عن “خطة السلام السورية” وواقعية الجيوبولتيكا

لم يكن الأول من نيسان يومًا للكذب، في العديد من دول العالم، سوى للتندر والتذكير بضرورة الصدق البشري وتاريخه، ففي حقيقة الأمر أن الفرنسيين، في عهد شارل التاسع في عام 1564، اعتمدوا التقويم الذي بداية العام فيه هو 1 نيسان/ أبريل، وتبدأ الاحتفالات به من 21 مارس/ آذار إلى غايته، إلى أن أتى الأب غريغوري الثالث عشر نهاية القرن السادس عشر، وجعَل 1 كانون الثاني/ يناير، أول أيام السنة الميلادية، ليبقى 1 نيسان/ أبريل مجرد كذبة أنه بداية عام تحث على الاحتفال والمرح فقط. لكن الغريب اليوم، في عالم بات متوحشًا ومتغولًا من أخمص قدميه حتى غلالة عنقه، أن تصبح كل أيام السنة السورية كذبةً مستمرةً، كذبة “الحل السياسي” المزعوم، كذبة “الدولة السورية الموحدة”، كذبة “الوطنية والديمقراطية”، كذبة أن المصالح العالمية السياسية والاقتصادية سوف تتوقف، عند الشرعة الدولية لحقوق الإنسان السوري خاصة والمنطقة عامة، عند أهمية تحول وطنهم إلى دول، لا إلى ممالك وسلاطين وديكتاتوريات عسكرية أو أنظمة متغولة، يبدو أنها تخدم مصالح العالم المتقدم أكثر من تحقيق الدولة الوطنية، بحقوقها وتوضعاتها السياسية والفكرية والقانونية.

اليوم يشرف المشهد السوري على الاكتمال بخارطته الجيوبولتيكية التي رسمت، قبل ما يزيد عن عامين، بتوافق روسي أميركي في خلفية المشهد، وبروز الدور المتغول للنزعة البوتينية المفرطة في الدموية في معادلة العالم، وليس فقط، بل حين يشاركه في الأمر أمراء المنطقة الإقليمية، بنزعاتهم الجيوسياسية والتموضع على أساس تقاسم النفوذ، في بلدٍ بات لا يعلم يوم صدقه من كذبه، من شدة المكر والدهاء العالمي فيه. ففي خلفية المشهد السوري اليوم عدة نقاط بارزة:

  • العمليات التركية في الشمال السوري تشرف على إتمام خططتها التي بدأتها في عمليات (درع الفرات) في جرابلس، وصولًا إلى الباب شمال حلب، مقايضة إياها بمدينة حلب 2016، وبأخذ عفرين مقابل غض النظر عما يجري بالغوطة الشرقية اليوم، فماذا سيكون مقابل منبج في الأيام القادمة؟
  • إيران الفارسية تكمل حلقات التفافها حول دمشق وفي داخلها، وتتمدد في جنوبها الغربي، كما فعلت في بيروت قبل عشرات الأعوام في الضاحية الجنوبية، وتتمدد غربًا في القلمون الغربي وصولًا إلى القصير، واليوم تكمل حلقاتها شرق دمشق في الغوطة الشرقية منه.
  • بينما يبقى شرق الفرات تحت تصرف القوات الكردية التي تتحول من قوات عسكرية عرفت بـ (قوات سورية الديمقراطية) مدعومة من أميركا، إلى ما يسمى بسورية الجديدة سياسيًا، ويبدو أن الفرنسيين هم سيتولون أمرها اليوم.
  • وتبقى الحدود العراقية الأردنية مع سورية أماكن رعاية دولية، تحت إشراف الأميركيين أنفسهم، ومحط نزاع على المنافذ بينهم وبين الإيرانيين والروس الراغبين في وصل بغداد بدمشق، مرة عبر البوكمال وأخرى عبر التنف، لتكتمل حلقات نفوذهم داخل سورية وصولًا إلى البحر المتوسط؛ ما قد يثير عدة نزاعات قادمة مع الأميركيين في قريب الأيام.
  • روسيا البوتينة هي الأداة المنفذة بقوتها العسكرية وغطرستها الجوية وحلمها بالعودة لموقع الريادة العالمية كقطب ثان عالمي.. هي من دخلت سورية عسكريًا، منذ الثلث الأخير لعام 2015، بتوصية مراكز بحثها بتبني نظريات السياسة الرابعة المتمحورة على تعزيز وتنفيذ نظريات السياسة الرابعة في الجيوبولوتيك خاصة مركز (كاتخيون) للدراسات، وعلى رأسه ألكسندر دوغين الأب الروحي لبوتين. روسيا تنفذ الخارطة العسكرية في تهجير سكان المناطق الداخلية السورية، والقضاء على ثورة شعبه وتحويله إما إلى مهجّر أو مقتول، وحشره في منطقتي إدلب شمالًا ودرعا والقنيطرة جنوبًا…. وها هي الغوطة الشرقية اليوم تتبع إثر الغوطة الغربية وحلب وحمص سابقًا، بالأدوات نفسها.

