عن آذار السوري

 

آذار شهر تجدّد الطبيعة وفرح الناس بعودة الحياة، منذ فجر حضاراتنا، على اختلاف التقاويم، حمَل طقوسه في ولادة جديدة للطبيعة، ودفن مراسيمها في إعادة أسطورة التكوين والصراع المستمر، بين قوة الحياة المتجدّدة والموت الذي يهدّدها بالفناء، وترك لنا في آذارنا السوري الذي يمرّ كضوءٍ خافتٍ، ثورتَين غيّرتا وجه سورية، وأربعة أعياد.

مهرجانات للخطاب والدبكات ومسيرات احتفالية، كثيرون منّا ساروا فيها، طوعًا أو قسرًا، ليصفِّقوا لذكرى ثورة أو انقلاب 8 آذار/ مارس 1963 الذي استولت فيه اللجنة العسكرية للفرع الإقليمي السوري لحزب البعث العربي الاشتراكي، على القيادة المدنية، وسط متغيرات كثيرة رافقت تأسيس الجمهورية السورية، بحدودها الحالية بعد الانتداب الفرنسي التي مهّدت الطريق لظهور الأيديولوجية البعثية، ليبدأ حزب البعث تاريخه مقدمًا أهدافه في الوحدة والحرية والاشتراكية التي تحوّلت إلى شعار مدرسي لا طائل منه، بعد وصول الحزب إلى السلطة.

ولأن الثورة هي تأسيس لواقع جديد، شكّلت ثورة البعث واقعنا مكرّسة نتائجها الكارثية في إلغاء الحريات، وقيام دولة الحزب الواحد، وتطبيق قانون الطوارئ منذ عام 1963 حتى العام 2011 الذي غيّب احتفاليات 8 آذار/ مارس، وأخمد شعارات لم يعرف السوريون سوى زيفها على مدار معايشتها. وفي 15 آذار/ مارس 2011 انطلقت ثورة أخرى وتاريخ آخر غيّر مجرى حياة السوريين، ثورة لم تكن تحتوي في ذاتها على مشروع سياسي أو أيديولوجيا موحّدة، بل عكست قيم المجتمع المحلي وإحساسه بالحرية والكرامة، ورفعت شعاراتها: “نحنا بدنا الحرية.. إسلام ومسيحية.. ودروز وعلوية”، “لا إخوان ولا سلفية.. نحنا بدنا الحرية”، ثم تحوّلت نحو المطالبة بالتسلّح لحماية المدنيين من عنف النظام، وغرقت في التسلّط السلفي عليها، وما زالت تتخبّط في كافة أزماتها المعقّدة وتوصيفاتها الكارثية الداعية لليأس، وتتوه في وعي السوريين بين حدود الأحلام، ببناء سورية جديدة لا بدّ من تحققها، وبين دولة صارت مستباحة لكل الدول ولحروب التفوق والاستثمار.

ينتقل آذارنا من الثورتين: ثورة طوّعت المجتمع ليناسب أيديولوجية حزبية، وثورة أشعلت عقبها حروبًا، إلى أعياده واحتفالاته التي لم توقفها حرب تنهش جغرافية سورية وتمزّق شعبها. فيصادف في الثامن منه “يوم المرأة العالمي”، الذي أُحرِقت فيه النساء نتيجة إضراب قُمن به في معمل للنسيج، في نيويورك عام 1856، لكن انتفاضتهن على الظروف اللاإنسانية التي أُجبرن على العمل تحت سطوتها، تحوّلت لاحقًا إلى حدث تاريخي يحتفل به العالم، بإنجازات المرأة وتمكّنها -رغم كل العراقيل- من الانخراط بنجاح في الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

