تحقيقات وتقارير سياسية

سبعة أعوام من عمر الثورة المظلومة

 

لم تظلم الثورة السورية في كونها واجهت نظاماً استثنائياً بكل المعاني والمقاييس الحضارية والسياسية والاجتماعية والسياسية والطبقية فحسب ولم تظلم كونها واجهت نظاماً عالمياً وإقليمياً تآمر كل بطريقته على وأدها فحسب بل ظلمت لأنها واجهت نوعاً خاصاً استثنائياً من النخب السياسية والثقافية العبودية التي ترتدي عباءة الفكر العلماني أو اليساري.

إن ما ميز قطاعات من النخب السياسية والثقافية السورية التي تدعي العلمانية واليسارية لم يكن خيانتها للثورة الديمقراطية السورية وبما يعني تمنعها وترددها في الانخراط في الثورة وخوض تجربة النضال الثوري الديمقراطي ضد نظام الاستبداد المعمم الذي حكم سوريا لمدة تقارب النصف قرن من الزمن تحت شعار “سورية الأسد” ومن ثم شعار “الأسد أو نحرق البلد”، أي لم يكن ما ميز هذه النخب عدم انخراطها في الثورة ضد نظام مجرم طائفي استبدادي برجوازي بل إن أكثر ما ميزها (وهو ما يدعو إلى الدهشة والتعجب والاستغراب) هو تبريرها لكل الأعمال الإجرامية التي ارتكبها النظام، وفي كثير من الحالات دعوتها وتشجيعها النظام لاستخدام المزيد من العنف والقتل والتدمير بحجة أن النظام يواجه حركة إسلامية فاشية تشكل خطراً على المجتمع يفوق خطر بقاء ووجود النظام وبحجة أن هذا الحراك الإسلامي هو امتداد وأداة لمؤامرة امبريالية أميركية صهيونية بالتشارك مع الرجعية العربية وبعض الدول الإقليمية.

لقد كانت حجة بعض النخب السياسية والثقافية  “اليسارية” و”العلمانية” السورية التي وقف بعضها من اليوم الأول مع النظام وخان الثورة ولا سيما النخب التي كانت تنتمي لأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية التي يقودها ويرعاها النظام أساساً أو النخب التي رفضت المشاركة في الثورة كون الثورة لم تأت كما حلمت بها في خيالها السياسي والثقافي أو كما قرأت عنها  بالكتب الثورية الماركسية حيث لا وجود لحزب ثوري ماركسي لينيني يقود الثورة والانتفاضة الثورية البروليتارية وحيث لا وجود لقائد ماركسي ثوري تلتف حوله الجماهير وتهتف بحياته كي يقودها إلى النصر والحرية والتحرر أو النخب التي قاطعتها كونها خرجت من الجوامع ولم تخرج من المراكز الثقافية وبما يعني أن المتظاهرين لم يمروا بمرحلة التنوير العقلي أو لم يعرفوا ثقافة التنوير العقلي وعصر من الأنوار الثقافي كالتنوير العقلي والثقافي الذي عرفته الشعوب الأوروبية زمن النهضة الرأسمالية الأوروبية ويأتي على رأس هؤلاء الشاعر أدونيس وبعض رموز اليسار السوري الذين (وهنا المفارقة) قضوا في سجون النظام الاستبدادي سنوات وسنوات من الاعتقال التعسفي بوصفهم معتقلي رأي سياسي، أقول كانت حجة هؤلاء هو أن الحراك الذي شهدته سورية بدءاً من يوم 18 آذار/ مارس 2011 يوم انطلاق الشرارة التي فجرت الثورة السورية في أرض حوران كان حراكاً اسلامياً أو أن المتظاهرين السلميين الذين نزلوا إلى الشوارع كانوا يقعون تحت تأثير الفكر الديني الإسلامي أو يسيطر على عقولهم الفكر الديني الإسلامي بدلالة أن هذه المظاهرات كانت تخرج من الجوامع لا من الساحات والمراكز الثقافية على حد زعمهم، وهنا نقول  لهؤلاء لنفرض جدلاً أن كل الذين نزلوا إلى شوارع درعا  بما فيهم المهندس الشهيد معن العودات والآلاف من أمثاله كان يسيطر عليهم ويطغى على ثقافتهم الفكر الديني الإسلامي فهل يبرر أن تطلق عليهم قوات وقطعان النظام الرصاص الحي لمجرد كونهم ذوي ميول وانتماءات إيديولوجية غير يسارية وغير علمانية؟ فهل حقوق البشر في الحرية والتحرر من نير الاستبداد هو حق حصري لأصحاب الإيديولوجيا اليسارية أو العلمانية أو الليبرالية أو القومية… الخ؟ ألا يُشكّل حصر الحق في الحصول على الحرية والمطالبة بالحرية والتحرر لأصحاب أيديولوجيا دون غيرها نوعاً من التمييز العنصري والبربرية بكل المقاييس إن كانت العصرية أو حتى بمقاييس العصور القديمة؟ أليس التحرر من العبودية حق لكل إنسان بعيداً عن انتمائه الديني أو الإيديولوجي؟ أليس إنكار حق الحرية والتحرر على المتظاهرين السلميين الإسلاميين أو بحجة أنهم إسلاميون هو تبرير ومشاركة في القتل البربري الذي قامت به قطعان النظام بحق أهل حوران أولاً ثم بحق كل السوريين بعد أن امتدت شرارة الثورة إلى كل المدن والقرى والبلدات السورية، وهنا نتحدث عن فترة لم يكن قد تم فيها عسكرة الثورة ولم يكن هناك بعد فصائل عسكرية إسلامية حاملة للسلاح وذلك باعتراف فاروق الشرع نائب رأس النظام في مقابلته الصحفية مع جريدة الحياة، بأنه لم يكن في سورية في الأشهر الأولى للثورة قطعة سلاح واحدة خارج يد الدولة؟.