بالعودة إلى العمق في المشهد السوري، وتقاطع الدوائر والمصالح الأممية والجيوبولتيكية فيه، برزت في عام 2015 دراسة لمركز (راند) الأميركي تحت عنوان “خطة سلام من أجل سورية”، وبدأ بترجمتها السيد خليل حاج صالح وأتمها، ونشرها (مركز حرمون للدراسات المعاصرة)، في 11 تموز/ يوليو 2016. تستند الخطة إلى تقسيم سورية إلى مناطق آمنة، كأساس للاستقرار والحل فيها، فتقول الدراسة: (إن أفضل الآمال من أجل وقف المقتلة السوريّة، هو القبول بمناطق مُتفّق عليها، تأخذ في حسبانها التقسيمات الإثنو-طائفية، والخطوط الحالية للمعركة)، وهذه المناطق هي: منطقة سيطرة النظام من الساحل السوري إلى دمشق، ومنطقة كردية شرق الفرات، ومثلها شمال غرب سورية، ومنطقتان منفصلتان كلية تحت سيطرة المعارضة السورية المسلحة، واحدة في الشمال السوري في إدلب وشمال حلب، والثانية في الجنوب السوري. وستدار هذه المناطق بالمسيطرين عليها من قوى الأرض، على أن تضمن كل من روسيا وإيران التزام النظام، وتركيا والأردن التزام المعارضة، وأميركيا التزام الأكراد، لتبقى منطقة (داعش) الشرقية تحت الوصاية الدولية، بعد طردها منها.

وقد طرحت الخطة أيضًا، مناطق ضرورية للتبادل بين كل الأطراف، بغية منع وجود خطوط تماس مباشرة بينها، وهذا ما يبدو واضحًا لليوم في المشهد المشار إليه أعلاه. وتشير الخطة أيضًا إلى اعتراضات محتملة، من خلال أن يسمح هذا التقسيم بعمليات تطهير عرقي وإثني، في مناطق عدة من سورية خاصة الأقليات، إلا أن وجود ضامنين لهذا الحل من جانب، ووضعه كبديل مقارن لاستمرار الاقتتال الداخلي الذي يجيز ديمومة القتل في سورية وتقسيمها بالنتيجة، جعل من هذه الخطة محط اهتمام ورعاية على ما يبدو في الكواليس المخفية للسياسة الدولية.

كما اقترحت الخطة عددًا من التوافقات حول شكل الحكم في سورية، تباينت بين لامركزية محدودة، أو مخففة إلى مركزية تماثلية بصلاحيات جزئية ومحدودة للرئيس فيها، بحيث تخفف من النقاش السياسي في أي مفاوضات مزمعة، من سياقها الرأسي المتعلق بكرسي الرئاسة إلى سياق أفقي يتعلق بشكل الحكم، والذي يبدو أنه مشروع عمل سياسي قادم، قد تقوده أوروبا بدلًا من كل من روسيا وأميركا تخفيفًا لوطئته العسكرية، وربما لإضفاء روح الفكاهة على المشهد الدموي السوري أيضًا.

