المُساءلة السياسية

حفَلت الأدبيات السياسية العربية عمومًا، بنصوص نقدية واضحة تنقد الآخر، بعد كل النكسات والنكبات والهزائم. وكذلك تعرّضت النصوص الإبداعية، على نحو واسع، لهذه “الظواهر” المتكررة في تاريخ المنطقة، منذ القديم الغارق في القدم، وكاد الإغراق في الندب والشكوى يُميّزها عمومًا، مع تركيز واضح على لوم “الآخر”، ونقد ممارساته، والتصريح بعثراته، وتفنيد كبواته، وفضح ارتباطاته، وتشريح دوره الذي ساهم -إن لم يكن هو الأساس- في ما آلت إليه حالنا الكارثية، سياسيًا أو حربيًا أو اقتصاديًا أو حتى ثقافيًا وفنيًا. هذا “الآخر”، وهو من لدننا، شمّاعة حمّالة أثقال، لا يحق لها أن تنوء بوزنها إلا نادرًا، لتقوم بتوزيعه على من يهمه الأمر أو من يستحقه.

ومن خلال الاعتقاد شبه التكويني، بأن من يحكم العالم من حولنا هو حصرًا نظرية المؤامرة وملحقاتها والقائمين عليها، مبتعدين في ذلك بإصرار عن الاستخلاص بأن ما نراه مؤامرةً ما هو إلا فعلٌ سياسي أربكنا/ أعجزنا التفكير في عناصره، وفي حوامله وفي أهدافه، وقد رمى بنا هذا الظن المُدعّم بظروف ثقافية متشابكة، في غشاشة التقدير والاستنتاج. وبالتالي، فمن النادر وشبه المستحيل أن يعكف أحدنا عن التوقف عن “اللطميات” الموجهة للآخر، ويلتفت إلى مساءلة الذات وأخطائها وعثراتها وهناتها وانحرافاتها؛ سعيًا لتجاوزها في المرحلة التالية من المواجهة مع الفعل السياسي الموجّه ضد ما نصبو إليه بعيدًا من المؤامرة وخلّانها.

وفي مرحلة “إدارة الهزيمة” وتجاوزها، واكتساب الخبرات الشافية والدروس الوافية؛ يُصبح من المُحبّذ، بل من المحتوم، أن نقف -كُلّ من حيث موقعه الثقافي أو الفكري أو الفني أو السياسي أو العسكري- أمامَ مرآة الذات ليس فقط لنحزن ونتواجه مع حالنا البائس والمحبط، بل لكي نتساءل، بكل انفتاح وهدوء بنّاء، عمّا أنجزناه وعمّا لم ننجزه أو فشلنا في تحقيقه. ونسعى لكي ننسى قليلًا، ولو كان ذلك صعبًا، الآخرَ الإنسان، أو الدولة، أو الوهم وتوابعه. كما يجب أن نجهد في الابتعاد عن متلازمة المؤامرة الكونية التي استهدفتنا، وأحبطت مشاريعنا “التحررية”. ففي الكثير من المواقف، تعجز كل مؤامرات الدنيا -إن وجدت- عن القيام بفعل إساءة، نحن قادرون ذاتيًا على إنجازه، بجدارة وإتقان. والإساءة ليست تعريفًا هنا لما هو سيئٌ بإرادة، وبالتالي لا يرتبط بسوء الطوية، وإنما لما أخفقنا عن غير قصد في القيام به. وكما تقول الحكمة الأبوية: عندما يُدافع الطفل عن خطأ قام به نافيًا تقصّده، ينهره الأب أو الأم معتبرين أن من الأسلم له، لتقدير قواه الذهنية، أن يكون الأمر مقصودًا من نقيضه.

“أنا أعترف”، تعبيرٌ -على جماليته- صعبٌ للغاية في العرف البشري عمومًا، وفي العمل السياسي خصوصًا، ومن نوادر السرديات أن يتم تبنيه وإطلاقه. غير أن هذه الندرة لا تمنع من الوقوع بتواترٍ لا بأس فيه، يكون غربيًا على مواقف تحمل اعترافات متكاملة التكوين وواضحة الألوان في مختلف مستويات القرار، اقتصاديًا كان أم سياسيًا أو عسكريًا. وعربيًا، غالبًا ما يحمل هذا التعبير يأسًا من تعذيبٍ وحشي، يدفع ببريء إلى الاعتراف بما لم تقترف يداه أو تنبس شفتاه أو تسمع أذناه أو ترى عيناه. وبالتالي، فقد ترسخّت الحمولة السلبية للغاية لهذا التعبير.

وبما أن لكل داءٍ دواء، فمن المحبّذ أن تتغير ثقافة الاعتراف من اعترافاتٍ تحت لهيب التعذيب، إلى اعترافات متطوّرة ترتبط بالأداء السياسي الذي أدّى إلى الهزيمة. ومن يظن أن جمال عبد الناصر اعترف بضعف التحضير وسوء الأداء في حرب 1967، وتحمّل مسؤولية الهزيمة، من خلال مسرحية الاستقالة المتلفزة، فأخشى أن يكون قد جانب الصواب وسقط في فخ الخطاب المعسول.

قياسًا على ذلك؛ يُنتظر من قياداتٍ سياسيةٍ تصدّرت المشهد السياسي السوري المعارض، أو فُرِضَت عليه، أن تقف وقفة ضمير حقيقية، بعيدًا من الشعر والنثر والإنشاء، مستعرضة الأداء والنتائج، مبتعدةً كل الابتعاد عن رمي رداء المسؤولية على أكتاف الآخرين، مهما كانوا مسؤولين حقيقةً، والنظر مليًّا أمام مرآة عاكسة وغير مشوِّهة بحثًا عن أخطاء وهنات وفضائح الأداء الذاتي. وسيُشكّل ذلك سابقة تاريخية -عربيًا على الأقل- في مساءلة الذات عن عثراتها وكبواتها وانحرافاتها. فليصدروا وثائق تسرد ما أمكن منها، مع توضيح الظروف الذاتية والموضوعية لوقوعها. وبالتالي، لن يخسروا من هيبتهم ومقاماتهم السامية قيد أنملة، بل على العكس، ستتجمّلُ صورتهم لدى الرأي العام المحلي المعني بالمأساة، بعد أن شابتها طبقات من الشك ومن الخيبة ومن القهر.

ومن دون إسقاطات “مُغْرِضة” البتة (…)، توقفت مؤخّرًا عند وصف للمعارضة المَجَرية التي فشلت في أن توحّد صفوفها للخوض في المواجهة السياسية المنوطة بها، أمام مدّ الفاشية الجديدة، حيث أدى ذلك إلى “الفشل المدمر الناجم عن انقساماتها”. وحيث لن يُتاح للمعارضة إلا أن “تشد شعرها أمام مثل هذه الدرجة من عدم الكفاءة، ومن الجدل الفارغ بين شخصيات، تتصارع من أجل حفنة من السلطة”.