السوريون: المكان والتعبير السياسي

وجَد عالم الاجتماع البريطاني المعاصر أنتوني غدنز أن ثمة علاقةً بين الأوضاع الاجتماعية (المكان) التي يولد وينشأ فيها الأفراد، والتعبير الاجتماعي السياسي من خلال الممارسة الحياتية اليومية. وهذا لا يعني على الإطلاق أن هؤلاء الأفراد لا يمتلكون الخصائص المتفردة عن الآخرين، أو حرية الإرادة في التعبير الاجتماعي والسياسي في الوقت نفسه.

بالعودة إلى سورية (المكان)؛ نجد أن النظام السياسي منذ عام 1963 عمل على تنشئة السوريين في قوالب نمطية موحدة، بمواصفات ثقافية سياسية مسبقة الصنع، حيث خلت سورية من استطلاعات الرأي السياسية، وغيرها في ما يخص التوجهات الفكرية والسياسية للسوريين، إلا في قوالب أيديولوجية سياسية محددة. بمعنى آخر: اشتغل النظام السوري على صياغة مجتمعٍ تغلب عليه سمة التجانس الأيديولوجي السياسي، حتى في استطلاعات الرأي الاجتماعية والترفيهية في سورية، يُلقّن أفراد العيّنة الإجابات مسبقًا، قبل طرح الأسئلة، أما من الناحية الأكاديمية، فقد خلت سورية من أي دراسة أكاديمية عن رأي المواطنين بالقضايا السياسية والوطنية، إلا ضمن توجهات النظام السياسي، أو ما يُطلق عليه (الديمقراطية الموجهة)، لذلك بالعودة إلى داتا الأبحاث الأكاديمية السياسية في سورية؛ نجد أن ثمة تصحرًا علميًا بالمطلق، بخصوص القضايا السياسية السورية، ما عدا تلك التي تدور في فلك النظام السياسي.

أحدثت الثورة السورية 2011 اهتزازات ثقافية وسياسية عميقة، في بنية الفرد والمجتمع على حد سواء، وهي تغيّرات أثرت -بشكل أو بآخر- في بناء الثقافة السياسية للشباب السوري، وأثارت مجموعة من التساؤلات حولها. وهذا ما لمسناه في أحد المحاور لدراسة أكاديمية موسعة، على عيّنة من الشباب السوريين المقيمين في إسطنبول (المكان الجديد)، وقد شملت الدراسة 400 شاب وشابة، وهي بعنوان (التدين وأنماط الحياة العامة عند الشباب السوريين)، وأنجزها (مركز حرمون للدراسات المعاصرة).[1]

طرحت الدراسة، في محور التدين والمواقف السياسية، سؤالًا يتعلق بهوية الشباب السوري: كيف تعرّف عن نفسك، إذا طُلب منك ذلك؟ أظهرت النتائج تعددًا وتنوعًا في تعريف الشباب السوريين عن أنفسهم (هويتهم)؛ نسبة 38 بالمئة منهم عرفوا أنفسهم: “مسلم سوري”، و30 بالمئة منهم فضل التعريف عن نفسه بأنه “سوري” فقط، و27 بالمئة بأنه “مسلم عربي”، و5 بالمئة بأنه “عربي سوري”.

أما الإجابات عن سؤالٍ يتعلق بطبيعة النظام السياسي في سورية المرغوب فيه، عند الشباب السوريين، فقد أظهرت نتائج الدراسة الميدانية تفضيل نسبة 42 بالمئة منهم (نظام ديمقراطي إسلامي) ونسبة 30 بالمئة (نظام إسلامي فقط)، ونسبة 28 بالمئة (النظام الديمقراطي المدني).

أما بخصوص طبيعة الأحزاب السياسية التي يرغب الشباب السوري في الانتساب إليها، فقد تبين أن نسبة 33 بالمئة منهم يرغبون في الانتماء إلى “أحزاب ديمقراطية إسلامية”، ونسبة 26 بالمئة لا يرغبون في الانتماء على الإطلاق إلى أي أحزاب سياسية، ونسبة 24 بالمئة يرغبون في الانتساب إلى “أحزاب إسلامية”، ونسبة 16 بالمئة يرغبون في الانتساب إلى “أحزاب ديمقراطية غير إسلامية”، ونسبة 1 بالمئة يرغبون في الانتماء إلى “أحزاب ذات توجه قومي”.

أما بالنسبة إلى دين رئيس الجمهورية، فقد اشترط 63 بالمئة، من عينة الشباب السوريين، أن يكون رئيس الجمهورية “مسلمًا سنيًا”، مقابل 27 بالمئة لا يهمهم دينه وطائفته وقوميته، ونسبة 10 بالمئة “مسلم سني أو من مذاهب أخرى”.

بغض النظر عن وزن النسب المئوية ومدلولاتها الرقمية لهذا الاتجاه السياسي أو ذاك، في هذه الدراسة؛ أعتقد أن الأهمية في هذه النتائج تتركز في الدلالات الثقافية السياسية الآتية:

أولًا؛ دور المكان (تركيا – إسطنبول) في السماح للشباب السوري بالتعريف عن هويتهم: (هوية إسلامية سورية، سورية فقط، إسلامية عربية)، التي وجدوا أنها تعبّر عن ثقافتهم الاجتماعية السياسية، حيث الانزياح المطلق للرقابة الأمنية السلطوية للنظام الأسدي وهواجسها، وبالتالي الشعور بالأمان في إمكانية التعبير السياسي، من دون خوف وهواجس أمنية مسبقة، قد تلحق بهم من تبعات هذا الرأي أو ذاك، ولو أن رواسبها تبقى مدة زمنية طويلة في ذهنية الأفراد، ولا سيما لدى الفئة العمرية التي عايشت وتأذت من هذه السلطة الاستبدادية.

ثانيًا؛ صحة القول إن مسار التنشئة السياسية إنما يبدأ من تفرد الشخص وإحساسه وشعوره بالحرية، وخلال هذه العملية ينمو لدى كل فرد الإحساس بالهوية السياسية السورية المرغوبة، والصادرة عن قناعة شخصية بحتة، وبالتالي القدرة على الاستقلال في الفكر والفعل.

ثالثًا؛ ضرورة قيام الأحزاب والتيارات السياسية السورية بالدراسات السياسية الأكاديمية واستطلاعات الرأي حول القضايا الوطنية الاستراتيجية، مثل الهوية وطبيعة النظام السياسي وغيره، قبل صوغ برامجها واتجاهاتها السياسية، بل العمل على تغيير هذه النتائج التي تصل إليها، إذا ارتأت أنها لا تخدم السوريين، استنادًا إلى دراسات أكاديمية تعكس الواقع الثقافي السياسي المعاش للسوريين.

رابعًا؛ حان الوقت للسياسيين السوريين كافة، لوقفة مع الذات، وطرح الأسئلة الملحّة: أيّ سورية نريد؟ أدولة ديمقراطية تعددية ذات خصوصية سورية؟ أم دولة أسدية استبدادية، ولكن بوجوه جديدة؟

أنريد دولةً تحترم تعدد الأديان والمذاهب الدينية كافة؟ أم دولة تُعلي من شأن بعض المذاهب الدينية على الأخرى، كما هو حاصل في دولة الأسد؟ دولةً يحمي دستورها تعدد الآراء الفكرية والسياسية كافة، أم دولة تعدّ التنوع والاختلاف جريمة وخيانة، والتجانس حالة صحية اجتماعيًا وسياسيًا، كما هو حاصل في دولة الأسد؟ دولةً تحترم الهويات الفرعية السورية كافة، ومن ضمنها ذات الطابع القومي ضمن إطار الهوية السورية الجامعة، التي يُفترض أن ينتجها ويعتمدها السوريون كافة؟ أم دولة تعتمد على إعلاء بعض الهويات فوق الأخرى؟

الإجابات العلمية والموضوعية، عن هذه الأسئلة أو غيرها من الأسئلة التي تهتم بالقضايا الاستراتيجية السورية بشكل عام، لا يمكن الوصول إليها إلا من خلال استطلاعات الرأي السياسية والثقافية الأكاديمية على عينات متنوعة ومتعددة، تشمل السوريين كافة في أماكن تواجدهم في الخارج والداخل.

وأخيرًا؛ الدلالة الأهم للسوريين العاملين في الحقل السياسي، البدء بوعي الذات، للدخول مباشرة إلى مملكة الحقيقة، على حد قول هيغل، وهي الخطوة الأولى في استشراف المستقبل الثقافي والسياسي العام الذي يرغب فيه السوريون كافة.

 

 

[1] – من إعداد: د. حسام السعد- د. طلال مصطفى، نُشرت في 13/ أبريل / 2018، عن وحدة الأبحاث الاجتماعية في مركز حرمون للدراسات المعاصرة. https://harmoon.org/archives/

 

1 عدد الردود

التعليقات مغلقة