التسوية وإعادة الإعمار.. خلافات روسية إيرانية

 

على عكس محور المعارضة، بدا المحور الروسي – الإيراني – السوري، خلال سنوات الأزمة السورية، أكثر تماسكًا وانضباطًا، لكن مع التدخل العسكري الروسي في سورية، بدأت تظهر تباينات حول طبيعة الحل، تباينات تعكس مصالح ورؤية كل طرف استنادًا إلى موقعه الجغرافي؛ الأمر الذي يدفعنا إلى القول إن هذا المحور -وإن كان متوحدًا ومتراصًا أمام المخاطر- متباينٌ بشأن الحلول.

التسوية السياسية

التسوية السياسية هي أحد العناوين الرئيسية للتباين والاختلاف بين روسيا وإيران؛ ففي حين تصرح موسكو كثيرًا بأنها لا تدعم شخص الأسد، بقدر ما تدعم الدولة للحيلولة دون انهيارها، وأنها تدعم خطة دولية للتسوية لا تخلو من اختلافات، تبدو إيران حريصة على عدم إطلاق تصريحات تتعلق بالتسوية السياسية، لأن مبدأ التسوية بالنسبة إليها مرفوض، فهي تعتقد أن أي نوع من التسوية -مهما كان بسيطًا- سينعكس عليها سلبًا، على المستوى الاستراتيجي.

آخر بوادر الخلاف ظهرت في “مؤتمر الحوار الوطني” في سوتشي، وقد تبين ذلك، عندما اجتزأت وسائل الإعلام الإيرانية والسورية الرسمية البيان الختامي لمؤتمر سوتشي الذي نشرته وزارة الخارجية الروسية، فقد حذفت المقدمة والخاتمة من البيان، ما يوحي بأن طهران ودمشق غير راضيتين عن البيان الختامي، وهذا ما يفسر تخفيض النظام لمستوى تمثيله في المؤتمر.

من ضمن الخلافات الرئيسية، أن إيران والنظام السوري يريدان أن تخضع اللجنة الدستورية، من حيث المرجعية القانونية وآليات العمل واختبار أعضائها، للدستور المقر عام 2012، في حين قبلت موسكو بالشروط الغربية المتمثلة بخضوع اللجنة للأمم المتحدة، مقابل حضور دي ميستورا إلى سوتشي للمشاركة في المؤتمر.

هذه نقطة في غاية الأهمية، إن إصرار النظام السوري على اعتبار دستور 2012 هو المرجعية القانونية/ التشريعية، يعني أن عمل اللجنة وأهدافها لن يخل بالدستور القائم/ الحالي، وإن جرى تعديله، لكن خضوع عمل اللجنة الدستورية للأمم المتحدة يعني أن حدود الدستور الجديد ستكون ضمن تسويات كبرى، بين واشنطن وموسكو، وبطبيعة الحال لدى الأخيرة معطيات تجعل موقفها من التسوية لا يتطابق تمامًا مع دمشق.

من النقاط الخلافية أيضًا، أن دمشق ترفض خضوع المؤسسات الأمنية لمبادئ سيادة القانون وحماية حقوق الإنسان، بحسب نصوص الدستور والقانون، وتريد أن يكون عملها وفق القانون فقط. وبطبيعة الحال ثمة خلافات أخرى لم تظهر بعد على السطح، لكن مع تقدم العملية السياسية، تظهر مسائل أخرى محل خلاف.

إعادة الإعمار

أن يُعلن علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الإيراني علي خامنئي، أنه “لولا إيران؛ لسقطت الحكومة السورية خلال بضعة أسابيع”، فهذا يعني أن ثمة رسائل سياسية تريد طهران إيصالها إلى دمشق وموسكو.

