الهوية الوطنية السورية في مهب رياح القوى الإنكشارية الطائفية

 

أولًا: إن أكبر خطر يواجهه السوريون وهويتهم الوطنية هو خطر انتقال المجتمع السوري، من الدولة القائمة على عقد إذعان طائفي مستور برداء الدولة “القومية”، إلى دولة المحاصصة الطائفية المكشوفة؛ فبعد خمسة عقود من عمل النظام في عهدي الأب والابن على تمزيق النسيج الاجتماعي السوري، من خلال طحن وتفتيت المجتمع والهوية الوطنية السورية، في أحشاء دولته الاستبدادية المعممة، حيث تمّ تحويل المجتمع إلى مجموعة غير متناهية من الخيوط المعزولة بعضها عن بعض، ولكن الممسوكة بقبضة المستبد الجالس على رأس السلطة والدولة. أقول بعد كل هذا العمل، وبعد كل القتل والتدمير الذي ألحقه هذا النظام بالبشر والحجر، وكل أنواع الوجود السوري المادي البشري والاقتصادي والعمراني والمعنوي الثقافي والروحي والتاريخي، بعد كل ذلك؛ علينا أن لا نفكر لحظة واحدة بأن هذا النظام يمكن أن يصل إلى مرحلة قد يوقف فيها أعماله التي بدأها، منذ أن اغتصب السلطة؛ فهذا النظام الغاشم لا يمكن أن يوقف ما بدأه إلا من خلال خلعه وإسقاطه من على رأس السلطة والدولة، مع كل المرتكزات التي قام عليها، أي لا يمكن إعادة اللحمة للهوية الوطنية السورية، وإعادة بناء النسيج الاجتماعي السوري المكون للهوية الوطنية، بوجود هذا النظام.

ثانيًا: إن خطر تمزق النسيج الاجتماعي السوري قد يقود، في الشروط الإقليمية والدولية الراهنة، إلى تحويل هذا التفتت في النسيج الاجتماعي السوري إلى تفتيت جغرافي وكياني، تتحول من خلاله سورية إلى مجموعة من الدويلات المرتبطة بهذه أو تلك، من القوى الإقليمية والدولية المتكالبة على تقاسم الكعكة السورية، حيث إن هذا الخطر لا يشكله بقاء النظام فحسب بل يشكله كذلك ما يمكن أن نطلق عليهم الوجه الآخر من عملة النظام، وأقصد بذلك القوى الطائفية التي انخرطت في صفوف الثورة السورية، على هيئة فصائل إسلامية، منها العسكرية التي سيطرت على المناطق الثائرة التي خرجت من تحت نفوذ وسيطرة النظام، ومنها السياسية التي هيمنت على قرار الثورة والمعارضة السورية، وتحولت إلى مطية لأهداف ومصالح القوى الإقليمية والدولية، وحيث شكلت هذه الفصائل قطب ثورة مضادة لأهداف الثورة السورية.

ثالثًا: إن سير تطور الأحداث يتدحرج، بدعم دولي وإقليمي، باتجاه يلتقي ويتفق مع ما يمكن تسميتهم قطبي الثورة المضادة لثورة السوريين، أعني بذلك التقاء النظام الطائفي الذي يمثل القطب الأول والقديم في الثورة المضادة، بهذه الفصائل الإسلامية التي مثلت القطب الثاني والجديد من الثورة المضادة. فهذا الالتقاء سيقود، إذا ما تمّ، إلى الانتقال من حالة الدولة القائمة على عقد إذعان طائفي مستور برداء الدولة “القومية”، إلى حالة دولة المحاصصة الطائفية المكشوفة، أو لنقل سيقود إلى إخراج عقد الإذعان الطائفي إلى العلن، تحت مسمى محاصصة طائفية وتقاسم سلطة، وهو الأمر الذي إذا ما تم فإنه سيكون أسوأ في شروط تحققه من عقد المحاصصة الطائفية الذي عرفه من قبل المجتمع اللبناني ثم العراقي بعد 2003، كما أن محاصصة كهذه في الشروط الدولية والإقليمية ستقود إلى تكريس حالة الانقسام العمودي للمجتمع السوري، والذي يعني انقطاع الحامل التاريخي لوجود المجتمع والهوية الوطنية السورية، ويعني العودة إلى حالة التشكل البدائي الأولي للمجتمع، ولا سيما أننا نعيش في شرط دولي وإقليمي سيعمل ما استطاع على تكريس نوع كهذا من المحاصصة والانقسام العمودي الكفيل بإغلاق كل صيرورات التطور نحو الأمام، مقابل فتح صيرورات من الجدل الهابط تقود إلى السقوط إلى قاع التاريخ، إن لم نقل الخروج إلى خارج أسوار التاريخ البشري.

