سورية بين الروسبوتونية والترامباوية

يذهب كثير من المحللين إلى القول إن ثمة اتفاقًا أميركيًا روسيًا، في سورية وعليها، دشنه اتفاق كيري-لافروف، صيف 2015، ويقول آخرون إن ثمة نزاعًا يشي بحرب عالمية كبرى بينهم. وبين الرأيين، طيف واسع من التوضعات السياسية، بين خلاف واتفاق جزئي وسياسة ليّ أذرع، والنقطة العلام في خضم هذا المعترك هي سورية، الشعب السوري، حلم الدولة السورية، وربما نجزم أن سورية اليوم هي “مربط فرس” المسألة العالمية ومهماز حركاتها. وحيث إن المسألة بالعام تأخذ مسار التحليل، في واقع عالمي بُني بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1989، وتفرد الولايات المتحدة بقيادة النظام العالمي الجديد ومن خلفه منظومة العولمة، بأبعادها الثقافية والاقتصادية والعسكرية والسياسية، وهذا موضوع قابل للبحث في محتواه من زاويا متعددة ودراسات أشمل وأوسع، لكن حضور المسألة السورية وكارثتها البشرية والتاريخية هو الأدعى لتناول هذا المفصل، بين الجانبين الروسي والأميركي، من هذه الزاوية.

في المبدأ، ثمة ثلاث نقاط علّام، ترسم الحدود بين المشروعين الأميركي والروسي في المنطقة، بدءًا من سورية، يمكن إيجازها بـ:

  • على الرغم من التفوق التقني والاقتصادي والعسكري الأميركي، فإن توازن الرعب العالمي بالسلاح النووي يضع خطًا أحمر يصعب تجاوزه أو التفكير بخرقه؛ كونه لا يهدد دولة بعينها بقدر تهديده للعالم أجمع.
  • الحرب على الإرهاب هي الموضوعة الإعلامية ذاتها التي استدعت أميركا، قبل عقود، لغزو مناطق عدة في العالم تُعد مناطق نفوذ في المحيط الحيوي لروسيا (وريثة الاتحاد السوفيتي)، ومثلها ما تقوم به روسيا في سورية اليوم.
  • بناء السياسات الحديثة الأميركية والروسية على مفاهيم جيوسياسية، مفادها استكمال دوائر المحيط الحيوي لكل منهما، وحماية مصالحها الاقتصادية والعسكرية، بالهيمنة المباشرة على مواقع النفوذ البرية والممرات الإقليمية البحرية عسكريًا و/أو اقتصاديًا، وبالضرورة تهيئة كامل الظروف الأنثروبولوجية للهيمنة والخضوع الإعلامي والسياسي والثقافي أيضًا.

وفقًا لهذه القواعد الثلاث؛ يمكن للتحليل السياسي أن يجد نقاط الاتفاق والاختلاف، لكل من “الروسبوتينة” الغارقة في النزعة المافوية والغطرسة القيصيرية العسكرية، مع الفورة “الترامبوية” الأميركية في استعادة مواقعها الحيوية في الشرق الأوسط، بعد قرارات سابقه أوباما بالانسحاب منها، من العراق بداية وتراجعه عن قيادة التحالف الدولي في ليبيا، وإهماله الملف السوري وبخاصة بعد مجزرة الكيمياوي 2013. لتقع سورية اليوم بين تنازع مشروعين، مؤشراتهما الأوضح مؤشرات جيوسياسية (جيوبولتيكية)، بحيث تضمن روسيا مصالحها وتواجدها الاقتصادي، ومن ثم السياسي العالمي، على مياه البحر المتوسط، بالقوة العسكرية والمعاهدات الاقتصادية طويلة الأمد. وبالمقابل تعود أميركا للحضور في الشرق الأوسط، بقوة الهيمنة التي تنوس بين المباشرية وغيرها، عبر تواجدها بدعم المشروع الكردي شمال شرق سورية وفي باديتها الشرقية، كل هذا على حساب الدم السوري وثورة شعبه الكليمة ومشروع دولته الوطنية.

