مقالات الرأي

من أجل عمل نوعي في السياسة

 

هذه الدعوة ليست موجّهة إلى الساسة التقليديين وأمراء الحرب وأصحاب المصالح في استمرار الخراب، إنما لعقلاء سورية الذين التزموا بالموقف الأخلاقي تجاه معاناة الشعب السوري كله، ولم يمنعهم غبار الحرب من النظر بعيدًا نحو المستقبل، من أجل إحداث فرقٍ سياسي وحضاري في الواقع السوري المرير. إنهم الوطنيون السوريون الذين لا مصلحة لهم، بخلاف جميع القوى الأخرى المرتبطة بجهاتٍ إقليمية ودولية، إلا بقيامة سورية من بين الأنقاض المادية والسياسية المسيطرة على المشهد منذ سنوات، وهذا ما يضع جميع التشكيلات الحالية خارج السياق المطلوب، للأسف.

أكثر ما يُقلق أصحاب النفوذ في سورية والقوى المتصارعة على الأرض هو ظهور مثل هذا “البرعم” السوري، الذي سيعطي المزيد من الأمل بوطنٍ، يمكن الاستمرار في العيش فيه أو العودة إليه، ويضع حدًا لانتهاكات الداخل والخارج. يأخذ الصوت الوطني السوري مبرر وجوده، من عقم الخيارات السياسية لطرفي الصراع في سورية، ويعتبر صوتًا إنقاذيًا يمكن أن يصدر عن فريق يأخذ هيئة حزب أو تجمع، لم تلوثه الممارسات السابقة، ولم يجيِّره طرف إقليمي أو دولي، فيكون كخميرة تحرض وتستثير المزيد من الأفعال والمشاعر. الفرز هنا بين من يقف إلى جانب الاستبداد، أي استبداد، ومن يؤمن بالديمقراطية وما ينبثق عنها، طريقًا لا رجعة عنها لسورية، قبل أن تتعمق الحدود على الأرض، وفي القلوب أيضًا.

إن خروج مثل هذا الحزب أو التجمع إلى المشهد السياسي والإعلامي، على نحو منظّم، بات في غاية الأهمية لاستعادة الأمل، من خلال التعبير عن المشتركات التي تجمع السوريين ولا تفرق بينهم، بعيدًا عن استقطاب الحاصل في المشهد السوري. في هذا الكيان منزوع الاستبداد والمستبدين، يمكن إجراء قراءة محايدة للواقع وتحليل المعلومات واستخدام المعرفة ككاشف للحقائق الموضوعية؛ بهدف الخروج من حيز العطالة إلى حيز الفعل.

لقد آن الأوان للمراجعة، بعد تجربة السنوات السبع التي كانت سبعة أشهر منها كافية لوأد حلم الحرية وإبعاده عن الواجهة، أو مسخه على قياس مستبدين جدد مثّلوا ثورةً مضادة مكتملة الأوصاف؛ فانطوى الحلم في أفئدة من آمنوا به وعملوا وضحوا من أجله، لأنهم لا يريدون التماهي مع الضواري المتقاتلة على الغنائم. سبع سنوات انقضت، وقضى فيها مئات آلاف السوريين، لكنها لم تنتج مشروعًا سياسيًا لسورية، يمكن أن يجد فيه الناس الرجاء، وذهبت كل المؤتمرات والاجتماعات والبيانات أدراج الرياح. حتى الجهود الدولية، على اختلافها، بدأت تلفظ أنفاسها الأخيرة أو تكاد، ولم تؤسس مؤتمرات جنيف 1، وجنيف 2، وأستانا، وسوتشي، لحالة ثابتة يبنى عليها، فكانت مجرد لعبة بين المتنافسين الذين انشغلوا بشد الحبال كلّ إلى طرفه.

وعلى الرغم من فداحة المصاب، ما زالت قوى الأمر الواقع تدفع في الاتجاه الذي أتت منه كل المصائب: الاستبداد بشقيه، الجديد والمتوارث، كل على حدة أو بالتضامن القاتل بينهما، فيما لم يتبلور الاتجاه النقيض بعدُ، المتمثل ببرنامج سياسي يتجاوز الحالتين، ويؤسس لمستقبل يقطع مع ثقافتهما، مع العلم أن غمامة الحرب ما زالت تقنّع الكثير من المحاولات والمواقف والآراء التي تصبّ في هذا الاتجاه، ولا بدّ أن تتجلّى، ما إن يصبح بالإمكان التعبير عنها بحرية ومسؤولية.

بالنسبة إلى خيارات النظام، ليس ثمة شيء جديد، ولن يكون، فهو يأمل بإعادة إنتاج نفسه على الأسس التي كانت وراء “انفجار” المجتمع السوري؛ أي احتكار السياسة والتحالف مع المؤسسات الدينية التقليدية، بمظهرٍ علماني وبنية رجعية، لكن بنسخة محدّثة ومطعّمة بالمزيد من هذا التوجُّه؛ ما يضع ألغامًا جديدة في طريق نهوض المجتمع وتعافيه. هذه الصيغة، التي أصبحت مرفوضة من قبل أنصار النظام قبل معارضيه، تمثل قنبلة موقوتة ستنفجر، عاجلًا أم آجلًا، ولا تستطيع عوامل التحكم الخارجية فعل الكثير، في ما يتعلق بضبط هذا العامل الداخلي المدمِّر.

أما بالنسبة إلى المشروع السياس المقابل، الإسلامي اللاديمقراطي، فإنه فَقَد رونقه وجاذبيته، خلال السنوات الأخيرة، كبديل محتمل، وخاب أمل من وجدوا فيه حليفًا ضد النظام، وقد تكشَّف عداؤه للحرية والحداثة، على حد سواء، ما يجعله، في أفضل الأحوال، بديلًا لا يمكن الركون إليه أو القبول به، على كافة مستويات السياسة. وحتى لو حقق هذا المشروع بعض المكتسبات الناجمة عن استغلاله لمشاعر البسطاء في ظروف ملتبسة، فلا بدّ أن يستجرّ، عاجلًا أم آجلًا، وصفته الجاهزة في بلداننا؛ الانقلابات العسكرية، ولنا في “السيسية” مثال جلي، حيث اختار الناس أهون الشرَّين، مقدمين حريتهم للعسكر على طبقٍ من ذهب.

ومع أنّ الأمل ضئيل حاليًا، إن كان المقصود هو الوصول بسورية إلى نظام ديمقراطي علماني حديث، فإن مراجعة تجارب البلدان التي مرت بمحنٍ وخرجت منها بصعوبة ولكن بثبات، تبيّن أنها اختارت طريقًا نقيضًا لما كانت عليه الحال، وهذا ما يفترض أن ينطبق على بلادنا أيضًا، إذا وُجد الحامل السياسي المطلوب. مثل هذه الطريق يجب أن نسلك، وهي شرط الخلاص النهائي، بديلًا عن دوامة الحروب والهُدن الخادعة.

حتى لو اجتمعت الإرادة الدولية على فرض حلّ سياسي ديمقراطي في بلدنا، وهذا أمر مستبعد في المدى المنظور، فإن الحامل الأساس لهذا البناء السياسي الخارجي يجب أن ينمو في أرض الداخل، ويأخذ زمام المبادرة بأسرع وقت، وذلك بالتوازي مع تعزيز البناء الدستوري والمؤسساتي، فيساهم في قطع الطريق على فكرة الاستبداد المعشعشة في تاريخنا وثقافتنا.

شيئًا فشيئًا؛ يتزايد إدراك الكثيرين لمتلازمة الاستبداد والفساد، وتنمو فكرة الدولة الحيادية ومؤسساتها وقوانينها، كضمانة وحامية لحقوق الجميع، ولم يبقَ غير تلمُّس البديل، وهو ما علينا المساعدة في تجسيده وتعبيد مساره. قد لا تكون الظروف مثالية الآن، لكن يمكن إيجاد الحيز المطلوب للبدء بقوة.

مقالات ذات صلة

إغلاق