ويمكن إدراج تصريح مستشار المرشد الأعلى الإيراني للشؤون العسكرية اللواء يحيى رحيم صفوي، ضمن هذا السياق: “لولا إيران؛ لما تمكن الروس من عمل شيء”، أو حين طالب النظامَ بتسديد الفواتير التي دفعتها إيران لبقاء النظام صامدًا. لكن أن يصل الأمر إلى شن إيران هجمات لاذعة على الأسد، وإن على مستوى الإعلام، فهذا أمر يتعدى الترميز السياسي.

صحيفة (قانون) الإيرانية شنت بشكل واضح هجومًا على الأسد: “ندفع ونتحمل ثمن تكلفة هذه الحرب، وفي نهاية الحصاد؛ يجلس آخرون لتقاسم الكعكة على المائدة، حقًا إن هذا ليس عملًا شريفًا، لذلك علينا أن نأخذ حقنا، ونتكلم عنه بصراحة، لأن الشعب الإيراني لديه حصته من هذا النصر في سورية”.

من بعد ذلك، شن موقع (تابناك) التابع للحرس الثوري الإيراني هجومًا، تحت عنوان “من المسؤول عن حذف وإقصاء إيران من عملية إعادة إعمار سورية؟ نحن أم بشار الأسد؟”.

ولم تكن مصادفة أن يتزامن الهجوم الإيراني، مع تقارير تؤكد توجه دمشق لمنح موسكو عقودًا كبيرة في ملف إعادة الإعمار، وبعد نحو ثلاثة أشهر من توقيع نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية والمغتربين في النظام السوري: وليد المعلم، مع نائب رئيس الحكومة الروسية ديميتري روغوزين، في نهاية تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، على بروتوكول الدورة العاشرة للجنة الحكومية السورية المشتركة، للتعاون الاقتصادي والتجاري والعلمي التقني، في منتجع سوتشي الذي يتناول مشاركة الروس في إعادة الإعمار في سورية.

صحيح أن إيران حصلت على عقود واتفاقات اقتصادية، تتعلق بمجالات النفط وشبكات الهاتف المحمول والمجالات الزراعية والحيوانية والصناعية، لكن هذه العقود تعدّ بالنسبة إلى طهران وسيلة، لتعويض جزء من الخسائر الكبيرة التي تكبدتها في سورية، ووسيلة لاسترجاع القروض التي منحتها طهران للنظام السوري، على شكل خطوط ائتمان، وكان آخرها فتح خط ائتمان في 2017 بقيمة ثلاثة مليارات دولار ونصف المليون.

إن أهم ما يلفت الانتباه في التصريحات الإيرانية هو أن الحرب الباردة، حول إعادة الإعمار، بدأت بشكل مبكر بين الحليفين، فالمعارك لم تضع أوزارها، والواقع العسكري قابل للانفجار في أي لحظة مع وجود الأميركيين؛ ما يعني أن ثمة اختلافات حادة داخل هذا المحور، حول من يريد الاستئثار بالكعكة السورية.

إن إعطاء دمشق الأولوية للروس في إعادة الإعمار يعود إلى اعتبارات عدة، أهمها:

حاجة دمشق الملحة إلى روسيا في المرحلة المقبلة، فبعد اقتراب المعارك العسكرية من الانتهاء، ينصب اهتمام المجتمع الدولي والولايات المتحدة على التسوية وتثبيت مناطق النفوذ داخل سورية، وروسيا وحدها القادرة على حماية النظام.

– كانت طهران، وما تزال، بحاجة إلى سورية أكثر من حاجة الأخيرة إليها، فسقوط النظام السوري يعني سقوط القوة الإيرانية في المنطقة، بحيث تصبح طهران دون أنياب إقليمية.

– تصلح روسيا أن تكون بوابة دولية لإعادة الأعمار، فمن خلالها يمكن إجراء تسويات مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، في حين لا تصلح إيران أن تكون بوابة لذلك.

– ضعف الاقتصاد الإيراني وتفشي البيروقراطية تحولان دون تمتع طهران بقدرة على تصدر ملف إعادة الإعمار.

1 عدد الردود

التعليقات مغلقة