استراتيجية النظام السوري: البربرية وكسب الوقت

علينا أن نتذكر أن نظام زين العابدين بن علي في تونس سقط خلال 27 يومًا، من التظاهر السلمي في الشوارع والساحات التونسية، من 17/ 12/ 2010 إلى 14/ 1/ 2011، وأن نظام حسني مبارك في مصر سقط خلال 18 يومًا، من التظاهر في الشوارع المصرية والاعتصام في ساحة التحرير وسط العاصمة القاهرة، من 25/ 1/ 2011 إلى 11/ 2/ 2011، وعليه؛ يمكن أن نفهم ونعي استراتيجية النظام السوري، منذ اليوم الأول لانطلاقة الثورة السورية في 18/ 3/ 2011، والقائمة على ممارسة أقصى حالات العنف البربري مع استراتيجية الاستفادة من عامل الوقت وكسب الوقت. وهنا علينا أن نتذكر دعوة النظام، بهدف كسب الوقت والمماطلة، إلى مؤتمر للحوار الوطني بتاريخ 10/ 7/ 2011 برئاسة نائب الرئيس فاروق الشرع، في مجمع صحارى قرب دمشق، من دون موافقته على شرط المعارضة بإيقاف العنف والقتل الذي كان يمارسه بحق المتظاهرين السلميين في الشوارع السورية، بشكل يومي على مدار الساعة، كشرط لحضور المؤتمر، وكشرط للحوار الجدي الحقيقي الذي يمكن أن يصل إلى نتيجة، كما علينا أن نتذكر مراوغة النظام والشروط التي وضعها من أجل الموافقة على استقبال لجنة تقصي الحقائق التي قررت إرسالها جامعة الدول العربية إلى سورية، أواخر عام 2011، وسعي النظام لإطالة المفاوضات من أجل الاتفاق على القضايا البروتوكولية، مثل مكان إقامة اللجنة والجهة المسؤولة عن حمايتها والطرق التي ستسلكها في سورية والمناطق التي ستزورها والجهة التي تمولها… إلخ من القضايا التفصيلية، التي كان الهدف من طرحها إطالة زمن المفاوضات إلى أطول مدة ممكنة، وهو الأمر الذي أخّرَ عمل وقدوم اللجنة إلى سورية، نحو شهر ونصف، من 2/ 11/ 2011 إلى 22/ 12/ 2011، ثم بعد ذلك اتبع النظام السوري سياسة المراوغة، عند دراسته لمبادرة الجامعة العربية بتاريخ 22/ 1/ 2012 لحل الأزمة السورية سياسيًا، على طريقة المبادرة الخليجية لحل الأزمة اليمنية، والتي كان كل ذي عقل بالعالم يعلم أن النظام سيرفضها من اليوم الأول، ولكنه راوغ في دراستها والتفاوض عليها، وكسب الوقت بحجة دراستها، وهنا نتذكر كلنا الجولات التفاوضية، بين الجامعة العربية وبين ممثلي النظام من وزير خارجيته ومندوبه في الجامعة العربية، والجولات المكوكية بين القاهرة والدوحة. لقد كان النظام في كل ذلك يلعب على كسب الوقت، وكأنه ينتظر حصول شيء ما، فما هو الشيء الذي كان ينتظره النظام؟ وما هي الطبقات العميقة لاستراتيجية النظام، إن كان في كسب الوقت أو في ممارسته لأقصى حالات العنف البربري ضد شعبه؟ لقد كان يهدف النظام من ذلك كله إلى:

أولًا: الرهان على إعادة السوريين إلى بيت الطاعة، من خلال إخافتهم من عصا القمع البربري، ومن خلال استنزاف واستنفاد المخزون النضالي للشعب السوري مع الزمن، وقد تكشف للنظام، كما للعالم أجمع، فيما بعد أنه مخزون أسطوري لا ينضب، وأنه مخزون غير مسبوق في التاريخ البشري.

ثانيًا: في حال فشل الرهان الأول؛ فقد كان النظام يهدف إلى خلق وتوليد سياق طويل من المظلومية والعسف والبربرية لتوليد العنف المقابل، وبما يعني دفع الحراك الثوري والثورة إلى خندق العسكرة.

ثالثًا: إعطاء فرصة ومساحة من الوقت للحركات الجهادية الإسلامية المتطرفة، كي تتوافد إلى الأراضي السورية، وإعطاء فرصة وزمن للداعمين الإقليميين والدوليين كي يمدوا بالسلاح هذه الحركات، وهو الأمر الذي يوفر للنظام الدليل العياني، لكذبته التي ألصقها بالثورة منذ اليوم الأول، ونقصد تهمة “الإرهاب” التي ألصقها النظام بالثورة والحراك الثوري في سورية، كما يعطي للنظام دليلًا لكذبته بأنَّ ما يحصل في سورية كان محض مؤامرة كونية رجعية إمبريالية، وهنا يمكن أن نضيف أمرًا آخر.

رابعًا: إن سياسة كسب الوقت كانت ضرورية للنظام، ليأخذ فرصة ووقتًا ومساحة لدبلوماسية النظام، كي تعقد الصفقات وترسل الرسائل إلى الدول المؤثرة في قرار المنطقة (وحيث تشكل سورية قلب المنطقة العربية)، ونقصد هنا “إسرائيل” وأميركا تحديدًا، وهنا كلنا يتذكر الرسائل التي كان يرسلها النظام إلى “إسرائيل”، حول مكانة وموقع ووظيفة النظام في حماية أمن “إسرائيل”، ونشير هنا إلى التصريح الصحفي لرامي مخلوف ابن خال الرئيس، وأحد أفراد المافيا الحاكمة في سورية، لإحدى الصحف الأميركية، في الأيام الأولى من انطلاق الثورة السورية، حين بعث فيها برسالة تقول “إن أمن إسرائيل هو من أمن النظام”. كما أن سياسة كسب الوقت أعطت فرصة للنظام ليطرح مسألة بيع سورية في السوق السوداء السياسية الدولية، مقابل الحفاظ على رأس النظام من السقوط، وهو الأمر الذي أثار لعاب الكثير من الدول الإقليمية والدولية، بدءًا بـ “إسرائيل” وأميركا، وصولًا إلى روسيا بوتين صاحب الشهوة للإمبراطورية القيصرية، والذي اندفع بقوة للاستثمار في نظام الأسد ورأس الأسد، وشراء ما يحتاج إليه (بالتنسيق مع من قاد المزاد في هذه السوق، ونعني هنا التنسيق مع الإسرائيليين والأميركيين) من طموحات، إن كان في سورية أو في المنطقة العربية بشكل عام. وفي هذا السياق، يمكن أن نتذكر كيف أن عدم سقوط النظام السريع، للأسباب التي سنذكرها في السطور التالية، أتاح له إيجاد شايلوك الروسي (بوتين)، حيث عقد معه صفقة، تم بموجبها ضمان الفيتو الروسي في مجلس الأمن الدولي، والذي كان يعني عمليًا على أرض الواقع إعطاء فرصة ومساحة كبيرة من الوقت للنظام، للاستمرار في الإيغال في الدم السوري، كما يشاء وحيثما يشاء، مقابل إعطاء روسيا بوتين ما تريده من مصالح وموقع، يلبي شهوات وطموحات بوتين في تنصيب نفسه قطبًا دوليًا، وقيصرًا جديدًا على الروس وعلى محيط روسيا الجيوسياسي.

وإذا كان رهان النظام على عودة السوريين إلى بيت الطاعة الأسدي قد فشل فشلًا ذريعًا؛ فإن الرهان الثاني والثالث والرابع قد تحقق، كما كان يحلم ويخطط النظام، بل حتى حصل على نتائج تفوق ما توقعه هو ذاته. وقد نجحت استراتيجية النظام في الاعتماد على أقصى حالات القمع البربري، مع استراتيجية الاستفادة من عامل الوقت للأسباب التالية:

أولًا: خيانة البرجوازية السورية للثورة، وهنا نشير تحديدًا إلى طبقة كبار رجال المال والدين، في مدينتي حلب ودمشق عاصمتي سورية الاقتصادية والسياسية، وهو الأمر الذي أخّرَ الحراك الثوري في أهم مدينتين في سورية (من ناحية المكانة وعدد السكان)، كما أن ذلك منح للنظام وقتًا للمناورة وكسب الوقت، ومنع السقوط المفاجئ والسريع للنظام، وهنا من المهم أن نضيف إلى ذلك عاملًا، لا يقلّ أهمية عن العامل السابق، وهو امتلاك النظام فائضًا من القوة توفر للنظام، من خلال العصبية الطائفية التي وقفت إلى جانبه، مع الجيش الذي تم بناؤه بالأساس لحماية النظام وتحديدًا رأس النظام، وهو الأمر الذي لم يتوفر لنظام بن علي في تونس، أو نظام مبارك في مصر.

ثانيًا: خبرة وعلاقة النظام التاريخية مع الحركات الجهادية الإسلامية المتطرفة والإرهابية، ونعني هنا علاقة النظام التاريخية مع الجهاديين في العراق، والجهاديين الذين كانوا في سجونه، والذين تم إطلاق سراحهم قصدًا، وأصبحوا فيما بعد من أشهر قادة الفصائل الإسلامية الجهادية المعارضة للنظام، وهنا علينا أن نعترف بأن النظام كان تقديره صحيحًا لسياسة وأهداف الدول الإقليمية التي ستندفع سريعًا، لتحويل الربيع السوري كما العربي إلى ربيع إسلامي، وهو الأمر الذي كان يريده وينتظره النظام بفارغ الصبر.

