مقالات الرأي

الناجون السوريون

يُقِّدم لنا الناجون السوريون الدرس المزدوج نفسه الذي قدّمه الضحايا السوريون؛ فمن جهة أولى، تعلمنا منهم الدرس المجيد في عظمة الحرية والكرامة التي خرج الشعب السوري يريدها على الملأ، ومن جهة ثانية، تعلمنا عدم الخوف من انحطاط الاستبداد الذي لا قعر له. فقد كان من المُفترض أن يؤدي التمادي في قتل السوريين وتدميرهم إلى تنكرهم للحرية والكرامة وإغراقهم في الخوف من جديد، ولكن السوريين كذّبوا وهم هذه الافتراضات، وزادوا من إصرارهم على الحرية والكرامة وعدم العودة إلى “جمهورية الخوف”.

الناجون السوريون هم ناجون بالمصادفة أساسًا، لا نتيجة فعل هادف لإنقاذهم، وهذا مما يثبت تفاهة العالم الحالي. وهم ضحايا أيضًا، برسم وجع الذاكرة وعذاب الضمير من هول ما مرّ عليهم وعلى أحبائهم وممتلكاتهم. كلاهما، الناجون السوريون والضحايا، أكبر دليل على أكذوبة “حق الدفاع عن النفس” بلا القوة؛ ذلك الحق المجرد الذي أقرّته الأديان السماوية والأرضية والمواثيق الدولية والقوانين الوضعية والدساتير المختلفة. فبالرغم من إقرار حق الدفاع عن النفس، وبالرغم من تعدي هذا الحق، من الدفاع عن النفس الفردية إلى الدفاع عن “النفس الجماعية”، والدفاع عن العرض والأرض والدين والملكية… فإن الناجين السوريين كانوا عاجزين عن الدفاع عن أنفسهم، أمام جبروت القوة الغاشمة واللاأخلاقية.

وقد ترافقت مع هذه القوة المفرطة أيديولوجيتان اثنتان: الأولى أيديولوجيا فقهية صمّاء وبروباغندا إعلامية تقول إن حق الدفاع عن النفس ممنوع حتى بأدنى درجاته؛ فتتحول، وفق هذه الأيديولوجيا، الضحية إلى جلاد. والثانية أيديولوجيا ثورية تطالب بالدفاع عن النفس، من دون أخذ فوارق موازين القوى بعين الاعتبار، والمطالبة بالصمود حتى آخر نقطة دم؛ فتتحول، وفق هذه الأيديولوجيا، التضحية إلى عبث.

لقد عايش الناجون السوريون حالات حديّة، تنعدم إزاءها قدرتهم على الدفاع عن النفس. فمن ذا الذي سيدافع عن نفسه، أمام التدمير المنهجي الذي يقوم به النظام السوري مع روسيا وإيران!

ومما لا شكّ فيه أنَّ واقعة انعدام القدرة على الدفاع عن النفس واقعة قديمة قدم الطوفان، ولا تقتصر على الناجين السوريين فقط، ولكن الناجين السوريين يعيشون حالات حديّة، تتقافز بين حدي الموت والنجاة بكثرة يوميًا.

وكون هذه الواقعة واقعة قديمة وعامة؛ فقد تطرق لها دين الله الواحد، في اليهودية والمسيحية والإسلام منذ القدم، وناقضها من خلال تأكيده على حق الدفاع عن النفس، واشتقاق فكرة أن الله دائمًا أكبر من جبروت السلطة التي لا بدَّ أنْ تنهار في النهاية. ولكن الدين المُطمئن للنفوس العاجزة، وفق أصحاب الأيديولوجيا الدينية، لا يسعى إلى تعديل قوّة الأفراد والجماعات السياسية لتوازي قوّة السلطة المُدمِّرة، وتستطيع بالتالي، بمثل هذا التعديل، أنْ تدافع عن نفسها، بل تركَ المسألةَ للإيمان بالفرج، والصبر على المأساة، والتسبيح بحمد الله.

هكذا، فإن الناجين السوريين يمتازون بكونهم يحملون أيديولوجية غير قابلة للدحض والتكذيب، رغم أنف وقائع هزيمة هذه الأيديولوجيا أولًا، وهي أيديولوجيا ترمي هزيمتها إلى مسائل خارجة عنها، كالمؤامرة وخذلان المجتمع الدولي وتدخله بغير صالحها ثانيًا، ثم تستكين هذه الأيديولوجيا إلى صواب “مشروعها”، بالخروج عن الزمان والمكان وموازين القوى، لتعود فتكرر المشروع نفسه في أي لحظة ثالثًا.

لا لوم على الناجين أبدًا ولا عتب. فكم من الناجين اشتهى الموت ولم يحصل عليه، أمام العذاب الجسدي والروحي الذي يتعرض له في أقبية التعذيب! وكم من الناجين قال بينه وبين نفسه لو أنني مكان فلان أو فلان؛ لضحيت بنفسي بدلًا منه! وكم من الناجين حسد الضحايا الذين ماتوا على موتهم، وتمنى أن يكون مكانهم! فقد بات الموت، بوصفه نجاةً من التعذيب والتدمير والإذلال، أمنيةً بخلاف حب الحياة والسعي للنجاة عندهم. أجل، لا لومَ على الناجين ولا عتبَ أبدًا؛ لأن نجاتكم أغلى من الغوطة، وحياتكم أغلى من الجغرافيا السياسية، بل قل أغلى من سورية نفسها.

إن حق الدفاع عن النفس مشروطٌ بالقدرة على استعمال القوة. إذن، ﻻ حق في الدفاع عن النفس إلا بمقدار ما نملك من قدرة على استخدام القوة؛ أي أن علينا بناء القوة قبل بناء الحق. فقد كافح مؤخرًا كلّ سوري في الغوطة الشرقية، من أجل النجاة، بقدر استطاعته وبقدر ما له من قوّة، ولكن يبقى الفارق كبيرًا جدًا، بين قوة المكافحين وقوة المهاجمين؛ ولهذا كانت نجاتهم مصادفة سعيدة ومهمة.

احذروا العزلة، أيها الناجون السوريون، فإنها تقودكم إلى تكرار الصيغة الإسلامية نفسها في الفصائلية القابلة للإيجار، كما في حلم “الدولة الإسلامية الإمبراطورية” المضاد للوطنية السورية، وكذلك في إدارة التوحش ونظام الحِسبة، فهذه هي الصيغة التي انهزمت للتو، واندمِجوا بالعالم علّكم تتجاوزن الصيغة المهزومة إلى صيغة جديدة قابلة للحياة، وابنوا القوة تدريجيًا، قبل أن تبنوا الحق وتستجدوا العالم بالمظلومية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق