مقالات الرأي

جبهات مُبرَّدة وحرائق لاهبة!

يَبرز الصراع الإسرائيلي–الإيراني في المنطقة، ما بعد الهجمات الصاروخية الغربية الأخيرة في سورية الأسبوع الماضي، بصورة أكثر حدّة من قبل؛ فالإغارات الجوية الإسرائيلية ضد أهداف في العمق السوري لم تتوقف. يُشار إلى أنها مواقع عسكرية تشغلها أو تديرها إيران لصالح “فيلق القدس”، أو القوى الجوية الإيرانية التي تعزز وجودها الاحتلالي، ببناء قواعد عسكرية متعددة الأغراض، في الوقت الذي تواجه فيه ضغوطات كبيرة لتقليص دورها وبالتالي وجودها، تمهيدًا لإخراجها من المشهد السوري، كما يُعتقد.

يتجاوز الدور الإيراني دعم السلطة السورية، في قمع الانتفاضة الوطنية ضد الاستبداد، وتمكين النظام، أمنيًا وعسكريًا وماليًا، من مواجهة استحقاقات الحرب التي يشنها ضد المدنيين منذ سبع سنوات، ومواصلة سياسة الخيار الأمني الذي تديره طهران بقوة، من أجل استمرار بقاء النظام، ومنع سقوطه.

فقد بدأت إيران فعليًا بتنفيذ برامج متعددة لبناء القوة؛ ما يعني اعتماد استراتيجية البقاء طويل الأمد في سورية، ومن ضمنها الاستثمار في الاقتصاد، وبناء المنشآت، وشراء الأراضي والعقارات، وتجنيس إيرانيين، وإنشاء الشركات المتعددة الأغراض، ويضاف ذلك إلى مشروعاتها العسكرية الاستراتيجية: التسليح. وبخاصة في مجال الدفاع الصاروخي، وبناء القواعد الجوية، وفقًا لتوزع استراتيجي يهدف إلى وضع جميع المناطق تحت السيطرة.

دعم نظام الأسد، وتعزيز التمدد الإيراني في المنطقة، هو جانب أول في استراتيجيات إيران. لكن الجانب الآخر يتصل بـ “إسرائيل”، والمواجهات المحتملة معها، في المستقبل، في ضوء التطورات والتغيرات، سواء في علاقتها مع الولايات المتحدة، بصورة خاصة، أو الغرب عمومًا، ومدى تأثير ذلك على مشروعها النووي، وعلى دورها المتنامي في الشرق الأوسط.

في سنوات المحنة السورية، سنحَت الفرصة واسعة، لتقوم إيران بتحديث استراتيجياتها المتصلة بالمنطقة، ومنها الصراع مع “إسرائيل”، وتبدى ذلك جليًّا، في أنها نقلت مركز النشاط العسكري والأمني إلى سورية، وجعلت تواجدها هناك محوريًا، بدلًا من أن تقوم سورية بدور مساند لها، في ما يتصل بالساحة اللبنانية، ودعم وكلائها هناك وفي مقدمهم “حزب الله”. بلا شك أن تواجدها في العراق أكثر أهمية، نتيجة عاملين أساسيين هما الاتصال الجغرافي، والهيمنة الأميركية، إضافة إلى الهيمنة على المرجعيات الدينية. إلاّ أن وجودها في دمشق يمنحها قوة في التعاطي مباشرة مع أزمات المنطقة، وكذلك التدخل المباشر في الصراع مع “إسرائيل”، وبالتالي أصبحت التحالفات مكشوفة، ولم يبدِ أي طرف في المنطقة رغبته في إخفاء أهدافه أو التعتيم عليها، وبالطبع إيران في المقدمة.

انتقلت المواجهة من الساحة اللبنانية إلى الساحة السورية، بصورة مباشرة، مع بقاء التوتر قائما في الجنوب اللبناني، في درجة متدنية، لصالح تفاقمه بين الطرفين خلال السنوات الأخيرة، منذ عام 2012، على نحو متنام، مع تطور التواجد العسكري الإيراني في سورية. تستهدف “إسرائيل”، على نحو شبه منتظم، قواعد ومواقع تجمعات ومستودعات عسكرية تشغلها إيران في سورية؛ في تطوير واضح لسياسة “إسرائيل”، لقطع طرق إمداد ووسائل، ما تعدّه “إسرائيل” دعمًا لـ “حزب الله”، الذي يجعل المنطقة على فوهة الحرب باستمرار. ومنذ عام 2006، بدأت باستهداف قوافل الإمداد الإيرانية بالسلاح، داخل سورية.

لعب التدخل الإيراني في سورية دورًا مهمًا في الوصول إلى ما نحن عليه، من خراب ودمار هائلين، وفي ارتكاب جرائم حرب بشعة، ضد عشرات آلاف المدنيين، وفي ممارسة القتل والتعذيب المنهجي في المعتقلات، وفي تجريف السكان من مناطق عيشهم وسلبهم ممتلكاتهم، وفي بدء عملية تغيير ديموغرافي ما تزال قائمة، وفي دعم سياسة النظام في الحصار والتجويع. خاصة خلال الفترة الممتدة من 2011 حتى بدء التدخل العسكري الروسي المباشر، في أيلول/ سبتمبر عام 2015، لتبدأ مرحلة التجاذب في الأدوار والمصالح بين موسكو وطهران، لكن درجة المشاركة في الجريمة المنظمة ضد السوريين ظلت في ارتفاع مستمر.