ثالثًا: اعتماد النظام استراتيجية البقاء في مراكز المدن والسيطرة عليها، كون السيطرة عليها تمثل رمزًا للسيطرة الإدارية والسيادية الرمزية والمعنوية على الجغرافيا السورية، كما أن ذلك يحد من خطر الحركات الجهادية الاستراتيجي؛ إذا قُدّمَ لها دعم إقليمي ودولي فعال.

رابعًا: استراتيجية الانسحاب من الأطراف، لإعطاء فرصة للحركات الجهادية للسيطرة على الأطراف، وبما يعني سيطرتها على الحراك المدني السوري السلمي، كون الأطراف في سورية شكلت مركز ثقل الحراك والثورة السورية، فبهذه السياسة، وضع النظام الحراك والثورة مباشرةً تحت رحمة ونفوذ الحركات العسكرية الإسلامية الجهادية، وهذا ما تحقق على المدى الطويل، وهو الهدف الأساس والعميق لاستراتيجية النظام التي اعتمدها في كسب الوقت.

خامسًا: لقد قادت استراتيجية النظام، في التمترس والتمركز في المدن والتخلي عن الأطراف، إلى عزل الحراك الثوري والثورة في الأطراف، عن عمقها الاستراتيجي البشري والمدني والثقافي والتعددي، وهو الأمر الذي قاد من جهة أولى إلى حصر الثورة في المناطق الأكثر فقرًا والأكثر تهميشًا والأقل ثقافة، داخل المجتمع السوري، ولا سيّما بعد ملاحقة النظام للنخب السياسية والثقافية الناشطة في الحراك الثوري، من أبناء هذه المناطق، والذين كان مصيرهم إما الموت والتصفية في سجون النظام، أو في ساحات وشوارع التظاهر، أو الفرار إلى خارج البلاد، وهو ما أدى إلى ترك هذه المناطق تعيش حالة فقر ثقافي، قياسًا بالمناطق المدنية التي تشكل الحاضن والوعاء البشري الذي يتم من خلاله نقل المعارف والثقافات، والتعرف على كل الهويات والانتماءات التي تشكل النسيج الاجتماعي السوري، وهنا وجدت الفصائل الإسلامية التي سيطرت على هذه الأرياف، بيئة ثقافية بسيطة، من السهل تجييرها وابتلاعها بثقافة الإسلام السياسي الجهادي، مستغلةً في ذلك، ليس قلة الثقافة والوعي فحسب، بل المظلومية غير المسبوقة التي يمارسها، على مدار الساعة بشكل ممنهج، نظامٌ بربريٌ، له مصلحة في دفع سكان الأطراف الثائرة إلى حضن الحركات الإسلامية الجهادية. ومن جهة ثانية، قادت استراتيجية فصل الأطراف عن المدن، إلى استفراد النظام بسكان المدن، أو لنقل المناطق التي يسيطر عليها، والذي قاد مع مرور الوقت إلى إعادة بناء جدار الخوف من جديد، في المناطق التي يفرض سيطرته عليها؛ الأمر الذي انعكس في موت ونهاية الحراك السلمي المدني في كل المناطق الخاضعة لسيطرة النظام. وهنا يمكن القول إن النظام كان يعمل بسياسة واستراتيجية أهون الشرّين:

أولًا: العمل على عسكرة الثورة هو شر أقل على النظام، من شر بقاء الثورة سلمية مدنية، تقودها نخب سياسية وثقافية تؤمن بالديمقراطية ومبادئ وقيم الثورة الديمقراطية، فهنا لا يملك النظام أي ذريعة ومبرر وحجة وغطاء، لاستخدام العنف البربري الممنهج إلى ما لا نهاية من الزمن.

ثانيًا: كما أن العمل على تسليم الثورة في الأطراف للإسلام السياسي الجهادي هو شر أهون على النظام، من شر استلام قيادة الثورة والعمل العسكري في هذه الأطراف من قبل الجيش الحر، فتسليم المناطق الطرفية للحركات الجهادية (علينا أن نعي أن الكثير من المناطق العسكرية في الأطراف تم تسليمها إلى المجموعات العسكرية الجهادية عن سابق إصرار وتصميم من قبل النظام) هو شر أقل على النظام، من شر سيطرة الجيش الحر على هذه المناطق؛ إذ إن سيطرة الحركات الإسلامية الجهادية كانت تعطي للنظام حجة وذريعة لممارسة أقصى حالات العنف البربري الممنهج، بحق سكان المناطق الثائرة والخارجة عن سيطرته، من خلال كل ما يملك من قوة وأسلحة ثقيلة، بدءًا بالدبابات وصولًا إلى الطائرات والصواريخ المدمرة للمدن بحجة محاربة الإرهاب. ولقد كانت حصيلة استراتيجية النظام القائمة على ممارسة أقصى حالات البربرية مع كسب الوقت، إضافة إلى  الدمار والموت الذي لحق بالسوريين، أن النظام قد حصل على عدة أمور: أولًا سيطرة (تنظيم الدولة الإسلامية/ داعش) مع (جبهة النصرة) على أغلب ومعظم المناطق والأراضي السورية الخارجة عن سيطرة النظام، وثانيًا: إلصاق تهمة الإرهاب بالثورة، وذلك ليس بمساعدة حلفائه من إيرانيين وروس وعراقيين وغيرهم فحسب، بل بالاشتراك مع من ادّعى صداقة المعارضة والثورة السورية، وأقصد هنا الولايات المتحدة الأميركية التي وضعت على سلّم أولوياتها في سورية مهمة محاربة الإرهاب، بعد أن كانت في السنوات الأولى للثورة تدّعي أن من أهم أولوياتها ضرورة تنحّي الأسد عن السلطة، وثالثًا: قطفَ النظام ثمار سياسة الحصار والتجويع والقتل الذي مارسه بحق المدن الثائرة والخارجة عن سيطرته، من خلال سياسة ما أُطلق عليه بالمصالحات، والتي لم تكن في جوهرها غير فرض الاستسلام على المدن الثائرة، من خلال تهجير سكانها الأصليين من بيوتهم وأرضهم، وسيطرة النظام وميليشياته عليها.

وبدءًا من أيلول/ سبتمبر عام 2015، ومع الحملة العسكرية الروسية على سورية، وتحديدًا على المناطق التي لا تقع تحت سيطرة (داعش) أو (جبهة النصرة)، وهي الحملة التي ما كان لها أن تكون، لولا التواطؤ والموافقة الأميركية على مجرياتها ومخرجاتها؛ بدأت مرحلة جديدة من استراتيجية النظام، في ممارسة أقصى الأعمال البربرية مع كسب الوقت، ولكن هذه المرة من خلال العصا الروسية والإيرانية بشكل أساسي، مع صمت وتواطؤ المجتمع الدولي، بهدف دحرجة المعارضة السورية نحو الاستسلام، فكان أن بدأت سلسلة من المفاوضات والمؤتمرات، بالتوازي مع الانتصارات العسكرية التي يحققها النظام على الأرض. فكان أول هذه المؤتمرات، بعد شهرين من الحملة الروسية على سورية، في فيينا النمساوية بتاريخ 14/ 11/ 2015، حيث شكلت قراراته أول انقلاب على مقرارات مؤتمر جنيف الأول، ثم توالت بعد ذلك سلسلة مؤتمرات جنيف وأستانا، التي لم يكن لها من هدف سوى دحرجة المعارضة السورية، شيئًا فشيئًا، نحو الاستسلام، بالتزامن والتوازي مع الدحرجة العسكرية التي كان يكسب فيها النظام، يومًا بعد يوم، الأراضي والمناطق التي كانت خارجة من تحت سيطرته، كما تهدف إلى تفريغ القضية السورية من مضمونها الحقيقي، بوصفها قضية شعب يريد التخلص من نظام مجرم وفاسد، وأخيرًا كان مؤتمر سوتشي المشؤوم الذي عُقِدَ في بداية هذا العام، والذي سيكون -باعتقادي- مع ما سيليه من مؤتمرات وجولات تفاوضية، محطة أساسية، سيتم من خلالها غربلة المعارضة السورية؛ وصولًا إلى شكل من المعارضة المستسلمة والعميلة الصالحة للحل الذي يبقي الأسد في السلطة، ويحافظ في الوقت نفسه على مصالح كل الدول الإقليمية والدولية التي نالت حصة من الكعكة السورية.

أخيرًا، إذا كانت هذه استراتيجية النظام، منذ سبعة أعوام؛ فما هي استراتيجية المعارضة الرسمية بشكل خاص، واستراتيجيتنا نحن -السوريين المعارضين- بشكل عام؟ هل نأخذ دور المتفرج أو المؤيد للدحرجة السياسية للمعارضة السورية نحو الاستسلام، كما وقف الكثيرون من قبل متفرجين أو مؤيدين لدحرجة الثورة نحو الأسلمة، بكل أشكالها وألوانها؟ أم نستطيع أن نفعل شيئًا، ولو لنسجله في دفتر التاريخ على الأقل؟!

1 عدد الردود

التعليقات مغلقة