تحقيقات وتقارير سياسية

العقد الاجتماعي

العقد: هو وثيقة ملزمة قانونيًا بين طرفين، تتضمن بنودًا وشروطًا محددة، تمّ الاتفاق عليها وعلى موجباتها، وتحوي في طياتها منفعة لكلا الطرفين، بما فيها من ضمانات الالتزام ببنوده ومحدداته، وأيضًا عقوبات عدم الالتزام به أو خرقه.
العقد الاجتماعي -وهو بالإنكليزية (Social Contract)- هو اتفاق يخص المجتمع والسلطة في دولة ما، ويحوي في تفاصيله الواجبات والشروط التي على أطرافه الالتزام بها، باعتباره ضمانة لبقاء المجتمع منظّمًا، ضمن الجغرافيا التي يعيش فيها، وبالمقابل يحدد للنظام الحاكم -كفرد وسلطة- واجباته تجاه المجتمع.
سعَت المجتمعات منذ القدم لتنظيم أمورها الداخلية والمحافظة عليها، من أجل بقاء تماسكها، حتى قبل نشوء الدول، وتبنت محددات وتعريفات وواجبات، جزء كبير منها لم يكن مكتوبًا، إنما كان متعارفًا عليه بين الحاكم والمحكوم.
يندرج مفهوم العقد الاجتماعي في قائمة المصطلحات الفلسفية، التي تجمع السياسة بالمجتمع، بحيث تحدد شكل العلاقات البينية بين أفراده، وكذلك ما يتمتع به الفرد والمجتمع من قيم وثقافة وتقاليد تصبح مؤطرة بشكل قانوني، عن طريق تثبيتها في عقد واضح، إن كان شفهيًا أو مكتوبًا، وإن جمعه بين مفهومي السياسي والاجتماعي في بنيته التعريفية والإجرائية، إنما يُعبّر عن فلسفة أخلاقية تكفل صيانة المجتمع.
رأى المفكر الفرنسي جان جاك روسو أن تطور الحياة البشرية منذ القدم، ارتبط بانتقال الإنسان من حالة العشوائية إلى حالة التنظيم والالتزام بالقانون، وهذا ما جعله يشعر بواجباته الأخلاقية، وزاد من إحساس الجميع بالمسؤولية الملقاة على عاتقهم، تجاه مجتمعهم ومحيطه.
من المرجح أن ظهور الأديان، ومن ثم الانتماء إلى العقائد الإيمانية بشكل عام، حدد مدى الاستجابة للحاكم، بحجم التزام الأخير بمعايير الدين وأحكامه، وفي الوقت نفسه حدد علاقة الفرد بالمجتمع وبالسلطة، ويمكن اعتبار أن بعض منظّري السياسة القريبين من الحكام، في المراحل التي رافقت ذلك، وجدوا في العقائد صيغة عقد اجتماعي، يساعدهم في تثبيت الحاكم وتبرير كل ما يفيد في بقائه، وهو ما دفع المفكرين والفلاسفة، في عصر التنوير في أوروبا، إلى إثارة مسألة فصل الدين عن الدولة، الأمر الذي ساهم في تثبيت معايير قانونية للعقد الاجتماعي، تستند على مفهوم (الدستور) و(دولة القانون).
اعتمد العقد الاجتماعي على أحكام وضعية طوّرها الإنسان في مسيرة حياته، وأصبح هناك متخصصون في القانون والسياسة وعلم الاجتماع وغيره، يبحثون عن تعريفات واضحة لكل حالة تهمّ المجتمع والسلطة، لإدراجها في إطارها المحدد، وعلى هذا؛ تطورت مفاهيم الحريات الفردية والعامة، كونها أصبحت مبنية على أسس واضحة ومحمية بالقانون، الذي بدوره يحمي مصالح الدولة، ويحدد دور السلطة بكلّيتها، ودور أطرافها وعلاقتهم ببعضهم وبالمجتمع، وهو ناتج بالمحصلة عن تطور الفكر البشري، ورؤيته لمسألة الحقوق والواجبات، وهو الذي حد من الديكتاتورية واستئثارها بالحكم.
الفيلسوف الإنكليزي توماس هوبز، الذي عاش في القرن السابع عشر، يعتقد أن أهم ما في العقد الاجتماعي هو تنازل الأفراد عن حقوقهم وحرياتهم وما يملكونه، لصالح سلطة الحاكم الذي بيده كل السلطات، ويبرر هذا بأنه من أجل حماية المجتمع، كون الحاكم يستطيع تقدير حقوق الأفراد بعدل، وهذا من وجهة نظره يبعد الأفراد عن التناحر، لأجل مصالح فردية وحماية الذات، كما كان في العصور القديمة قبل تشكل المجتمعات البشرية.
ويرى المفكر الإنكليزي جون لوك، الذي عاش في القرن السابع عشر، أنه لا ينبغي تنازل الأفراد عن حقوقهم وممتلكاتهم في العقد الاجتماعي، بل يجب تبادل الاعتراف بها من قبل الأطراف، وعلى الدولة حماية ذلك من خلال سلطاتها الموضحة بالقانون، وأعطى الحقَّ للأفراد في الوقوف بوجه أي سلطة استبدادية تنتهك حقوقه.
إلى ذلك، يشير الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، الذي عاش في القرن الثامن عشر، إلى أن العقد الاجتماعي ضرورة لتثبيت المجتمع وتوحيد صفوفه، وإبعاد أفراده عن المنافسة فيما بينهم بطريقة فوضوية، وفي الوقت نفسه يتم من خلاله توضيح وتثبيت العلاقة بين السلطة الحاكمة والمحكومين، وهذا يدعم بناء مجتمعٍ مدنيٍ سليم.
لا شك أن الأسس التي قامت عليها الحقوق المدنية، تطورت بشكل واضح في العقود القليلة الماضية في أوروبا وغيرها، وقد تجاوزت بتعريفها مصطلح العقد الاجتماعي، ولكن بالنسبة إلى بعض الدول، ومنها سورية، من المرجح أنه لم يتم حتى الآن تثبيت أي عقد اجتماعي حقيقي فيها، حتى على أدنى محددات التوافق بين أفراد ومكونات المجتمع، وإن الدساتير والقوانين التي وُضعت خلال القرن الماضي، كانت حبرًا على ورق، أمام الاضطرابات المستمرة التي لم تترك فرصة للمتخصصين لتثبيت عقد اجتماعي باستقلالية، لخدمة المجتمع أخلاقيًا وسياسيًا، وصيانته قانونيًا، بعيدًا من الرقابة والمصلحة السياسية الانتهازية لأصحاب القرار.
ولهذا تعددت الدساتير السورية في مسيرة تثبيت الدولة، وما زال الحديث قائمًا، حتى اللحظة، حول إمكانية إنجاز دستور يراعي كافة أفراد المجتمع وثقافاتهم وهواجسهم، ويضمن مساهمتهم الإيجابية الفاعلة، كمصدر غنى فكريٍ وسياسيٍ واقتصادي وثقافي، وفي الوقت نفسه تحدد شكل الحكم ودوره ومحدداته، بما يتوافق عليه المجتمع بالتراضي والقبول.
كما أن الأحداث الأخيرة وتشعباتها، فرزت عدة قضايا مستجدة، على المجتمع السوري، وأصبح من الضروري، على أي عقد اجتماعي قادم، أن يأخذ بالحسبان كافة الجوانب والأبعاد الإنسانية والسياسية والأخلاقية، التي أحاطت بالمجتمع والدولة، بغية تثبيت عقد اجتماعي يوازي تضحيات المجتمع السوري، عبر عقود طويلة لنيل حقوقه وصيانتها.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق