الاغتراب السياسي السوري

 

يحدد (إيرك فروم) مفهوم الاغتراب بـ : فقدان السيطرة، سلب الحرية، التسلطية، التخريب، المجاراة الأوتوماتكية والانعزال، مشيرًا إلى عدم مقدرة الإنسان على التواصل مع نفسه، وشعوره بالانفصال عمّا يرغب في أن يكون عليه، وبين إحساسه بنفسه في الواقع المعاش.

وجدنا العديد من الدراسات والمؤلفات عن الاغتراب وأنواعه، تبعًا لمجال اختصاص الباحث العلمي وميدان بحثه: الاقتصادي، الاجتماعي، الوجودي، النفسي، الديني، الوظيفي، الثقافي وأخيرًا السياسي، الذي يشير إلى شعور المواطن الدائم، نسبيًا، بالانفصال والعزلة عن النظام السياسي الحاكم والسائد بشكل خاص، والمجتمع الذي يعيش فيه عمومًا.

يمكن التعبير عن الاغتراب السياسي، من خلال شعور الفرد بعدم وجود أي دور له في المنظومة السياسية للنظام الحاكم، وتصوره أن القرارات السياسية الصادرة عن هذا النظام لا تعنيه، وربما أنها غير عادلة أيضًا، إضافة إلى تصوره أن المعايير أو القواعد الدستورية والقانونية، التي تهدف إلى تنظيم العلاقات السياسية في المجتمع، معطلة بالمطلق.

في سورية، بعد انقلاب الأسد الأب عام 1970، وحرمان السوريين كافة من العمل والنشاط السياسي والحزبي التعددي، إلا النشاط الذي يدور في فلك تمجيد شخصه واستبداده؛ ظهر الاغتراب السياسي لدى المواطن السوري، إذ بدأ يشعر في البداية بافتقاده حقوقه في وطنه، بدءًا من حقه في المشاركة السياسية، التوظيف والعمل، التعبير عن أرائه واتجاهاته الفكرية، السياسية والثقافية. تصرفَت حاشية النظام الأسدي، وكأن سورية أصبحت مزرعة خاصة بهم، وأن السوريين الآخرين عمال مؤقتون وصامتون فيها، وهذا ما دفع المواطن السوري إلى الانسحاب التدريجي من مواطنيته، بدءًا من التعبير عن اللامبالاة السياسية، إلى عدم المشاركة والتواصل مع الآخرين، والانكفاء على ذاته الصامتة، حتى إن البعض امتنع عن التواصل الذاتي، من شدة خوفهم من سماع بوحهم السياسي الذاتي من قبل أجهزة الأمن المتغلغلة في كل زاوية، وما العبارة الشعبية التي يرددها السوريون، عند التحدث بالسياسية الخاصة بسورية: “الحيطان لها آذان” إلا التعبير الشعبي عن الاغتراب السياسي في سورية، إلى أن وصل النظام إلى إجبار السوريين على ترديد شعارات ملكية الأسد لسورية في كل مناسبة، وفي كل صباح وبخاصة من قبل الطلبة السوريين؛ ما اضطرهم إلى إخفاء حبهم لسورية كوطن داخل ذاتهم، وعدم قدرتهم بالبوح بهذا الحب إلى أقرب الناس منهم، خوفًا من أن تسمعه الآذان الأمنية، هذا ما دفع معظمهم إلى الانتماء إلى أنساق اجتماعية ما قبل الوطنية من العائلة، القبيلة، الطائفة، بحثًا عن الشعور بالذات والانتماء والأمان.

إن فعل تهميش وتشييء السوريين، ولا سيّما الشباب، على مختلف الميادين السياسية والاجتماعية والتنموية، من خلال البنى والمؤسسات الاجتماعية التي اتسمت بالهيكلية الاستبدادية، والتي ما تزال تتسم في الغالب بهيمنة الذهنية الأمنية على مجمل العلاقات والتنظيمات والمؤسسات والأجهزة المكونة للنسيج المجتمعي السوري العام، مثل المؤسسات التعليمية والمؤسسات الإدارية والإنتاجية والحزبية والنقابية… إلخ، حتى يمكن القول إن سورية، في عهد حكم الأسد الأب، لم تصل إلى الدولة العصرية –دولة المواطنة- سواء بالمفهوم الماركسي: (ثورة تغييرية جذرية في إطار مجتمع اشتراكي حديث)، أو بالمفهوم الفيبري (ماكس فيبر): “عقلنه وترشيد وتحديث العلاقات التنظيمية والإنتاجية، في إطار مجتمع رأسمالي حديث”. بل إن صيرورة التحديث، التي يتبجح إعلام النظام بالحديث عنها لم تنتج سوى مؤسسات دولة أمنية مستحدثة أفسحت المجال لترسيخ جذور الاستبداد، الذي ولد اغترابًا مركبًا لدى السوريين عن وطنهم، حيث همهم الوحيد السعي وراء لقمة العيش فقط، والهروب من كل استحقاقات القضايا الوطنية السورية، التي يشمّ منها مواقف سياسية خاصة بالنظام السوري، فقد تسمع معظم السوريين يناقشون ويختلفون بصوت عال في القضايا السياسية العربية والدولية، باستثناء القضايا السورية، في عهد الأسد الأب.

لعل في هذا الواقع السياسي ما يفسر تعددية الاغتراب لدى السوريين، من خلال الآتي:

1 – اغتراب أيديولوجي، من خلال اتساع رقعة التدين، باعتباره نوعًا من الافتراق عن الواقع السياسي السوري، وهروبًا من بؤسه (المتمثل في الاستبداد الشمولي والبطالة والفقر وانسداد الأفق التنموي المعاصر) إلى الأمل والحلم بحياة ووطن أفضل ما بعد الموت، إنه حلم القيمة المطلقة، التي تنقلب فيها دلالة الوطن من الهدر والفراغ والخواء، إلى الامتلاء بالارتباط بقضية ومرجعية ما ورائية، وقد قدم النظام السوري كل التسهيلات لهذا التوجه الديني ما دامت فاعليته الدينية والاجتماعية بعيدة من التأثير في دائرة النظام السياسي.

2 – اغتراب انتهازي، وظهر هذا النوع من الاغتراب، عند الغالبية العظمى من السوريين، من خلال التماهي السياسي مع النظام السياسي الحاكم في سورية، تمظهر هذا الاغتراب من خلال الانتساب إلى “حزب البعث” وملحقاته من منظمات اجتماعية ونقابية، دون الحق في إبداء الرأي في ما يحدث في الوطن السوري، إلا الترديد الببغاوي للنشرات السياسية الحزبية والنقابية التي تمجد الأسد واستبداده، طمعًا في الحصول على مكاسب مادية ومعنوية، أو من أجل حماية أنفسهم أو عائلاتهم من عنف السلطات الأمنية، كما كان يعبّر عن ذلك معظم السوريين.

3 – اغتراب مكاني: ويتجلى عند السوريين بالرغبة الجامحة في الهجرة إلى خارج سورية، بأي طريقة، وقد كانت تلك الهجرة حلمًا حقيقيًا لدى كل سوري، إن كان بهدف تحسين مستوى الحياة المعيشية، بمقوماتها المتمثلة بشراء منزل وسيارة وإقامة مشروع اقتصادي خاص يعفيه من ضرورة العمل مباشرة في مؤسسات الدولة، أو بهدف الهروب من واقع التسلط الأمني اليومي في حياتهم المعاش.

هكذا وصل السوريون إلى الشعور بعدم الأمن والطمأنينة والتهميش، في الوطن الذي يعيشون فيه، والنظر إليه وكأنه غريب عنهم لا ينتمون إليه، وأصبحت العلاقات الاجتماعية بين المواطنين السوريين يسودها الفتور، السطحية، النفاق، الكذب، وطغيان مظاهر الاغتراب من عزلة اجتماعية أو ذاتية، وفقدان المعايير القيمية وعدم وضوح الرؤية للمستقبل، وفقدان الانتماء والهوية، سواء الفردية أو الجماعية.

هكذا عاش السوريون اغترابًا متعددًا عن وطنهم، إلى أن خرج الشعب السوري إلى الشارع، مناديًا بالحرية والديمقراطية، ومطالبًا بحقه في المشاركة السياسية بهدف بناء وطنه السوري في ثورة 2011، التي أعادت لمعظم السوريين، من الأيام الأولى، الشعورَ بهويتهم الفردية والجماعية، ورسخت مفهوم الوطن للسوريين كافة.