ومن جهة أخرى أقول لمن خان أو قاطع الثورة بحجة إن أغلب المتظاهرين كانوا ينتمون إلى اتجاه إيديولوجي إسلامي بدلالة خروجهم من الجوامع إلى الشارع للتظاهر ضد النظام، ما هو العائق الذي حال دون نزول هؤلاء العلمانيين واليساريين ليتصدروا المشهد السياسي والثوري ويقودوا المتظاهرين أو يكونوا جزءاً عضوياً مشاركاً في الحراك الثوري وذلك لقطع الطريق أمام أي مشروع إسلامي يتخوفون منه؟ لماذا لم يشكلوا في الواقع المتحرك السوري قطباً ديمقراطياً علمانياً يسارياً على مقاسهم كي يجذب هذا القطب الكتلة البشرية المتحركة ويمنع سقوطها في أحضان الإسلام السياسي الجهادي وغيره أو يمنعوا أن تكون واجهة هذا الحراك السلمي الثوري مقتصرة على الإسلاميين الذين يتخوفون منهم؟ أم إنهم حكموا من اليوم الأول على كل هذه الكتلة من المجتمع بالأسلمة والإرهاب؟ أم إن خوفهم من رصاص وشبيحة النظام هو ما حال دون نزولهم إلى الشوارع للمشاركة؟ أم إن هؤلاء لا يثقون بالجماهير والشعب الذي يكثرون من الحديث عنه وباسمه؟ أم إنهم يعلمون أن الجماهير لا تثق بهم أو لنقل لا تعرفهم ولم تسمع بهم كون النظام الذي لم يعد يخافون منه زج بهم في ظلمات سجونه لعقود وعقود من الزمن وهو الأمر الذي جعل أغلبية المجتمع لا تعرفهم؟ كما نسأل ما هو العائق الذي حال دون نزول هؤلاء العلمانيين واليساريين من الساحات والمراكز الثقافية التي بناها النظام والتي “تملأ” كالفطر المدن السورية؟ أم إنهم لم يجدوا موطئ قدم في الساحات التي كانت تملؤها الشبيحه وقطعان النظام الطائفية في كل يوم وعلى مدار الساعة؟ أم إنهم لم يجدوا إلا الجوامع التي بناها النظام وتكاثرت في المدن السورية والبلدات كالفطر برعاية وإشراف وتخطيط من رأس النظام ذاته؟ من المؤكد أن هناك الآلاف من الأسئلة التي يمكن أن نسألها لهؤلاء عن سبب امتناعهم عن المشاركة في صنع ثورة ديمقراطية أو صنع ثورة يسارية علمانية على مقاسهم، ومن المؤكد كذلك أننا سنجد لديهم الآلاف من الأعذار والأكاذيب والمبررات عن سبب عدم قيامهم بأي فعل ثوري على الأرض، ولكنهم لن يعترفوا ويكشفوا عن السبب الحقيقي الذي حال دون قيامهم بأي فعل ثوري معارض ذي معنى ومغزى على أرض الواقع، لن يقولوا إن جبنهم وخوفهم من الرصاص الحي الذي كان يطلق على المتظاهرين السلميين هو من كان وراء تخلفهم وخيانتهم وترددهم في المشاركة أو في الاندفاع لصنع ثورتهم التي حلموا بها، أو إن ارتدادهم الثقافي الطائفي هو ما منعهم من الانخراط تحت تأثير “فوبيا” الإسلاميين.

إن قمة الانحطاط الأخلاقي لهؤلاء إنهم بدل أن يعترفوا بجبنهم وخوفهم من رصاص النظام أو خجلهم من الاعتراف بطائفيتهم نجد أنهم انتقلوا إلى الضفة الأخرى وأصبحوا من دعاة إطلاق الرصاص على المتظاهرين أو من الذين يبررون بوعي أو من دون وعي بقصد أو من دون قصد إطلاق الرصاص على المتظاهرين بحجة كونهم متظاهرين يعتنقون أيديولوجيا مخالفة لأيديولوجيتهم، أو من خلال إنكار الفترة السلمية المدنية للثورة أو من خلال الخلط بين المرحلة السلمية للثورة ومرحلتها العسكرية أو من خلال الخلط بين “داعش” ومشتقاتها التي طفت على سطح الثورة الأم الأساس.

ثم نسأل هؤلاء “العلمانيين واليساريين” أحفاد وبقايا العبودية السياسية الستالينية والماوية الصينية وتوحش بول بوت (الخمير الحمر) وكثيرين غيرهم من أحفاد العبوديات التي عرفها القرن العشرين بأشكال “قومية” و”شيوعية”. ما هي الإجراءات التي حققها أو قام بها النظام السوري استجابة لمطالب المتظاهرين السلميين والتي لم تعترف بشرعيتها هذه النخب الخائنة فحسب بل اعترف بشرعيتها – كزلة لسان- حتى رأس النظام المجرم في الأشهر الأولى للثورة السورية في أحد خطاباته؟ كما نسأل ما هي الإجراءات التي قام بها النظام حتى استجابة للمطالب المتملقة لهذه النخب الخائنة حتى يتم قطع الطريق على تطور الأحداث وسيرورة الصراع التي اتجهت نحو مسار تدميري بحكم تعنت النظام وإصراره على عدم الاستجابة حتى للحد الأدنى من مطالب لا قوى التغيير داخل المجتمع السوري بكل أطيافها فحسب بل حتى عدم استجابته للحد الأدنى من مطالب هذه النخب الخائنة؟ كما عدم استجابته حتى لمطالب نائب رأس النظام فاروق الشرع حين اقترح على رأس النظام المواجهة السياسية مع الشارع بدل المواجهة الأمنية البربرية؟ كما نسأل ما هي الإجراءات التي قام بها النظام لمنع وقوع هذه الكتلة البشرية الكبيرة الناهضة كي لا ترتمي في أحضان الإسلام السياسي الجهادي؟ ألم يعمل النظام ليل نهار لتوليد وإيجاد هذا الإسلام السياسي الجهادي كبديل عن الحراك السلمي المدني وذلك كي يعطي شرعية لكل أعماله البربرية ولكي يدفن الثورة في مقبرة الصراع الطائفي الشيعي السني؟ من المؤكد أن لا جواب على هذه الأسئلة سوى جواب واحد، لم يتغير من اليوم الأول للثورة حتى يومنا هذا فحواه أن الإسلاميين يشكلون خطراً على المجتمع السوري يفوق خطر وجود النظام الاستبدادي. وهنا نسأل هؤلاء من المسؤول عن ولادة ووجود هذه الكتلة البشرية التي كما يقولون يطغى على تفكيرها وثقافتها الفكر الديني الإسلامي، كما نسألهم عن رأيهم بما قاله يوما حول هذا الموضوع الكاتب المسرحي الكبير  سعد الله  ونوس: “إن المدجنة الحقيقية التي تفرخ الجماعات الإسلامية المتطرفة هي الأنظمة العسكرية والمستبدة، فهذه الأنظمة هي التي خنقت روح الشعب وأغرقته بالشعارات والرعب وفاقمت مشكلاته بالتبعية والنهب وهي التي تدفع هذه الأجيال الممزقة والمهمشة إلى حلول طوباوية وخيالية، وإلى ردود أفعال يائسة ،وحين يخيّر إنسان مقموع ومنهوب بين(إله ديني) يعده بالخلاص وبين (إله) أرضي يقمعه وينهبه ،فإنه من الطبيعي أن يفرّمن زنازين الأرض إلى فضاء السماوات”… هذا إذا ما أضفنا أن  النظام الذي يدافعون عنه هو من زرع سوريا بطولها وعرضها بعدد من بيوت الدين (الجوامع وغيرها) يفوق عدد ما تم بناؤه في التاريخ السوري منذ أن عرفت سوريا الإسلام قبل حوالي 1400 عام حتى يومنا هذا؟ وهنا نسأل خونة الثورة المطالبين بتأجيل الثورة وعملية التغيير الديمقراطي إلى زمن آخر تكون فيه الشروط والظروف أكثر ملاءمة للثورة والتغيير الديمقراطي . هل ننتظر حتى مجيء حكم حافظ بشار الأسد إلى سدة الحكم والسلطة والذي سيزرع – كما فعل جده ومن بعده والده– سورية ببيوت الدين؟ أم إنهم ينتظرون منه أن يزرع سوريا بالمراكز الثقافية حتى تتوفر كل الشروط والظروف الملائمة لأحفاد أدونيس وفاتح جاموس، أن ينهلوا الثقافة الديمقراطية التنويرية التحررية ومعها تنضج وتكتمل شروط الثورة الديمقراطية التي ستقتلع بيت الأسد من السلطة؟ إن القول بتأجيل الثورة إلى زمن آخر في ظل نظام يقوم على العصبية الطائفية وصاحب مشروع توليد سلالة عائلية حاكمة في سورية هو كمن يؤجل الحريق في بيته إلى اليوم الثاني لا أكثر ولا أقل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق