الثورة السورية: آذار سابع بلا حسم وبلا تنازل

 

ها هو ذا آذار سابع، تكون فيه الحالة السورية ناطقة بذاتها، حيث تتسم الثورة السورية الآن، وقد باتت حربًا في سورية وعليها، بسمتين أساسيتين:

الأولى هي عجز الأطراف المتصارعة واقعيًا عن حسم الحرب، رغم أنف النيّات والرغبات التي ما زالت تقول بالقدرة على الحسم. وهو عجز موضوعي، وليس رغبة ذاتية في عدم الحسم، يتبدى مع مرور الوقت لانعدام القطبية الدولية، وازدياد التدخل في الحالة السورية.

أما الثانية فهي عدم التنازل عن أي شيء، من جهة أي طرف من أطراف الصراع، وهو عدم تنازل ذاتي، يرتبط بفقدان الحس الإنساني عند هذه الأطراف، وبعناد هذه الأطراف ومكابرتها وأوهامها.

ها هو ذا آذار سابع يعود، من دون إحراز تقدم في النتائج المتوخاة من فاعلية السوريين؛ تلك الفاعلية التي تحضر منذ آذار/ مارس الأول في الثورة السورية، وهي فاعلية عامة، يرشدها الأمل في غدٍ تتحسن فيه قدرة السوريين على التحكم بحياتهم ومستقبلهم وحكومتهم. وبدلًا من تحقيق مثل هذا التحكم، تحولت سورية، لملايين الأسباب، إلى حقل رماية لمختلف أنواع الأسلحة العابرة للحدود الوطنية والإسلامية والقومية، وتحول السوريون إلى دريئة للرمي، تتلقى مختلف أنواع الرمي تحت أنظار العالم المتمدن.

ثمة من يقول بهزيمة فاعلية السوريين، ولا يناقش تقدمها وتراجعها وتوجيهها أبدًا، لأنه ينظر من منظار غياب فاعلية السوريين، لا من منظار حضورها؛ فمنظار غياب الفاعلية يحيل إلى الدعاء والاتكال والانتظار السلبي، ويحيل إلى بعث وإحياء وإيقاظ فاعلية السوريين، وكأنها ماتت أو نامت، في حين ما زالت فاعلية السوريين قائمة في الواقع، لها ما لها، وعليها ما عليها، وعلينا نقدها وتحسينها وتوجيهها، وإلا؛ فإننا لم نغادر العبث والعدم والاجترار والدروشة. بينما يحيل النظر من منظار حضور فاعلية السوريين، إلى التمييز بين أهداف الثورة وبين النتائج المتحققة بالفعل، بين حكم القيمة الثوري وبين حكم الواقع الصلف، بين الرغبة والحلم واليوتوبيا الثورية وبين ما وقع وبات حتميًا، ويرشدنا إلى تعميق وتكثيف فاعليتنا لردم الفجوة القائمة فيما بينهم، كما يحيل أيضًا إلى “ما يحدث” ونقده، ويحيل إلى دوران فاعلية السوريين وتقدّمها، ولا يكتفي بدورانها فقط.

ها هو ذا آذار سابع تدور فيه الأيام على أشلاء السوريين، كما تدور على أملهم في دولة وطنية على مقاسهم، وذات نظام ديمقراطي، يفتح الأفق أمام فاعليتهم من جديد. لذلك عمّ اليأس لتعميم التفاهة وانعدام القيمة؛ فلا قيمة لحياتهم ولا قيمة لموتهم.

إذن؛ ثمة أخطاء في فاعلية السوريين حالت دون تحقيق النتائج المأمولة:

لقد أخطأنا، عندما اعتقدنا أن حياة السوريين أهمّ من طموحات بعضهم إلى السلطة، وعلينا إعلاء شأن حياة السوريين في تكتيكاتنا واستراتيجيتنا.

لقد كنا مخطئين باعتمادنا على ذاتنا السورية، وبمراهنتنا على سلميتنا، وتأكيد وحدتنا، وحدة السوريين، وبانتهاجنا الهتاف والغناء والدبكة والرقص والشعر والكلمة… لم نتعلم درس القوة بعد.

كنا مخطئين، حين اعتقدنا أن العالم معنا، وأن الإعلام يُقصِّر من عمر ثورتنا، فصّورنا الضحايا ووثقنا الأعداد والحالات، وكتبنا… علّ مأساتنا تتحول إلى مأساة عالمية، علّ الرأي العام، العالمي والإسلامي والعربي والمحلي، يقف على الحقيقة، ويناصرنا، ولكن تبين أن الحقيقة ليست ثورية دائمًا، وبدلًا من مناصرتنا إنسانيًا، نالت بعض صور ضحايانا من الأطفال والنساء جوائز عالمية. فالعالم الآن خالٍ من المعاني الكبرى.

كنا كقطيع مخطئين في التأمل خيرًا براعينا/ “رئيسنا” و”حماة ديارنا”، و”دبلوماسيينا”، و”أبناء وبنات وطننا”، و”أقلياتنا”… ولم نحاكي مصالحهم حتى الآن.

كنا مخطئين بالمراهنة على فصائلنا الجهادية والإسلامية والأهلية، المتناحرة والتابعة، كما كنا مخطئين في اعتمادنا على سياسيّينا الدراويش… ولم نستطع إلغاء التبعية والتناحر والدروشة من جهة، ولا إجبار فصائلنا على التخلي عن الدولة الإسلامية وإدارة التوحش، حتى الآن.

كنا مخطئين في قراءة تفاعل شعوب منطقة المتوسط معنا: الشعب العربي والشعب الكردي والشعب التركي والشعب الإيراني والشعب اليهودي… فهي شعوب عاجزة همها التفاهة عمومًا.

كنا مخطئين بالاتكال على أميركا وروسيا وإيران والسعودية وقطر وتركيا… أجل كنا مخطئين، وما زلنا.

أخطاؤنا ليست أخطاء عابرة أو طارئة، بل ثابتة ومتكررة وأصيلة، ويرتكبها الناس العاديون والقيادات والنخب؛ لذلك فهي الرائز لوعينا ومعرفتنا وتجربتنا. وسيرورتنا ليست سيرورة تصحيح أخطائنا، بل سيرورة اجترارها وتدويرها ولفلفتها. إن قدرتنا على تجاوز أخطائنا تمتحن مقدرتنا على ولوج العصر الافتراضي المليء بالفوضى والتفاهة والتدخل وموازين القوى ومفاعيل الزمن والاستمرار بوسائل أخرى عنيفة.

إن سيرورة تصحيح أخطائنا تُخرجنا من حالة احتمائنا السلبي بتراثنا، إلى الاحتماء بالحداثة والمعاصرة، وتخرجنا من إفراط اهتمامنا بكيفية حماية الإهاب الإسلامي التقليدي، من المؤامرة على الإسلام وعلى الثورة، إلى حماية السوريين، وتخرجنا من حكم القيمة والمغزى الأخلاقي الذي نتشدق به ليل نهار، إلى حكم الواقع.

لنعترف بواقع التفوق في موازين القوى، ونعمل على تعديله، ولنعترف باستحقاقنا المصير الحالي ونتحمل المسؤولية، ولنفتش، بلا لف ولا دوران ولا عقد، عن السر الذي جعل المجرم طليقًا، بالرغم من الأدلة الدامغة، وجعله قادرًا على سحقنا أيضًا. فبدل النواح على الأطلال والدعاء بالنصر، علينا توجيه فاعلية السوريين في انتظام منسجم، يناصر الثورة وينصرها، ويكون منخرطًا في استراتيجية دولية، كما علينا أن ندخل بتوازن القوى والتحالف الدولي والتعاون الإنساني، فموازين القوى المحلية، بين قوى الثورة وبين قوى النظام، هي التي ستكون بيضة القبان في النتيجة.

عودٌ على بدء، نعم يستحق الشعب السوري التحكم بمستقبله وحياته وحكومته، ولا يستحق تحويله إلى دريئة للرماية. وبسيرورة تصحيح أخطائنا؛ يجب أن يأتي آذار المقبل بنتائج تقترب من أهداف الثورة السورية.

1 عدد الردود

التعليقات مغلقة