مقالات الرأي

الشرعية القانونية والأجندات السياسية حول الغوطة

 

هناك 28 قرارًا بين قرار دولي ومشروع قرار حول سورية، استخدم الروس (الفيتو) 11 مرة، ومرروا 17 منها، لكن جميع تلك القرارات الدولية لم تأت تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، باستثناء قرارين هما القرار 2118 الصادر عام 2013 بخصوص السلاح الكيمياوي، فكما ورد في المادة 21 منه “يقرر، في حالة عدم الامتثال لهذا القرار، بما يشمل نقل الأسلحة الكيميائية دون إذن، أو استخدام أي أحد للأسلحة الكيميائية في الجمهورية العربية السورية، أن يفرض تدابير بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة”، والقرار 2209 لعام 2015 الذي يتعلق بالاستخدام الواسع لغاز الكلور في سورية في الهجمات ضد المدنيين.

جاء القرار 2118 تحت الفصل السابع، لأنه غير مرتبط بالداخل السوري بقدر ارتباطه بالوضع الإقليمي وتحديدًا “إسرائيل”، فيما جاء في الفقرة السابعة من القرار 2209 أن مجلس الأمن، في حال عدم الامتثال للقرار 2118 في المستقبل، سيفرض تدابير بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

مع ذلك، فإن هذين القرارين اللذين جاءا تحت الفصل السابع لا يُشرعنا استخدام القوة، لأنهما لم يعتمدا الفقرة 42 من هذا الفصل التي تنص على أنه “إذا رأى مجلس الأمن أن التدابير المنصوص عليها في المادة 41 لا تفي بالغرض، أو ثبت أنها لم تف به؛ جاز له أن يتخذ بطريق القوات الجوية والبحرية والبرية من الأعمال ما يلزم لحفظ السلم والأمن الدولي أو لإعادته إلى نصابه”.

بعبارة أخرى: إن جميع القرارات الدولية، ومنها القرار الأخير 2401، لا تمتلك أدوات إكراه لتنفيذ مقررات الشرعية الدولية بقوة القانون الدولي، فضلًا عن أن نصوصها جاءت في كثير من الأحيان غامضة وحمالة أوجه، كما هو حال القرار الدولي الأخير.

لقد أدت هذه القرارات عن قصد بفعل التفاهمات الدولية إلى عملية قلب قانوني للمفهوم الحقوقي للقوة، فبدلًا من أن تردع هذه القرارات النظام السوري، سمحت له، بفعل التناقضات البنيوية فيها، بالاستمرار في العمل العسكري، وكأنها نوع من شرعنة القتل.

هكذا اعتمدت روسيا والنظام على الفقرة الأولى من القرار الدولي 2401، لشن عملية عسكرية في الغوطة الشرقية، بعد ساعات من صدور القرار من مجلس الأمن: “يُطالب مجلس الأمن جميع الأطراف بوقف الأعمال العدائية دون إبطاء، وأن تشترك فورًا في كفالة التنفيذ الكامل والشامل لهذا الطلب جميع الأطراف، من أجل وقف إنساني دائم لمدة لا تقل عن ثلاثين يومًا متتالية، في جميع أنحاء سورية”.

كما أن الفقرة الثانية من القرار الدولي تشرعن العملية العسكرية للنظام، بطريقة أو بأخرى: “يؤكد مجلس الأمن أن وقف الأعمال العدائية لا ينطبق على العمليات العسكرية ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، و(القاعدة)، و(جبهة النصرة)، وجميع الجماعات الأخرى، والمشاريع والكيانات المرتبطة بـ (القاعدة) أو (داعش)، وغيرها من الجماعات الإرهابية، كما حددها مجلس الأمن”.

إن هذه الفقرة تمنح القوات الروسية والسورية الغطاء القانوني والسياسي للاستمرار في العمليات العسكرية، وستصبح مسألة تحديد تموضع الحركات الإرهابية على الأرض خاضعة لاعتبارات سياسية. وفضلًا عن ذلك، تبدو هذه الفقرة موضوعة لخدمة الولايات المتحدة أكثر من الروس، فهي تشرعن التواجد الأميركي في سورية، تحت عنوان محاربة التنظيمات الإرهابية المتنوعة والمنتشرة في جميع أنحاء البلاد، وإن كانت بأعداد قليلة، وهذا أمر مهم بالنسبة إلى واشنطن.

بعبارة أخرى: تقوم الولايات المتحدة وروسيا بشرعنة أدوارهما في سورية، عبر بوابة القرارات الدولية، والعبارات المبهمة والفضفاضة حمالة الأوجه مكتوبة بعناية فائقة، لترك هوامش لهما من أجل التحرك بشكل منفرد.

مع كل ذلك، فإن القرار 2401 يشكل سندًا قانونيًا مهمًا، وإن كان على المستوى النظري، فبموجبه تم تحقيق أمرين: الأول أن العملية العسكرية لروسيا والنظام السوري في الغوطة الشرقية تأتي بعيد صدور القرار، أي أن العملية العسكرية لن تكون ذات زمن مفتوح وإنما محدد، على الرغم من صعوبة تحديد المدة الزمنية القصيرة. والثاني أن القرار أسقط بندًا مهمًا من اتفاق أستانا المتعلق بالغوطة الشرقية التي أصبحت منذ صدور القرار 2401 خاضعة لمجلس الأمن، وليس للثلاثي الضامن لأستانا، وهذا الأمر سيفرض على روسيا التزامات معينة، ولو بعد حين.

مع ذلك، لا يمكن النظر إلى القرارات الدولية من المنظار الحقوقي فقط، فمعظم القرارات الدولية في العالم تحمل في أجندتها أبعادًا سياسية واقتصادية، في حين يبقى البعد الإنساني فيها خافتًا، كما حدث في كثير من بلدان العالم، وخصوصًا البلدان العربية (العراق، سورية، ليبيا، اليمن).

أحيانًا، يكون التدخل الإنساني غطاءً لأهداف فوق إنسانية، كما جرى خلال اليومين الماضيين، حين قدمت روسيا مشروع بيان رئاسي خاص بسورية إلى مجلس الأمن بهدف الحصول على غطاء دولي، من أجل تأمين ممرات إنسانية لإجلاء مدنيي الغوطة الشرقية، وهو في الحقيقة محاولة روسية لتطهير المنطقة من سكانها، ومقدمة لإجراء تغيير ديموغرافي.

مقالات ذات صلة

إغلاق