تحقيقات وتقارير سياسية

قلق غوتيرس المستمر وقلق السوريين

استطاع السوريون في صمودهم، أمام الوضع الكارثي الذي عانوه خلال الأعوام السبعة الماضية، أن يضعوا كافة المواثيق الدولية تحت المجهر، والوصول إلى نتائج يمكن اعتبارها حقائق، ومنها وضوح الخلل في هيكلية الأمم المتحدة ونظامها، وترهلها وعجزها عن قيامها بالدور المنوط بها خلال الأزمات.

قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، يوم أمس الأربعاء، إنه تواصل مع مندوبي الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، مناشدًا إياهم “العمل على عدم خروج الوضع في سورية عن السيطرة”، بعد التلويح بضربة عسكرية لنظام الأسد وميليشياته، على إثر فشل مجلس الأمن بتحمل مسؤولياته، ردًا على قصف نظام الأسد مدينة دوما في الغوطة الشرقية، بالسلاح الكيميائي.

الطرح الذي تقدّم به غوتيرس يدفعنا إلى طرح سؤال: هل كان الوضع في سورية، خلال السنوات السبع الماضية التي نزفت فيها البلاد كل ذلك الدم، تحت سيطرة دولة أم عصابات، استقدمت كل شذاذ الآفاق في العالم؟! وما معنى السيطرة المراد الحفاظ عليها، في وقتٍ عجزت فيه كافة منظمات الأمم المتحدة، عن إنقاذ طفل سوري واحد، وعن إدخال علبة حليب أو حبة دواء إلى منطقة محاصرة، وما زالت تطلب من روسيا وإيران المساعدة.

كما تتبادر إلى الذهن أسئلة أخرى، تتعلق بفهم المنظومة الدولية للسيطرة: هل هي عملية القدرة على تجويع الأهالي وترحيلهم عن بيوتهم قسرًا، أم هي القدرة على قتلهم واعتقالهم، أم الحفاظ على ميليشيات إيرانية تلتهم الأرض السورية، مع تغاضي دول العالم عنها؟ أم أن السيطرة هي تمكين الطيران الروسي في اختبار أسلحته عبر الأجواء السورية، وتثبيت أطماع موسكو التي وثقتها عبر حزمة من الاتفاقات على القواعد العسكرية، وفي آبار النفط والمناجم والمرافئ وغيرها؟

يذكر أن غوتيرس قال في 2013، عندما كان يشغل منصب المفوض السامي لشؤون اللاجئين: “قد تكون سورية على حافة الهاوية، وقد أدت هذا الحرب إلى كارثة إنسانية، لا مثيل لها في التاريخ الحديث، وعندما تجتاح الحرب أمة، ليس هناك شيء أكثر أهمية لشعبها من فتح الحدود”.

كما أعاد غوتيرس التأكيد في 2014 على التوصيف ذاته، بأن سورية أصبحت “أسوأ كارثة إنسانية على مرّ التاريخ”، وأوضح أن معاناة الشعب السوري “أمرٌ لم يكن باستطاعتنا توقعه قبل عدة سنوات”.

أشار غوتيرس في 2016، قبيل استلامه منصبه كأمين عام للأمم المتحدة، إلى أن الأمين العام يخضع لسلطة التوازنات بين الدول الخمس، صاحبة القرار الحاسم في مجلس الأمن، وطالبها -حينئذ- بأن تضع حدًا لـ “النزاع”، إذ من دون دعم خارجي “لن يستطيع السوريون مواصلة الحرب إلى الأبد”.

لا يمتلك السوريون بين أيديهم شيئًا ملموسًا، في سجل غوتيرس أو المنظومة الدولية، يشير إلى نيتهم تقديم يد العون للسوريين. السيطرة والقرار على الأرض هي لروسيا وإيران، وما زالت حتى الآن مناشدات العالم تتجه إليهما، بالضغط على نظام الأسد للسماح لمنظمات الأمم المتحدة بالعمل.

عندما صدر أخيرًا القرار الدولي 2401، بشأن الوضع الإنساني في الغوطة الشرقية، أكد الأمين العام، في تقرير أمام أعضاء مجلس الأمن، أن القرار لم يُطبق، وأن الوضع في سورية “قاتم”، وأشار إلى “ضرورة أن يكون إجلاء المرضى والجرحى أمرًا ممكنًا، وأن يكون رفع الحصار ممكنًا، وتسريع العمل الإنساني ممكنًا”، ولفت إلى أن المأساة في سورية “تدخل عامها الثامن”، وهو يحدوه الأمل في أن “تقوم من الرماد”.

أفاد غوتيرس في تقريره أنه “في عام 2017، قُتل أكبر عدد من الأطفال في سورية، مقارنة بأي عام آخر منذ بدء الحرب”، ليؤكد أن “الضربات الجوية والقصف والهجمات البرية اشتدت، على إثر اعتماد القرار 2401، وأزهقت أرواح المئات من المدنيين”.

تفاجأ السوريون والمتابعون بالسماح لسيارات الصليب الأحمر الدولي -على الرغم من أن الوضع في الغوطة كارثي- بمرافقة رأس النظام بشار الأسد، لاستعراض نفسه على آلام السوريين، بأنه المسيطر على الأرض، لكن منظمات الإغاثة لم تستطع إيصال القليل من موادها، وهنا مكمن السؤال عن مفهوم السيطرة وتعريفها، من وجهة النظر الأممية.

لا أحد من السوريين يرغب في أي حرب، سوى نظام الأسد الذي امتهن الحرب والجريمة، منذ سيطرته على السلطة، ويعيش على الخراب كداعميه، وهو وحده من أتيحت الفرصة له، بدعم دولي، للسيطرة على الأرض عبر المرتزقة، فهل يعني قلق الأمين العام بخروج الوضع عن السيطرة، العملَ على الحفاظ على تلك السلطة التي دمّرت سورية، ودعم خططها بالسيطرة على بقية المناطق، بعد تجويع أهلها وقصفهم بالسموم ثم ترحيلهم عن بيوتهم، أم العمل على تمكين السوريين من إعادة السيطرة على بلدهم، من خلال تثبيت القانون على الأرض، لا تثبيت الجريمة المنظمة والمغطاة أمميًا!

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق