رسائل الغوطة

 

فتحت الأحداث الأخيرة، التي كانت غوطة دمشق الشرقية مسرحًا لها، البابَ واسعًا على سيل جارف من التحليلات والتكهنات، التي تصب معظمها، إن لم تكن كلها، في خانة أن الثورة السورية أشرفت على النهاية، فالغوطة -وفق المقاييس كافة- كانت أحد المعاقل المهمة للثورة، وقد شكلت طوال سنوات خاصرةً رخوةً لنظام دمشق، كما كانت ركنًا أساسًا للثورة منذ أيامها الأولى، وكانت كبرى مدنها (دوما) حجر أساس لعمل ثوري كان يستهدف الوصول إلى عمق دمشق، لكن التطورات التي حدثت لاحقًا واتساع الرقعة الجغرافية، وتشكل الفصائل “الجهادية” كل ذلك أبعد الغوطة مؤقتًا من الواجهة، وإن هي عادت في فترات متباعدة، من خلال بعض المجازر التي ارتكبتها قوات النظام فيها، لكنها فعليًا ظلت محاصرة خارجيًا من قبل قوات النظام وداعميه، ومغلقة داخليًا بفعل سيطرة بعض الفصائل على مدنها الرئيسة، وتلك الفصائل استطاعت أن تكون، في مراحل متفرقة، قوة موازية لقوة النظام العسكرية، لكن لا يمكن -بأي حال من الأحوال- اعتبارها فصائل ثورية، أو أنها تسعى لتحقيق مشروع الثورة السورية، في دولة حديثة قائمة على العدل الاجتماعي وسيادة القانون، وإن كان هذا الكلام قد لا يعجب الكثيرين، وبخاصة أنه يأتي في هذا الوقت تحديدًا، ولكن ينبغي الانتباه جيدًا إلى أن القاعدة التي تقول إن “عدو عدوي صديقي” لا يمكن أن تكون صحيحة في حالتنا السورية؛ إذ ليس أعداء نظام دمشق بالضرورة هم أصدقاء الثورة السورية، وما يهم في حالة الغوطة، الآن، ليس نقد تلك الفصائل أو الحديث عن الأخطاء التي ارتكبتها، لكن البحث في أسباب اعتبار خسارة الغوطة نهاية للثورة وانتصارًا للنظام، إذ إن الثورة عوملت وفق منطق الحرب، خلال السنوات الثلاث أو الأربع الماضية، واجتهد المحللون والمتابعون على اعتبار ما يحدث في سورية حربًا، متجاهلين أن هذا التفسير الخاطئ سيقود بالضرورة إلى استنتاج خاطئ، وأن قياس المساحة الجغرافية التي تخضع لسيطرة النظام، أو تلك الخارجة على سيطرته لا يمثل أبدًا مؤشرًا على هزيمة الثورة، فالنظام خلال عامي 2011 و2012 وصولًا إلى بداية عام 2013، كان يسيطر على ثلاثة أرباع المساحة السورية، وكانت الرقعة الجغرافية الخارجة على سيطرته أصغر بكثير مما هي الآن، ومع هذا فقد كانت الثورة أقوى وأكثر انتشارًا، وكانت النظرة العالمية والإقليمية لها على أنها سوف تنتصر، لأن ثمة إصرارًا شعبيًا على استمرارها. ولكن منذ أن بدئ باستخدام مفردة “الحرب”، ولاحقًا الحرب الأهلية من قبل بعض وسائل الإعلام، ومسؤولي السياسة العالمية؛ قيست الثورة بمقياس الحروب، وسيؤدي طبعًا التدخل الروسي إلى تعزيز هذه النظرة، فروسيا، التي تملك القدرة التدميرية الوحشية، والتي تستطيع فرض هيمنتها العسكرية، دخلت كقوة عسكرية منظمة، على خلاف التدخل الإيراني الذي أخذ شكل المساعدة لوجستيًا وعسكريًا، عبر بعض الميليشيات والمرتزقة، ولم تكشف إيران عن وجهها، كقوة عسكرية موجودة على الأرض السورية، ربما حتى يومنا هذا. وهكذا أسفر التدخل الروسي عن تحوّل سورية إلى ساحة حرب كبيرة، حيث بدأت تُرى أعلام الجيوش بعد ذلك التدخل موزعة على عموم الجغرافية السورية، دون ضرورة للاختباء وراء شعارات من مثل حماية المدنيين أو مساعدة النظام، أي ما كان سائدًا قبيل تشرين الأول/ أكتوبر عام 2015، ولأن ساحة الحرب هذه أخذت بالاتساع شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا، وإن كانت غربًا وجنوبًا أقل بطبيعة الحال؛ كان لا بدّ لتلك الجيوش أن تثبت قدرتها وقوتها، وقد انتصرت الولايات المتحدة شرقًا وشمالًا، واستطاعت طرد تنظيم (داعش) من محافظة الرقة في زمن قياسي، بعد أن كان الأميركيون أنفسهم يقولون إن القضاء على تنظيم (داعش) قد يستغرق عشر سنوات، فيما لم تنجح روسيا في فعل ما فعله الأميركان على الإطلاق، فهي، ومعها على الأرض عشرات الآلاف من جنود الميليشيات الإيرانية بالإضافة إلى قوات النظام السوري، تلجأ دائمًا إلى الحل نفسه، للوصول إلى ما سوف تسميه انتصارًا، فهي تصب حممها الجوية على المناطق المدنية، ثم تصل إلى اتفاق، لا يخلو أبدًا من الخداع، تلعب فيه أطراف جانبية أدوارًا كبيرة، لتقول أخيرًا إنها انتصرت، كما حدث تمامًا في مناطق شرقي حلب، وهي تريد من خلال ما تصل إليه، من تهجير وإخلاء للمناطق، إثبات أنها قادرة أيضًا على فرض الانتصار، لكن من المؤكد أنها لن تستطيع ترك تلك المناطق مأهولة بالسكان، فهي تدرك أن نظام دمشق أضعف من أن يكون قادرًا على إدارتها، أو إعادة الحياة إليها، وهو بحاجة إلى استمرار الوصاية عليه كي يضمن بقاءه، وهذا الأمر تحديدًا لا تستطيع روسيا القيام به، فهو يحتاج إلى قدرات مادية وتنظيمية ولا يقتصر فقط على القوة العسكرية، وما تسعى لتحقيقه في الغوطة الشرقية مشابه تمامًا لما فعلته سابقًا.

لكن السؤال هو: هل يمكن إبقاء المدنيين مبعدين عن مناطقهم إلى ما لا نهاية، وخاصة أن بينهم آلاف المسلحين، الذين لن يلبثوا أن ينتظموا في جسم عسكري، سيعمل بالضرورة على استعادة مناطقه، وهو ما يعني أن لا شيء انتهى عسكريًا، ثم ألن تشكل إدلب، بكل ما تحويه من مدنيين وعسكريين، قنبلة قابلة للانفجار في أي لحظة، ما قد يجعلها قادرة على قلب المعادلة رأسًا على عقب، وفق المفاهيم العسكرية؟

المعادلة ليست مجرد انتصار عسكري على الإطلاق؛ ذلك أن صور أهالي الغوطة المهجرين والواصلين إلى إدلب وغيرها من المناطق، وهم يرفعون شارة النصر، ويؤكدون أنهم سيواصلون الثورة، ترسل رسائل مهمة، منها أن الحكاية لم تنته بعد، وهذه الرسائل ينبغي ألا يتجاهلها الدب الروسي الذي يسابق الزمن، ليثبت للأميركيين أنه قادر على الانتصار، وعليه ألا ينسى أبدًا أن جنوده رقصوا وشربوا الفودكا في شوارع كابول عاصمة أفغانستان، قبل أن ينقلب السحر على الساحر، وتُعاد جثامينهم إلى موسكو وقد تحولوا إلى رماد.

الثورة لم تنته بعد…

1 عدد الردود

التعليقات مغلقة