ساعة حمص.. منارة ثورة

إنها حمص، حيث الساعة الشاهدة على سيرة الأوطان كيف تُكتب، هناك في عاصمة ثورة الكرامة، كان لسيرة الوطن حكايات وحكايات، ستروى على مسامع أجيال كمواثيق انتماء، ومشاعل أمل، وتراتيل صلاة عيد، وذكريات بلاد انبثقت أركانها من خلف ألف ظُلمة وظلمة، حين ستدور ساعة الحرية لتزف مواعيد اللقاءات الممهورة بنبض الحياة في ساحتها.

في ذلك اليوم المشبع بنسمات حمص وأناقة أهلها، يوم الثامن عشر من نيسان عام 2011، كان الموعد الذي حفره أبناء حمص ومعهم السوريون في ذاكرتهم، على دوران عقرب ثواني ساعة حمص، إذ تقاطر شباب المحافظة من كل اتجاه إلى موعدهم، بأعداد من الصعب إحصاؤها لكنها بالتأكيد كانت بالآلاف، حيث امتلأت الساحة بالهامات المرتفعة، وامتلأت بالمقابل عيون السوريين المترقبة، أمام الشاشات التي نقلت الخبر، بريقًا مزج الأمل بالقلق وحبس الأنفاس.

في الساعة الثانية عشر ليلًا، جاء أمرُ قصر نظام الأسد في دمشق، بفضّ الاعتصام حالًا أو تحمل العواقب، غادر عدد من المعتصمين وبخاصة النساء، وبقي آلاف آخرون، عُدّتهم الصبر والأمل في ساحة مدينتهم، وهم يدركون كيف كانت أنياب الوحش تنغرز في جسد السوريين المطالبين بحريتهم، على مدى شهر بالتمام والكمال قبل هذا الاعتصام، يوم انطلق الرصاص كالوباء باتجاه أجساد المعتصمين، أمام المسجد العمري في درعا.

قالت (اللجنة السورية لحقوق الإنسان)، في تقرير حول ما جرى في حمص: “في حوالي الساعة الثانية صباحًا، تحدّث أحد مشايخ المدينة عبر مكبرات الصوت مع المعتصمين، وأكد أن المنظمين تلقوا تطمينات من (القصر الجمهوري)، لترتيب لقاء لتلبية مطالب المتظاهرين”، وتابعت اللجنة: “بعد انتهاء كلمته مباشرة، قام مئات العناصر من الفرقة الرابعة في الحرس الجمهوري والمخابرات الجوية، باقتحام الساحة، وبدؤوا إطلاق النار على المعتصمين الموجودين في الساحة”.

أفادت منظمة (هيومن رايتس ووتش)، في تقرير على موقعها الإلكتروني، نقلًا عن أحد الجنود المنشقين قوله: “كان المتظاهرون قد جلسوا على الأرض في الميدان. قيل لنا أن نفرقهم باستخدام العنف، إذا لزم الأمر. كنا هناك ومعنا قوة من القوات الجوية والجيش والشبيبة (مناصرين مسلحين للحكومة لا ينتمون إلى قوات الأمن)”.

أضاف الشاهد: في الساعة الثالثة والنصف صباحًا، من فجر يوم 19 نيسان/ أبريل 2011، “وصلَنا أمرٌ من العقيد عبد الحميد إبراهيم من أمن القوات الجوية، بإطلاق النار على المتظاهرين. أطلقنا النار لأكثر من نصف ساعة؛ وقع العشرات من القتلى والجرحى. وبعد ثلاثين دقيقة، وصلت عربات إطفاء وأوناش (رافعات)، ورفعت الأوناش الأجسادَ ووضعتها في شاحنة، ولا أعرف إلى أين أخذوها. انتهى المطاف بالمصابين إلى مستشفى عسكري في حمص، ثم بدأت عربات الإطفاء تنظيف الساحة”.

أكد أحد المعتصمين الذين ظلّوا مختبئين حتى الصباح، في أحد الأبنية بشارع الدبلان القريب، أنه “بعد انتهاء قوات الجيش والأمن والشبيحة من تفريق الاعتصام ورفع الجثث، تجمّعوا في وسط الساحة، وقاموا بالهتاف للرئيس، وهم بسلاحهم الكامل”.

أوضحت (اللجنة السورية لحقوق الإنسان)، أنه لا يمكن لأحد أن يعرف عدد الضحايا في ساحة الساعة بشكل دقيق، وذلك لأن قوات الأمن “اعتقلت عددًا كبيرًا من المشاركين، وسحبت جثث القتلى من الساحة، وبالتالي؛ فإن الأهالي لم يعرفوا أكان أبناؤهم من القتلى أم من المعتقلين”، ولا توجد في ذلك الحين وسائل للتوثيق، كونها من “أوائل المجازر التي شهدتها سورية خلال الاحتجاجات الشعبية”، لكن من المرجح أن الضحايا كانوا بالمئات، حيث هدف نظام الأسد إلى ترويع السوريين من خلالها.

وفق تقارير إعلامية وثقت بعض التفاصيل، فإن عدة مناطق في محافظة حمص كانت قد شهدت تظاهرات كبيرة، في يوم الاستقلال في 17 نيسان/ أبريل، على إثر مجزرة ارتكبتها قوات نظام الأسد في بلدة تلبيسة، قبل ذلك التاريخ أيضًا بيوم، أي في 16 نيسان/ أبريل، حين أطلقت النار على آلاف المشيعين، فسقط عدد جديد من الضحايا على الطريق الدولي، الأمر الذي أدى إلى زيادة الاحتقان والغضب بين أبناء المحافظة على ممارسات النظام، فكانت الدعوة إلى اعتصام ساحة الساعة، حيث ضم أبناء حمص المدينة والقادمين من ريفها.

أعلن النظام بعد جريمته تلك منعَ التجول في المدينة، مدة ثلاثة أيام، وحاصر الأحياء والمناطق بالحواجز، ثم سمح لاحقًا بتسليم بعض الجثث إلى الأهالي من المشفى العسكري، وذكر ناشطون -حينئذ- أن عناصر الأمن في المشفى كانوا يشترطون على الأهالي، التوقيعَ على أوراق تفيد أن أبناءهم قُتلوا على يد مسلحين إرهابيين، وعلى الرغم من ذلك، لم يتم تسليم إلا عدد قليل من الجثث، أما باقي الجثامين، فلم ترد معلومات دقيقة عن مكان دفنها.

بعد مرور سبع سنوات على تلك المجزرة، بقيت ساعة حمص شاهدة كمنارة، على شاطئ ثورة ما زالت تلطمها أمواج العواصف، أما تلك الساحة فستبقى، ككل الساحات السورية، دفتر إباء وكبرياء، كتب عليها السوريون بدمائهم ولحمهم الحي لتصبح أيقونة، سترفعها الأجيال القادمة على مسارب الهواء بين الأرض والسماء، ليشمّ العالم الذي خذل السوريين طويلًا، رائحة الحرية، علّه يعيد إلى الإنسانية بعضًا من كرامتها المهدورة.