الانقسام في الثورة السورية

سنة أخرى جديدة، في عمر انتفاضة الحرية والكرامة، لم يُتح فيها للسوريين التقاط أنفاسهم، والنظر إلى موقع أقدامهم، أو إلى الأفق القريب؛ علّهم يستشرفون مستقبلًا كانوا –ولا يزالون– على موعد مع إشراقة الحرية فيه، بعد سنوات مريرة من الظلم القهر، ووطأة المستبد الذي أراد للظلمة أن تغشى قلوب السوريين، قبل أعينهم. موعد تأخر عامًا بعد آخر، فيما تتكاثر المحن وتتجذر الكوارث، وكأن أبناء هذه الأرض يستحقون أن تُطحن إرادتهم بالقوّة الغاشمة، بمقدار يوازي عظمة القيم التي يتوق إليها السوريون.

في مناسبة كهذه، يجدر بنا التوقف للمراجعة. ولكن كيف يمكننا ذلك، والسوريون مشغولون بما يستجد من أحداث يومية في بلادهم، ومشغولون أيضًا بتجذير الانقسامات فيما بينهم. هذا تمامًا ما يريده أعداء الثورة السورية، ويعملون من أجله بعناد وصبر كبيرين، إلى جانب مختلف وسائل القتل والتدمير. وخلال السنوات الأخيرة، جرت مراجعات كثيرة، حددت فيها الأخطاء التي حدثت، كما وضحت العثرات التي تحول، حتى الآن، ليس دون تحقيق مطالب الثورة الأساسية، في الحرية وزوال الاستبداد وأدواته، فحسب، بل في الوصول نحو وقف جزئي ومحدود للقتل والتدمير والتهجير اليومي.

ليست المعارضة وحدها مسؤولة عن هذا المآل المرير، لكن مسؤوليتها أساسية في ما يتصل بدورها، وبناء استراتيجياتها، خلال السنوات الماضية، وبخاصة في السنوات الثلاث الأولى، قبل أن تصبح سورية بلدًا مفتوحًا لكل التدخلات الإقليمية والدولية، ومرتعًا خصبًا للتنظيمات الظلامية، ونصبح خارج الحسابات، مجرد معارضة لا تملك شيئًا. ليس من الإجحاف قول ذلك، ولا من قبيل توجيه الاتهام، بمقدار ما هو واجب المساءلة، عن عدم ذهاب المعارضة إلى اتخاذ سياسات، تستعيد فيها القيم الأساسية لعملها، بتصويب الأخطاء، بالترفع عن الشخصنة والمصالح الضيقة للمجموعات والتنظيمات والأفراد داخل مؤسستي المعارضة: المجلس الوطني، ومن ثم الائتلاف. وكلاهما لم يستطع الخروج من شرنقة الأخطاء، والسعي بمسؤولية وحزم، للاحتكام إلى مبادئ الثورة والانتصار لها، بعيدًا عن التبعية المريرة لمصالح القوى المؤثرة في قرارها، بما قاد إلى تراجع مصلحة المعارضة، أمام مصالح الآخرين، قادت بصورة أو بأخرى إلى تراجع مكانة الثورة السورية، وإلى إضعاف الجهود التي تعمل على إبقائها في الواجهة: الحدث البوصلة، كما ينبغي.

لم تعد المعارضة السورية (كمؤسسات تمثيلية) اليوم قادرةً على فعل شيء؛ إذ إنها فقدت كل مقومات الاستمرار في عملها. وعلى الرغم من ذلك، لم يتخلّ مجتمع الثورة السورية عنها. هنا مأزق كبير يؤشر إلى ظاهرة سلبية، هي الانكفاء الوطني أمام حالة العجز، في ظل معطيات دولية تؤشر إلى استمرار تخلي المجتمع الدولي عن خيار دعم الثورة السورية، والتحول إلى فكرة التعاون لمواجهة التطرف.

هذا الانكفاء الذي ظهر مبكرًا، منذ أن بدأت ظاهرة الانقسام السياسي، ومن ثم الاجتماعي، بالظهور، ومن ثم التجذر في مجتمع الثورة السورية، وأخذت الغلبة تدور لصالح القوى والجماعات المسلحة. وكان من أهم نتائج ذلك إقصاء التيار المدني: قوى وجماعات وأفراد، عن مواصلة الانخراط في سياقات العمل العام. ولاحقًا بدأت وسائل المنع بالترهيب، ثم بالقوة، تؤتي ثمارها سريعًا. أخذت النُخب السورية موقف المنتظر مآلات الوضع في سورية، تحينًا لفرص العودة إلى إدارة المجتمعات المحلية، وإلى استعادة زمام المبادرة في إعادة توجيه بوصلة الثورة. لكن كل شيء خرج عن السيطرة.

عجز النخبِ السورية هو، بنسبة غالبة، مسؤوليتها، وعلى الرغم من توحدّ الجميع في مواجهة نظام الاستبداد، فإنها لم تستطع النجاح في أي اختبار للحوار، والتعاون المشترك، والعمل الجماعي. انقسم الجميع على أنفسهم، ومع الآخرين، ولم تستطع القوى السياسية السورية أن توجد في ما بينها القواسم المشتركة والعمل عليها. كان اليسار واليمين يترصدان بعضهما، وما يزالان، ومع أنهما في مؤسسات واحدة، إلا أن القطيعة و”المناكدة” والكيدية هي ما تسم جهودهما. ناهيك عن الاختلاف حول التسلح، ثم حول كثير من القضايا المتصلة بالعمل السياسي، والتفاوض، والأسلمة وغيرها.

العامل الخارجي أدّى دورًا بارزًا في تشكيل هذه الصورة المهلهلة والضعيفة، وفي استمرار حالة اللاتفاهم، بين مكونات المعارضة وتياراتها المدنية والعسكرية. وكان في مقدور هذه القوى أن تصّوب مساراتها، قبل سنوات، مع التعثر الذي بدأت تذهب إليه مؤسسات المعارضة بشكل متدحرج. لم يستطع أحد وقف الانهيار، واليوم هي أقرب ما تكون إلى حالة رثة لا نفع فيها، وما ينتج عنها أقرب إلى الضرر، في الوقت الذي تتواصل فيها العمليات العسكرية، ضد المدن والبلدات السورية، بصورة لم يسبق لها مثيل، من حيث العدوان واستخدام الأسلحة الأشد فتكًا، مع تعطيل تام لكل الجهود السياسية، والاتفاقات المرحلية لتخفيف حدّة القتل، والذي انخرطت فيها المعارضة السورية، سعيًا لوقف المعاناة المريرة.

المعارضة السورية التي لم تستطع بناء قيادة سياسية جديرة بالثقة وقادرة على تحمل المسؤوليات الأساسية، ليست قادرة على مواجهة التحديات التي جعلت الثورة السورية في مأزق امتحان المسألة الوطنية والهوية، حين تداخلت وتقاطعت المصالح من كل حدب وصوبٍ في سورية. ولم تتمكن من اتخاذ موقف واضح، يأخذ في الحسبان مصلحة الثورة السورية، في المقام الأول.

في كل سنة تمرّ من عمر الثورة، هناك أزمات جديدة، تحفر عميقًا في جسد الثورة وتثلم روحها. لم يعد لدى السوريين قدرة على مواجهة أعباء كل هذا الموت الذي يطحن كل شيء بعجلة الحروب العديدة: حرب النظام الأسدي ضد السوريين، وحرب الإيرانيين من أجل التمدد والسيطرة على المنطقة، وحرب الروس لاستعادة القيصر مكانة ضائعة، وحرب تركيا ضد الأكراد في سورية، وحرب الولايات المتحدة ضد غريمتها “القاعدة”، المستمرة منذ عقدين في أمكنة وأزمنة متغيرة، وحرب الأكراد من أجل هوية قومية، وحرب وجود تخوضها الفصائل المسلحة ضد بعضها. والسوريون وحدهم حطب تلك الحروب!

فشل المعارضة لا يعني هزيمة الثورة، وعدم تحقق الأهداف حتى اليوم لا يعني إخفاقها، والتحدي الدولي والإجرام البشع والاحتلال أدلة على قوة الثورة، كمبدأ وقيمة تتصل بالمكان وبنهضة الجماهير، في انتفاضة يشكل اندلاعها مصدر خطر على استقرار أنظمة الاستبداد.

الثورة، وهي تدخل عامها السابع، لم تنتصر، ولكنها لم تُهزم. ثمة خيبة أمل كبيرة، فلا أحد حتى اليوم يريد إيقاف النظام الأسدي المجرم، عن مواصلة القتل، وعن تقدم الموت بهذه الصورة المهولة. وخيبة أخرى من انعدام القدرة على العمل الجماعي المشترك، في أوساط المعارضة. السوريون ضائعون، مشتتون، والبلاد التي تنشد الحرية تحترق.. غير أن الإيمان بالثورة وقيمها يعني أن سبع سنوات من الألم تكفي، لتنهض الثورة من كبوتها. وفي السنة الثامنة، الأمل يتجدد، ويحتاج منا إلى الذهاب بجدية إلى العمل!