فتاوى التترس بالأبرياء

 

نُتّهم نحن، الذين نكتب في السلم والسلام، بالسذاجة والدروشة في قراءة هذ العالم، فهذه الأفكار البليدة لا تصلح إلا للأديرة والرهبنة، وهي في المفهوم السياسي لون من العبث، وهي أسرع طريقة لاستعداء الطرفين الوالغين في الحرب، وستتلقى على الفور سيل الاتهام الجارف من الفريقين، ولن تجني طائلًا.

بعضهم يقول إن الحديث عن السلام ضروري ومهم، ولكن ليس الآن، فنحن في حالة حرب، وعلينا الآن أن نتحدث عن الجهاد والقتال والعنف، وسيأتي وقت مناسب للحديث عن السلام والورود وزقزقة العصافير.

أما الفتاوى التي تدعو إلى وقف الحرب على منطق {لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك. إني أخاف الله رب العالمين}، فهي فتاوى ساذجة درويشة لا تنهي حربًا ولا تنهي صراعًا، وهي مجرد دراما حالمة، لا مكان لها في صراع الوجود الذي نعيشه. ولكنني أعتقد عكس ذلك تمامًا، فما جدوى الحديث عن السلام، بعد أن تنتهي الحرب وتأكل الأخصر واليابس، وتدمّر الحرث والنسل؟!

الحديث عن السلام له قيمته ووزنه، حين نتحدث عن السلام، وقت الحرب، وحين تواجه بشجاعة آلهة الحرب وشياطينها الذين لا يبالون بدمار الدنيا، من أجل هدف سياسي. ولعل أبزر التناقضات التي تابعها الناس، في هذه الأيام القاسية في المحنة السورية، ولا سيّما في غوطة دمشق، هي فتاوى التترس، ومع أن التترس، بالمعنى الذي نشاهده اليوم، لم يمكن تصوره من قبل، وكان التترس بالأبرياء يعني إمساك الناس ووضع السيف على رقابهم، وهو أمر كان نادر الحدوث بهذا المعنى، أما التترس اليوم، فقد بات جزءًا لا يتجزأ من الحرب، وقد لجأ المحاربون في سورية إلى المدن والقتال فيها، وبات ملايين الناس الذين يعيشون في مناطق الصراع هدفًا لآلة الحرب المجنونة.

وفي أسوأ صورة من الفتاوى، يمكنك أن تقرأ فتاوى التترس، وهي تلك الفتاوى التي تجيز للحاكم أن يقتل الأبرياء، إذا تترس بهم العدو، سواء أكان هذا العدو كافرًا أم مسلمًا، وسواء أكان الأبرياء أهله وأطفاله أم أسرى المسلمين.

يتمسك الفقيه هنا بقتال الخارج على الدولة، ولو كان في حي مدني، وأن الناس -وإن كانوا أبرياء- يدفعون ثمنًا لا ذنب لهم فيه، ولكنهم يذهبون للآخرة، ويُبعثون على نياتهم، ويكفي أننا ندعو الأمهات للإنجاب من جديد، حيث سيتم وضع الشهداء في أيقونات جليلة، وسيكونون في ضمير الأجيال الآتية!

طبعًا، هذا قبل ابتكار السلطة لفقه جديد اتهامي إجرامي، يتم فيه تجريم الأبرياء، بشكل مباشر ملتوٍ تحت عنوان: حاضنة الثورة.

وفي هذا السياق المشؤوم، فإن مفتي الدولة الشيخ أحمد حسون صرّح، في حديث متلفز ومصور، بأن التترس لا يوجب وقف القتال، وناشد الجيش والمقاتلين فيه أن يبادروا إلى مطاردة كل مسلح، وبأن البلد الذي يأوي إليه مسلح يجب أن يباد بمن فيه عن بكرة أبيه!

ليست فتوى الشيخ حسون جديدة أو مستحدثة، بل هي خطاب المفتين الانفعاليين، في كل حرب، ومن المؤسف أنك لا تجد في كتب الفقه الشائعة إلا هذا اللون من الفتوى! ومن المؤسف، ونحن في القرن الحادي والعشرين، أنّ موقع (إسلام ويب) الذي هو أشهر مواقع الفتوى في العالم الإسلامي، وأكثرها خبراء ومفتين وموظفين، وأكثرها انتشارًا خاصة بين فصائل الثوار في سورية، يختار في فتوى التترس أنها جائزة ومشروعة، وأن الإمام (الدولة) يحق له أن يقتل المتترس والمتترس به، مهما كان عددهم وعدتهم، وذلك لتحقيق انتصار الدولة على الخوارج والبغاة.

“اتفق الفقهاء على أنه يجوز رمي الكفار؛ إذا تترسوا بالمسلمين وأساراهم أثناء القتال أو حصارهم من قبل المسلمين، إذا دعت الضرورة إلى ذلك، بأن يكون في الكف عن قتالهم انهزام للمسلمين، والخوف على استئصال قاعدة الإسلام. ويقصد بالرمي الكفار..

وذهب المالكية إلى أنهم يقاتلون، ولا يقصدون المتترس بهم، إلا إذا كان في عدم رمي المتترس بهم خوف على أكثر الجيش المقاتلين للكفار، فتسقط حرمة التترس، سواء أكان عدد المسلمين المتترس بهم أكثر من المجاهدين أم أقل، وكذلك لو تترسوا بالصف، وكان في ترك قتالهم انهزام للمسلمين.

وإن تترس الكفار بذراريهم ونسائهم، جاز رميهم مطلقًا عند الحنفية، وهو المذهب عند الحنابلة، ويقصد بالرمي المقاتلين، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- رماهم بالمنجنيق ومعهم النساء والصبيان. ولا فرق في جواز الرمي بين ما إذا كانت الحرب ملتحمة، وما إذا كانت غير ملتحمة، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكن يتحيّن بالرمي حال التحام الحرب”.

وهكذا؛ فقد جمع لنا فقهاؤنا المعاصرون عصارة ما كتبه الفقهاء، وقدموها على طبق من ذهب للاستبداد المتوحش، ليمارس القتل كما يشاء دون أن تصيبه وخزة ضمير!

لا أدري كيف تمر هذه الثقافة، أمام النصوص القرآنية الكثيرة في حرمة الدم! {من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا}، و(من قتل نفسًا بغير حق لقي الله مكتوبًا بين عينيه: آيس من رحمة الله).

وهي ثقافة تحترم الروح الإنسانية، ويلتقي فيها العقل بالقانون بالمنطق بالإنسان، وقد عبر عنها عمانويل كانت بوضوح: “لو كان خلاص العالم بقتل طفل بريء؛ فسيظل هذا العمل غير أخلاقي”.

يتم اليوم تدمير مدن كاملة على رؤوس أصحابها، بفتاوى التترس، ويشار إلى الأبرياء تحت الأنقاض في علم الحرب، بأنهم تفاصيل هامشية، أما في علم الفقه فيشار إليهم بأنهم يبعثون على نياتهم، ويتقدمون إلى مصايرهم في الجنة، ولا يعسر بعد ذلك توفير مجموعة من الشيوخ، يطلون على وسائل الإعلام، ليقوموا بتبرير ذلك كله بنصوص مباشرة من الكتاب والسنة، على أساس أن ما جرى هو قتال الخوارج الذين أمرنا بقتالهم في الإسلام.

من المؤسف القول إن تدخل الدين في الحروب كان سلبيًا بشكل مستمر، واليوم في الكارثة السورية، هناك صفان متقابلان من رجال الدين، تخرجوا من المعاهد ذاتها، ودرسوا على أيدي الشيوخ أنفسهم، وأخذوا من الأئمة نفسهم، وقرؤوا الكتب ذاتها، واهتبروا فيها وعلموها على المنابر، وحين تقرأ فتاواهم المتناقضة، سيرعبك أنك تقرأ الفتوى نفسها بالأدلة ذاتها والنصوص ذاتها والأئمة أنفسهم، والحكم المستخلص في النهاية هو واحد، وهو وجوب الجهاد والإثخان في الأرض وثواب المقاتلين وفضل الشهداء ومنازلهم عند الله.. ولكن الخلاف فقط هو في اتجاه البندقية!

قناعتي أن المسألة في النهاية قناعة قلب وروح، وأن النص كله، حتى القرآن الكريم، حمّال أوجه، وأن استخدام النص الذي نزل في ظرف مخصوص وزمن مخصوص وأشخاص مخصوصة للحكم على التاريخ والمستقبل، فيه لون من البغي لا يستقيم معه منطق ولا حوار.