الضربة الأميركية–الغربية تبدو في أحد أوجهها أنها محاولة للجم التمركز الإيراني في سورية، والذي تتم مقاربته بالنظر إلى تأثيره في الصراع مع “إسرائيل”. ومع ذلك، لا يمكن إغفال الأسباب الأخرى المتصلة بالعلاقات الروسية المتردية مع الغرب، بريطانيا بشكل خاص، والولايات المتحدة التي تشعر بأن الكرملين يتجاوز الحدود المتعارف عليها، في اللعبة الدولية منذ سقوط الاتحاد السوفييتي. وهذا مثار قلق كبير للإدارة الأميركية، في ما يتصل بهيمنتها على القرار الدولي. واشنطن لا تريد شريكًا لها في ذلك، لكنها بالمقابل عاجزة في الحقيقة عن أي تدخل حاسم في القضايا الدولية، والقضية السورية مثال مهم على أداء السياسة الخارجية الأميركية، بما تعنيه تلك القضية للصراعات التاريخية الكبرى في المنطقة، لا سيّما القضية الفلسطينية، والتمرد الإيراني المتنامي.

استخدام النظام للسلاح الكيمياوي هو آخر الأسباب التي دفعت واشنطن إلى تنفيذ ضربة جوية، هي القشّة التي قصمت ظهر البعير. تدلنا التجربة على أن ما يحدث من جرائم في سورية لم يشكل قيمة دافعة لدى ترامب والإدارة الأميركية بشكل عام، كي يتخذ قرارًا باستخدام القوة. فالنظام السوري ومعه إيران وروسيا، بكل ثقلهما العسكري والأمني، يرتكبون مجازر يومية بحق المدنيين. وتدرك واشنطن وحلفاؤها أن محاربة الإرهاب مجرد كذبة، لكنها جارية! تأثير لندن في اتجاه معاقبة روسيا بضرب قواعد سورية، رسالة واضحة، ولسنا بحاجة إلى التذكير بأن السوريين يدركون أن الضربة لم تأت لحمايتهم، وأنها ليست رسالة موجهة للأسد، كما قال وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس مؤخرًا. أجل، لقد فهم الأسد الرسالة: يمكنه استخدام جميع الأسلحة المتاحة ضد السوريين، باستثناء الكيمياوي. في اليوم التالي، استهدف نظام الأسد ريف حمص الشمالي.

قبل نحو عام، وجّه ترامب ضربة جوية لمطار الشعيرات. كانت مجرد خدش طفيف على أصابع المجرم. اعتقدنا أننا أمام حالة جديدة، وأن التعاطي الأميركي مع المسألة السورية، سيختلف حتمًا، وأن ما قبل قصف الشعيرات، ليس كما بعدها. لقد شهدنا الأسوأ، ازدادت عمليات القصف بالكيمياوي والنابالم وغيره. تغولت إيران بعد محطتي أستانا وسوتشي، أصبحت شريكًا تُرغَم الأطراف الرافضة لدورها، على القبول بها. لم يختلف الأمر كثيرًا عن سياسة أوباما حيال إيران، فقد رفض البيت الأبيض طوال سنوات مشاركة طهران في مفاوضات جنيف، والنتيجة، جميع لقاءات جنيف لم تنته إلى شيء. لقد عطلت إيران وموسكو أي تقدم يمكن أن يُنجَز في سياق تطبيق قرارات الأمم المتحدة المعنية بالحالة السورية.

لا يمكن الوثوق –حقيقة– بما تقوله الولايات المتحدة بشأن سورية؛ إذ ليست هناك استراتيجية واضحة، وليست هناك فكرة لدى ترامب بشأن المستقبل. الكتلة الديمقراطية في مجلس الشيوخ تعتزم عدم القبول بمرشح ترامب للخارجية مايك بومبيو، وتقول إنه لا يملك سياسة واضحة، تجاه القضايا الأكثر أهمية في العالم!

كان يمكن للضربة الأميركية أن تكون مفيدة جدًا، لو تمّ توظيف نتائجها المباشرة، في دفع عملية التفاوض قدمًا. لكن شيئًا من ذلك قد لا يبدو ممكنًا في القريب المنظور؛ فأستانا تنتظر جولة جديدة في أيار/ مايو، ولا أخبار عن موقف أميركي-أوروبي، ينهي الجرائم المرتكبة في سورية، يترافق ذلك مع تخبط في اتخاذ سياسة محددة، حيال مستقبل الوجود الأميركي في الشمال السوري، والبحث عن بدائل عربية، لملء الفراغ الذي يمكن أن يُحدثه سحب الجيش الأميركي.

هذا المناخ إيجابي ومثالي للغاية، بالنسبة إلى طهران. لا تبدو هناك أي قوة حتى الآن قادرة على وقف التمدد والتغلغل العسكري الإيراني في سورية، حتى الغارات الإسرائيلية محدودة التأثير. وكأن هناك اتفاقًا ما، يُبقي سورية أرضًا مفتوحة لتنفيس الاحتقانات بين مختلف الأطراف، وأن الوضع تحت السيطرة، سيبقى كما يريدون، جبهات باردة بين “إسرائيل” وإيران، وبين الولايات المتحدة وإيران، والجميع غير مكترث بالكوارث التي تحلّ يوميًا بالسوريين من جرّاء الحروب التي يحرقهم سعيرها بلا هوادة.

إيران دود يتغلغل في الجسد السوري، ولا علاج له سوى الكيّ!

مقالات ذات صلة

إغلاق