة الشاملة التي اعتمدت على تضليل الرأي العام العالمي؛ فوقف المجتمع الدولي متفرجًا على التطورات الدامية، وكأنه يصدق أكذوبة النظام، بوجود جماعات مسلحة خطيرة، وهو ما عمّق التنسيق الأمني عالي المستوى في الأصل، بين المخابرات السورية ومؤسسات الاستخبارات الكبرى في العالم، مثل الولايات المتحدة.

لاحقًا، فشلت مهمات المبعوثين الدوليين، في التوصل إلى التوافق على مخرج سياسي، يؤمّن وقف استخدام القوة “العنف المفرط”، ويمنح مشاركة أوسع للمجتمع السوري في إدارة شؤونه. وقد أشبعت اللجان الدولية بالفساد، ولم تقدم الحقيقة كما يجب، بل شاركت في التعتيم على نقل الصورة الحقيقية إلى العالم، إلى صانعي القرار الدولي (الدابي ودي ميستورا علامتان فارقتان في الحدث السوري)؛ واستطاع النظام أن يسوّق دعاواه –إلى درجةٍ ما– بشأن الانتفاضة، على أنها تمرد مسلح لجماعات تتلقى دعمًا من الخارج. لقد تجاوز الأمر تعبير المؤامرة الخارجية بمفهومها السياسي، إلى ضلوع دول ومنظمات إرهابية في توجيه مسار الأحداث في سورية، لذا “فإن النظام يمارس مهامه في حماية سورية”. هذه العبارة ما زال الجعفري يرددها، والمجتمع الدولي يستمع إليها بإنصات العاجز أو المقرّ بها، ولو على خفر، وقد استعمل هذه العبارة، قبل نحو أسبوع، في خطابه أمام مجلس الأمن.

ثمة ما لا يمكن أن يُنسى، لقد ساعد تدفق السلاح والمال، إلى أجنحة وفصائل سورية في الداخل والخارج، في تمكين النظام من تسويق الكذب المكشوف والتضليل المتعمد للحقائق. وعمل النظام الأسدي، بجدية منظمة، على تشويه مطالب الانتفاضة، مستخدمًا أدوات إعلامية ووسائل اتصال اجتماعي، وترويج معلومات متدفقة إلى دول العالم، على مستويات متعددة، مع فتح الطرق والممرات الآمنة لعبور الجماعات الجهادية إلى سورية، بخاصة عبر العراق، حيث كانت تتمركز مجموعات (القاعدة) التي شارك النظام في صنعها وتدريبها وتسليحها، طوال سنوات المحنة العراقية، ليعيد إحياءها وإنتاجها من جديد في سورية.

لا يغفل العالم عن حقيقة الكذب والتضليل المتعمد الذي يمارسه نظام الأسد. أضحى القتل اليومي مجرد حدث عادي في نشرات الأخبار، وقد لا تتضمن النشرات اليومية الخاصة بصنّاع القرار في العالم المذابحَ التي تُرتكب بحق المدنيين، والسجون التي تشهد اعتقال عشرات الآلاف من المدنيين المناهضين للديكتاتورية، والتعذيب الذي يطالهم حتى الموت. ويقف في حال أشبه بالعجز، حتى عن القيام بدور إنساني في إغاثة المدنيين المحاصرين، منذ ست سنوات في الغوطة وغيرها، حيث يستخدم النظام سلاح التجويع من أجل التركيع.

كان الأسد المجرم قد وصف السوريين المطالبين بالحرية، بأنهم “جراثيم”، يجب تطهير المجتمع منهم. وهو يفعل ذلك بالقتل اليومي وباستخدام الكيمياوي، على خطى هتلر، لكنه لم يحظى بإدانته كمجرم حرب. يذكرنا ذلك بوصف القذافي لشعبه بـ “الجرذان” حتى تم القبض عليه في مجرى مائي. لكن الأسد اليوم، الذي وصفته الصحافة الروسية بذنب الكلب، يحظى بداعمين يسوقون أفكارًا وصورًا مضللة، فمواطنو الغوطة ليسوا سوى “قمل وجرذان”، وما يُبث من صور وأشرطة، ليست سوى فبركات، أو أنها صور لضحايا الحروب في العراق، أو ليبيا، أو أي مكان آخر باستثناء سورية. ويروج البعض تسجيلًا لاستعراض عسكري لـ “جيش الإسلام” قبل سنوات، بأنه جيش للقاعدة، ومهمة النظام أن يتصدى له في الغوطة الشرقية.

لكن ثمة الكثير من الوقائع والأخطاء التي ارتكبت باسم الثورة السورية، تنال منها اليوم بقسوة كبيرة. هذا التشويه والتضليل المتعمد لا يقلّ بشاعة عن الجرائم ذاتها؛ لأنها تبرر للمجرم مذابحه، وتشرعن سياسات القتل الممنهج بحق السوريين، منذ 2011 حتى اليوم. الصمت هو جريمة أخرى، يشارك فيها العالم كله، في تحمل مسؤولية السماح بارتكاب جرائم لم يسبق لها مثيل، بحجم الكوارث الناجمة عن غض الطرف عن ارتكاب جرائم غير مسبوقة من حيث عدد الضحايا، والدمار المهول، والكذب الذي يشكل رافعة لإبادة جماعية منظمة. ونحن أيضًا، نتحمل مسؤولية عجزنا عن تقديم قضيتنا، بالصورة التي تعيد للثورة ألقها، وسط الخيبات المريرة.

مقالات ذات صلة

إغلاق