في خلفية المشهد الجيوبولتيكي السوري، ثمة مشروعان يعملان في سورية منذ منتصف الـ 2015: الأول قدّمه ألكسندر دوغين، ومن خلفه عدد من الشركات الروسية الكبرى، بخاصة في مجالي الغاز والسلاح وعدد من مراكز البحث والدراسات، أهمها مركز (كاتخيون)، كوصفة سحرية لبوتين، للعودة إلى القطبية العالمية مرة أخرى عبر البوابة السورية، كاستكمال لتطبيق نظريته الرابعة في السياسة، التي سبق أن فصلنا بها في أكثر من موقع وبحث في مكان آخر.

أما الثاني فهو ما سمي “خطة سلام للحل في سورية”، والذي صاغته ووضعته مؤسسة بحثية أميركية هي مركز (راند) للأبحاث، وتوافقت عليه العديد من السياسات الدولية وبخاصة الأميركية، في ما يتعلق بسورية إعلاميًا، ولكنه بالجذر يعيد التواجد الأميركي للمنطقة عبر شرق وشمال سورية.

يقول ألكسندر دوغين: “الضغط بالقوة (العسكرية أو الاقتصادية)، على (الآماد الصغرى) المفتتة المذراة، يغدو الوسيلة الوحيدة للسيطرة، وضرورات الرشوة تنتفي من تلقاء نفسها، خلف غياب المنافس الجيوبولتيكي المعادي”[1]؛ ما يفسر التدخل العسكري الروسي في مسألة القرم الأرمينية، ثم تحولها إلى الاستفراد بالملف السوري، بعد غياب وتراجع المنافس الأميركي فيها، أو بالأصح عند تحديد نقاط التماس وعدم الاشتباك في/ على الأرض السورية، ما يعني استكمال الدور ببلعمة سورية، وإقفال دائرتها الجيوبولتيكية كنتيجة لدراساتها ونظرياتها، فكان العمل العسكري في سورية مترافقًا مع عمل سياسي مباشر وكثيف مفاده:

  • ربط تركيا بإيران عبر موسكو، وهذا ما تمّ في ما سمي “اتفاقات خفض التصعيد”، على أساس مؤتمرات أستانا بعد معركة حلب الكبرى، والتي سرب على أثرها موافقة تركيا على تسليم حلب، مقابل تفاهمهما مع روسيا على تمددها في المناطق الحدودية لها، في مناطق التواجد الكردي، وتحول تركيا التدريجي من وجودها في حلف الأطلسي إلى قربها من المحيط الحيوي الروسي، وإعادة تشكيل التوازنات الدولية على أساس القواعد الجيوبوليتيكة.
  • تفريغ محتوى القرارات الأممية المرتبطة بسورية، وبخاصة المتعلقة في تشكيل هيئة الحكم الانتقالي كاملة الصلاحيات الصادرة عن وثيقة جنيف عام 2012، وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وإعادة صياغتها وفق مرجعية روسية تعيد صياغة الحل السوري، بما يضمن استقرار وجودها العسكري فيها، بعد صفقات حميميم وطرطوس طويلة الأمد، والسياسي على المستوى الدولي، كراعٍ أممي لعملية السلام في سورية، وكدولة كبرى منتصرة على الإرهاب المزعوم فيها، في مشابهة لما فعلته أميركا في أفغانستان والعراق سابقًا؛ فتصبح بذلك لاعبًا دوليًا أساسًا يفرض قوانينه الجيوبولتيكية، ويثبت حضوره الأممي مرة أخرى، كمركز في محور مجابه للمحور الأطلسي، وهذا ما أكده دوغين أيضًا، ومن خلفه مركز (كاتخيون) للدراسات الروسي: “وضع روسيا الجيوبوليتيكي يؤكد بصورة لا تقبل التأويل، المعنى القاري للقوات المسلحة في روسيا”[2].
  • إحكام القبضة العسكرية على مواقع تواجد القوات الروسية، بما يضمن لها موقع القوة وفرض شروطها ويحقق معادلة الحرب التقليدية القائلة: إن المفاوضات تتم على مدى رماية الهاون، والعمل بذلك على ربط الملف العسكري ببعد سياسي، فحاولت تمرير مؤتمر سوتشي على أرضها، بعد معركة البوكمال “البوكمال هي النقطة الاستراتيجية التي يجب أن يصل الجيش السوري إليها، لفتح بولفار موسكو، طهران بغداد، دمشق بيروت؛ لأنّ بوسعه تطوير حركة اقتصادية كونيّة، تجعل من سكك حديد موسكو وخطوط المترو فيها تصل إلى بيروت، بعد اجتيازها الخطوط الحليفة”[3]، وأخذ اعتراف أممي به، ولكن فشله الكبير -سياسيًا- جعلها تعود إلى البحث عن نقاط ضغط كبيرة على المعارضة السورية من جانب، وعلى الأوروبيين والأميركيين من جانب آخر، وعادت للعمل العسكري المباشر، من خلال مجريات الغوطة شرق دمشق.