المشهد السوري اليوم يُظهر بوضوح مدى تفاهم الدول الكبرى، على تنفيذ هذه الخطة بحذافيرها، تحت زعم أنها “خطة سلام” رغم تباين مصالحها فيه، بينما بالحقيقة هي كذبة نيسان المستمرة منذ أعوام على وجدان الشعب السوري ومصيره ووجوده، هي عودة الجيوبولتيكا العالمية لرسم السياسات الدولية، وإعادة تقاسم نفوذها العالمي تحت شرطين:

  • توازن الرعب العالمي النووي الذي يحد من إمكانية تصادم القوى العالمية بشكل مباشر بينها، ما يفتح المجال لإمكانية أن تبلعم دولةٌ كبرى دولةً صغرى، كما فعلت أميركا ذات يوم، في العراق وروسيا وحلفائها اليوم في سورية.
  • ضرورة ألا تقوم دول وطنية في منطقة الشرق، وبالضرورة إيقاف وبتر الربيع العربي، وقطع عنقه في سورية، ما يفسر حجم الكارثة العالمية في أخلاقها الديمقراطية والقانونية وحجم الدم السوري المراق كل يوم فيها..

يبقى القول إن كذبة الحل السياسي السوري ليست سوى واقعية الجيوبولتيكا القذرة، فهل يمكن لها أن تمضي إلى آخر خطوطها؟ سؤال سياسي مرهون بمتغيرات عدة أهمهما أن سورية عام 2011 لليوم ليست العراق عام 2003، حيث لن تسمح المساحات الجيوبولتيكية الأميركية للقوة الروسية الاستفراد بسورية كلية، كما فعلت هي في العراق سابقًا، فحيث إن الروس يمكنهم تثبيت نصر عسكري على قوى الثورة السورية، واستعادة مكانة لهم في الموقع العالمي، لكن لا يمكن السماح لهم الاستفراد بقرار سورية المستقبلي سياسيًا حتى لا تشكل قطبًا منفردًا عالميًا بذاته. فإن لم تتشكل بعد النواة الوطنية المتكاملة لمواجهة الروس وحلفائها؛ فإن كلًا من الأميركيين والأوربيين لن يسمحوا باستكمال الدوائر الجيوبوليتيكية الروسية وإحكام إغلاقها، لذلك كانت موقعة سوتشي مجرد مهزلة سياسية دولية، ستفرض على جميع الأطراف لاحقًا العودة إلى جنيف، وإن لم تكن جنيف، بما تمثله بمرجعية للحل السوري كاملًا، فسيكون في أي مدينة كبرى عالميًا، تبحث في حلول جزئية جيوبوليتيكية، في نموذج يحاكي مجريات البلقان في التسعينيات من القرن الماضي، وقد يكون أسوأها تقاسم النفوذ داخل سورية، وأفضلها تفهم الروس إمكانية إجراء تغيرات جزئية في بنية النظام، خشية الانزلاق إلى معادلات الحرب الباردة أو الساخنة قصيرة الأمد أو الطويلة مرة أخرى مع (ناتو)، بالرغم من تفاهمهم المضمر في تنفيذ المخطط الجيوبولتيكي أعلاه.

إنه الرعب العالمي يبث حضوره في سورية اليوم، ويبدو أن التاريخ، إلى اليوم، مجرد كذبة مفادها أن حقوق الدول والشعوب مجرد لعبة بيد المصالح العالمية وفقط؛ ما لم تعِ شعوبها ضرورات العمل وفق ثوابتها الوطنية ومقوماتها الذاتية.