يوم المرأة اقتصرت طقوسه في بلدنا على كلمات التهنئة والمباركات التي تمارسها أقلية من المثقفين، وكان أثره غائبًا عن عمق المجتمع السوري، فحقّ المرأة بالمساواة خنقته أسوار المجتمع، وبقي مخفيًا ضمن أوراق دستور يقرّ بتلك المساواة، ويحصرها بما يحدده قانون الأحوال الشخصية الصادر وفقًا للمرسوم التشريعي رقم 59 تاريخ 7/ 9/ 1953، اعتمادًا على قانون حقوق العائلة العثماني، ونصوصه التمييزية التي تحيل النساء مواطنات من الدرجة الثانية، وتكرّس تبعيتهن للرجل في “التهاون في جرائم الشرف، قانون الحضانة، الوصاية، الميراث”، وغيرها من الأمور التي شكّلت مرتعًا خصبًا لاضطهاد المرأة في السلم، وزادت عليه الحرب فجائع جديدة، بحيث بات الحديث عن المرأة الأخت والزوجة والأم هو حديث عن أرامل وثكالى وخائفات على مصير أولادهن الضائع بين آلة الحرب أو الفرار منها “تهجيرًا وهربًا من تجنيد في صفوف الموت”، هذا في الصورة الأبسط، أما الصورة الأقسى فالاستغلال الجنسي والاغتصاب وزواج القاصرات، وفتح أسواق النخاسة والاتجار بالنساء وقد تخطّت بما تحمله من معان مهينة، على المستويين الجسدي والأخلاقي، الأعراف والقوانين والمحرّمات، لتجعل من يحتفل بعيد المرأة الأخت أو الزوجة أو الأم التي خصّص يوم لعيدها، يقف أمام نصف مجتمع محطّم في شرائع السلم، وفي انتهاكات حرب لن تدوم للأبد.

ما بين العيدين المرأة والأم، في الخميس الثالث من آذار، يصادف عيد المعلّم، الإنسان التائه بين تأدية الرسالة في تنشئة جيل المستقبل، ومهنية التعليم التي تجعله شريكًا في قصقصة الفكر والحدّ من الإبداع وتكريس سلبية الأجيال لجعلها مناسِبةً لعملية تعليمية متهاوية، ومع أنها شهدت الكثير من المعلمين الأكفّاء الذين يمنحون هذا العيد خصوصية في ذاكرتنا، لم تعرف طريقًا لنجاتها أو للحدّ من كارثيتها على الأجيال القادمة بعد.

أما عيد النوروز المتزامن مع عيد الأم، وتجدّد الحياة في 21 آذار/ مارس الذي أخذ حكايته من حكاية الزواج المقدّس، بين إلهة الجمال عشتار وإله الخصب تمّوز، وتفاصيله الكثيرة التي أعادت بعث تمّوز إلى الحياة، في اليوم الأول من (نيسانو) نيسان، وانتقلت تقاليده إلى الشام وسُمّي بعيد “أدونيس”، عيد قدّسته حضارات سوريا القديمة، واقتصر الاحتفال به حاليًا على الأكراد، كعيد قومي يجسّد ملحمة “كاوا الحداد”، والفرس عيد رأس السنة الشمسية، وعلى شرائح من السوريين لا تزال تحتفل بأعياد الطبيعة وربيعها، ومع اختلاف المسمّيات وحكاية العيد ومواعيد الفرح والشكر، تستمر استعادة شعائر الحُب الذي وُجد مع الطبيعة البشرية، قبل أن يكون التزامًا أو شعائر دينية.

يقولون “خبي حطباتك الكبار لعمك آذار”، وآذار السابع في سورية يمضي موثقًا وجع السوريين وأملهم بانتهاء مواقد الحروب التي جعلتهم حطبًا لها، وأزهاره التي ما كان ممكنًا تفتّحها مع ثورة أولى منتهية الصلاحية، ما زالت براعم في الثورة الثانية، أما أعياد النساء والمعلّمين والنوروز التي شوّهها الاستبداد، فقد غطّت الحرب أفراحها، لكن آذار باق في ربيعه القصير، كاستراحة بين الموت بردًا والموت حرًا، وما زال كثيرون يؤمنون بقدرته على تجدّد الحياة، ويحملون الحلم بوصول سورية والسوريين إلى غد أجمل.