وقد أفادت خطة مركز (راند) الأميركي على ما يشبه هذا السيناريو، من حيث الموافقة على تهجير حواضن الثورة السورية في مدن عدة منها، وحصر تواجدها في الجنوب السوري بدرعا والقنيطرة وبالشمال في إدلب والريف الشمالي لحلب، وهو ما يجري لغاية اليوم، بحكم مجريات الواقع، وللاطلاع على مفردات هذه الخطة وتفصيلاتها، يمكن للقارئ العودة إلى ما نشره (مركز حرمون للدراسات المعاصرة) كترجمة كاملة لها[4].

وفق هذه المجريات؛ لم تختلف خطة (راند) الأميركية عن مثيلاتها الروسية في مركز (كاتخيون) سوى بموضوعة الحكم بين تشكيل هيئة حكم انتقالي بمرجعية (جنيف 1)، أو حكومة انتقالية بمرجعية قرار مجلس الأمن 2254، ويشتركان في الجذر معًا:

  • تقاسم النفوذ السياسي والعسكري داخل سورية.
  • العبث الديموغرافي في مكونات الواقع السوري وتبرير تهجير شعبه.
  • البحث عن نقاط جيوبوليتيكية محددة داخل سورية، دون النظر إليها كدولة ووطن.
  • تجنب الاحتكاك المباشر بين القوى العالمية الكبرى، من خلال العمل على تجنب الاحتكاك بين القوى السورية المحلية، المدعومة في كل منها من جانب دون الآخر.
  • فتح كامل الخيارات الممكنة على تنفيذ الخطتين الروسية والأميركية، تحت عنوان عريض هو الإرهاب المتمثل بـ (داعش والنصرة وتفريخات القاعدة)، ذات الحجة التي عملت بها أميركا، طوال عقود أربعة تقريبًا سابقة، بغية إعادة توزيع الخارطة العالمية على محامل جيوبولتيكية، لا على مواضع ارتكاز ديمقراطية وقانونية عالمية؛ لتبقى المسألة السورية -وفقًا لهذا- محط تنازع وتفاهم، بين المشروعين الروسبوتيني والترامبوي، وما سينتج عنهما من تداعيات.

[1]– ألكسندر دوغين، “المشاكل الجيوبوليتيكية وقوانين المدى الكبير والعولمة والمفارقة الروسية”، مقالة سابقة.

[2]– ألكسندر دوغين، “الجيوبوليتيكا الداخلية لروسيا والعقيدة العسكرية مرتبطة بمهمتها الكونية”، مقالة سابقة.

[3]– مركز كاتخيون للدراسات، “الطريق إلى سوتشي يمر من البوكمال”، 3/11/2017.

[4] – خطة مؤسسة (راند) الأميركية للحل في سورية، وحدة الترجمة والتعريب -مركز حرمون للدراسات المعاصرة، 11 تموز 2016.