كلمات الغضب

“سيبقى الطفل في صدري يعاديكم، تشتتنا على يدكم، فتبّت كل أيديكم، تبّت كل أيديكم….”.

كلماتُ غضبٍ كُتبت من غوطة الشام، عشية الذكرى السابعة للثورة السورية، قبل تحوّلها إلى مقتلة، وعشية بدء عمليات التهجير لأهاليها، أو لمن بقي منهم على قيد الحياة، على إثر أسابيع من التدمير الشامل، بمختلف صنوف الأسلحة المحرّمة دوليًا. كلمات ألمٍ تنقل مشاعر حقيقة لمن تخلى عنهم العالم كله: مجتمعاته ودوله وأديانه وأيديولوجياته.

كلماتُ غضبٍ موجهة أساسًا إلى قاتلي الحياة وكارهي الحرية، دون تحديد الهويات والانتماءات. فبعد سبع سنوات من اغتصاب ثورة شعبية من أطراف متنوعة، وإصابتها بكل أنواع الكوارث؛ صار الكلام عن المسؤوليات ضربًا من العبث، ولو أن بعض الأصوات النشاز، عربيًا ودوليًا، المصابة بأمراض نفسية وأخلاقية متشابكة، ما زالت تتساءل عن مكونات المشهد الاجتماعي وتعقيدات المشهد السياسي، وأسباب العنف الدموي ومآلات شخوصه!

كلماتُ غضبٍ ما فتئت تنهمر من الغوطة، بمقدار ما تنهمر عليها قذائف الراجمات وبراميل الطيران وصواريخ الفوسفور وقنابل النابالم. كلماتٌ تبحث عن صدى لها أو عن تفاعل معها أو عن نشر وتقاسم لمعانيها. حتى يكاد يخال المتلقي أنه يصنع شيئًا عظيمًا، بإيصالها إلى الإعلام، سواء بلغتها الأم أم مترجمة إلى اللغات الحية الأخرى. بموازاة هذا الفعل “الترويجي”، هناك شعور عارم بالعجز القاتل، وكأنه الموت المُعاش دون الموت، يُرافق هذا العجز مُحاولات صراخٍ صامتٍ في زوايا غرفةٍ، لا زوايا لها ولا أبعاد، تشبه الصالة البيضاء مبطّنة الجدران التي يضعون فيها أصحاب المشاكل النفسية في الأفلام السينمائية.

صار الإحساس مؤجّلًا، في أثناء النهار المشغول، ليتحوّل إلى كوابيس في أتون الليل المسكون؛ فالنهار تمحور افتراضيًا حول تلقي الاستغاثات والنداءات، ومحاولة استيعابها والتعامل معها بعقلانية، بموازاة التأثر الذاتي، والسعي إلى تصنيفها. وصار أمرًا طبيعيًا أن تتم متابعة من بقي على قيد الحياة، بكل وجل وخوف، تحسّبًا للغيابات المتنامية. وأضحت النقطة الخضراء المضيئة إلى جانب الاسم مبعثًا لتفاؤل نسبي، بأن من هو معنا ما زال معنا. وصار غياب النقطة والاسم، أو تحولها إلى الرمادي، يُضفي على المتابع شيئًا من الرعب والترقب، وسرعان ما يتم إنكار توقعاته أو تأكيدها؛ حيث إن اسمًا آخر، ما يزال ضوءه الأخضر ينبض، سيُسرع ليعلمنا بحال الغائب. حالٌ غالبًا ما تكون مؤلمة بل مفجعة. فنتناوله بصيغة الماضي، ونتناقل صوره الأخيرة التي تحمل ابتسامته الطيبة. أو أننا، في تعذيبٍ ذاتيٍ متكرر، نسترجع حواراتنا الأخيرة معه أو حوارات الآخرين معه… ونذرف دمعًا افتراضيًا، ومن ثم نلتفت إلى نقاط ما زالت خضراء، نبحث من خلالها عن بصيص أمل، ونغرس صادقين في أصحابها دفقًا من التفاؤل الكاذب غالبًا.

هم يعرفون أننا نكذب، عندما نطمئنهم، أو نحاول ذلك مستندين إلى وهم، ونحن نعلم، من مواقعنا الجغرافية المختلفة، أن أمرهم تُرِكَ للشيطان من قبل الجميع، وأن أمرهم لم يعد يهم أحدًا، بصراحة وقحة، بعدما كان لا يهم أحدًا، بدبلوماسية خجولة. يصرخون كتابةً، وهم غير متوهمين، أن نوصل صوتهم إلى العالم، والعالم عنهم مشغول بما لذّ وطاب. يستصرخون ضمائر الإنسانية عارضين ضحاياهم، جوعهم، تشردّهم.. ولكنهم عبثًا يفعلون.

مقابل هذا الغضب وهذا الألم، نصطدم بجدران من الصمت الأصمّ. وأحيانًا، نتبارى في إظهار التضامن اللفظي والبصري، علّنا نبرر لأنفسنا عجزها، وفي أحسن الحالات، نقول بضع تعابير عاطفية، لا تروي ظمأ الحياة ولا عجز الإرادة ولا عقم الأداء. وفي أحسن الأحوال، نتصدّى لمن يُنكِر حقيقة الألم، ولمن يتبنّى روايات النازيين الجدد، محاولين أن نُقنع ذواتنا بأنهم لا يفعلون ذلك إلا عن حسن نية، وهم يسعون للبحث عن مصادر متعددة للخبر ومقاطعة المصادر، للوصول إلى الحقيقة أو جزء منها. وسرعان ما نكتشف أنه جهد ضائع، فلا يمكن للنكران أن يعدل عن نكرانه، لأنه مبني على شبكة معقدة المكونات، تمتزج فيها الديماغوجية الفكرية، مع المصلحة الذاتية، مع الزبائنية، مع الخوف المعشعش في الخلايا الدماغية، مع النفاق المساعد على النسيان، مع انعدام الأخلاق.

تشعر بأن من الأجدر بك أن تتوقف عن محاربة طواحين النكران والتشكيك والكذب، على الطريقة الدونكشوتية، إذ لا أمل في أن تصل، من هذا الطريق، إلى إقناع أو حتى وضع بذرة الشك في اليقين الذي تأسّس لدى من لم يشعر خلال سبع سنوات، لتجعله يشعر بشيء ما، يتحرك في خلاياه القلبية أو الدماغية. إنه جهد ضائع.

وفي البحث عن سلامٍ داخليٍ، يساعد على متابعة السعي نحو الإنصاف والعدالة، تتذكر قول الراحل الكبير عبد الرحمن منيف: إن “الذاكرة بالنسبة إلى الإنسان هي التجربة، وهي التي تمنع من الهزيمة”.

1 عدد الردود

التعليقات مغلقة