رابعًا: إن الوقوف عند هزيمة هذه الطائفة أو تلك لا يقود بالضرورة إلى هزيمة الدولة القائمة على العصبية الطائفية؛ إذ إن شرط العبور إلى الدولة الديمقراطية الحديثة التعددية يكمن في هزيمة كل حلفاء الاستبداد والحلفاء الطبقيين قبل غيرهم من الحلفاء الطائفيين، فهزيمة المارونية السياسية الطائفية في لبنان مع بقاء البرجوازية السائدة الطائفية لم تقد إلى إلغاء وتخليص المجتمع اللبناني من الطائفية، بل قادت إلى انتقال السيطرة من طائفة إلى أخرى من المارونية السياسية إلى ما يمكن تسميته بالشيعية السياسية، أي لم تقد إلا إلى إعادة دولة المحاصصة الطائفية، بثوب جديد يتوافق مع توازنات طائفية سياسية جديدة داخل المجتمع، أي إن هزيمة عصبية طائفية حاكمة، واستبدالها بعصبية طائفية حاكمة أخرى، لا يشكل شرطًا للعبور إلى الدولة الديمقراطية التعددية الحديثة، والمثال اللبناني ثم العراقي خير دليل على ذلك، فهزيمة العصبية السنية الحاكمة في زمن النظام الاستبدادي الطائفي البعثي الصدامي لم تقد إلى بناء الدولة الديمقراطية الحديثة في العراق بل قادت إلى قيام دولة المحاصصة الطائفية البغيضة، وإلى حكم العصبية الشيعية الطائفية.

خامسًا: إن ما هو خطير في الوضع السوري هو أن القوى الطائفية في المجتمع السوري، سواء التي اصطفت خلف النظام الطائفي أو التي تقف في مواجهته على أساس طائفي، تحولت إلى قوى إنكشارية تعمل تحت راية ومصالح القوى الإقليمية والدولية، سواء منها من استقدمها واستدعاها النظام -حيث كان النظام أول من تحول إلى قوة إنكشارية على الأرض السورية- أو التي استدعتها واستقدمتها بعض فصائل المعارضة العسكرية والسياسية، وما هو أخطر من هذا الانقسام والاستقطاب الطائفي والحالة الإنكشارية هو كونه توسعًا وتمددًا في إطار المجتمع السوري، يطال حتى النخب السياسية والثقافية والحزبية، سواء أكانت هذه النخب محسوبة على التيار الإسلامي أم العلماني أم اليساري أم القومي أم الليبرالي، والتي من المفترض، من الناحية النظرية على الأقل، أن تُشكّل الطليعة والطبقة الواعية لمخاطر هذا الانقسام على الهوية الوطنية السورية، وعلى الوجود التاريخي للمجتمع السوري من أساسه.

سادسًا: لقد عجزت وتأخرت النخب الديمقراطية الحقيقية في سورية حتى الآن عن تشكيل قطب ديمقراطي حقيقي، يبتعد عن التمحور حول الإسلام السياسي الشيعي والسني مع امتداداتهما الإقليمية، في وقت أصبحت فيه مساحة الزمن وميدان الفعل يضيقان، شيئًا فشيئًا، أمام إمكانية إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الوجود السوري والهوية السورية الوطنية، والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل ستشهد الأيام المقبلة ولادة هذا القطب الديمقراطي على خريطة الصراع السياسي السوري المشتعل، أم أن قطار التاريخ والأحداث سيتركنا على رصيف الانتظار، نتفرج على خيبتنا ومأساتنا وضياع هويتنا ومجتمعنا في رياح القوى الإنكشارية العاتية؟ أعتقد أن الأيام القليلة المقبلة ستحكم علينا وعلى الوجود السوري من أساسه، فهل نبقى في الانتظار أم نباشر دون أي تأخير العمل، الآن قبل الغد، على تشكيل هذا القطب الديمقراطي؟  والسؤال الأهم والأخير: هل بقي لنا ماء نظيف نغسل به عارنا أم سنبقى نتيمم في وحلنا وأوساخنا التاريخية القديمة والمعاصرة؟

1 عدد الردود

التعليقات مغلقة