قضايا المجتمع

محمود قطيش الجوابرة

 

هو أول شهيد في ثورة الكرامة والحرية في سورية، من مواليد 1986، لأسرة مكافحة من درعا البلد في محافظة درعا، توفي والده قبل أن يتم شهره الأول من العمر، لينمو ويكتشف الدنيا، على مرارة اليُتم.

درس الجوابرة المرحلة الابتدائية في مدارس درعا البلد، لكن أوضاعه القاسية حالت دون أن يكمل تلك المرحلة؛ ودفعته إلى سوق العمل، بعوده الغض، ليساعد أسرتَه في أعباء الحياة، فعمل في التجارة البسيطة مع بعض البائعين، وعندما أصبح شابًا، افتتح محلًا صغيرًا في أحد الأحياء.

أحب الرياضةَ، مذ كان طفلًا، وأخذ يمارسها، وتابع مشواره الرياضي في لعب كرة القدم، ليحترف في مرحلة شبابه مع نادي (الشعلة) الرياضي في محافظة درعا، وقد تميز بنشاطه وأخلاقه.

تابع الجوابرة انطلاق ثورات الربيع العربي، واحدة تلو الأخرى، وأخذت جَذوة الحماس تتقد في داخله، كحال معظم شباب سورية، منتظرين لحظة أن يورِق الربيع في سورية، بعد عقود من الاستبداد الذي أنهك البلاد والعباد. وعندما اجتمع عدد من شبان حوران، في 18 آذار/ مارس 2011 أمام الجامع العمري، كان الجوابرة حاضرًا كبقية المتظاهرين المسالمين، مطالبًا بحق “الكرامة”، حيث صدحت الحناجر: “الموت ولا المذلة”.

هي لحظات بين أمل الانعتاق من الظلم، وغدر الرصاص المنهمر من فوهات بنادق نظامٍ امتهن القتل، إذ تلقى جسد الجوابرة المتعطش للحرية، في ذلك اليوم، أولى رصاصات القتلة، ليرتفع هتاف رفاقه أمام الجامع العمري، بصوت دوّن الحقيقة كما هي، بلا لبسٍ بالكلمات: “يلي بيقتل شعبو.. خاين”؛ فانهمر الرصاص من جديد، ليتبعه كوكبة من رفاقه الشهداء: “حسام عبد الوالي عياش، أيهم الحريري، مؤمن منذر المسالمة”.

حاول نظام الأسد أن يضغط على الأهالي لدفن أبنائهم بصمت، لكن درعا أبت إلا أن تودع أول قافلة من شهداء الثورة بموكب مهيب، ضم عشرات الآلاف من الأهالي، حيث شهد الجامع العمري على عزيمة أبناء الوطن، كيف قرروا انتزاعه من أنياب الوحوش الآدمية، التي قابلت الحناجر والكلمات والأجساد، بنيران انتقام وحقد، لتتمدد الثورة على مساحة الوطن، معلنة فجر تاريخ جديد، أراده نظام الأسد أن يتلون بالدم، وأراده السوريون مزهرًا ومشرقًا، كوجوه أبنائهم وأحبتهم الشهداء.

مضى الجوابرة إلى حيث تمضي أرواح الأُباة، وهو في ربيع العمر (25 عامًا)، فكان أحد أبناء الثورة السلمية الذين واجهوا الحديدَ والنار بالكلمة الصادقة والنفس الكريمة؛ وليبقى هتافه للحرية في هذا الفضاء الرحب ملهمًا للسوريين، حيث أرواح مئات ألوف الشهداء توالت، وما زالت، من أجل أن يتحقق ذلك الهتاف الذي سما عاليًا: “حرية”.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق