الاستراتيجية الأميركية من الحماية لدرء المخاطر إلى الحماية بزيادة المخاطر

لطالما شكل الوجود والدعم الأميركي العسكري والسياسي لدول الخليج العربي، غطاءً يحمي المصالح الأميركية والخليجية من المخاطر التي كانت قائمة زمن الاستقطاب الإقليمي والدولي السياسي والأيديولوجي في الحرب الباردة، وفي الواقع، إن تلك المخاطر في ذلك الزمن، والتي حوّل الغرب وعلى رأسهم الأميركيون دولَ الخليج إلى أشبه ما يكونوا بمحميات عسكرية وسياسية بذريعتها، لم تكن مخاطر محدقة ومباشرة تهدد أمن واستقرار أو كراسي الممالك والإمارات الخليجية، فلا المد الشيوعي ولا القومي وصل إلى الأراضي الخليجية إلى الحد الذي يمكن أن يُبرر كل هذه الحماية الغربية والأميركية. حتى حرب الخليج الأولى التي اندلعت بداية الثمانينات من القرن الماضي بين إيران والعراق –في بوابة الخليج العربي- لم يكن لها أن تكون خارج الإرادة والرغبة الغربية الأميركية من أجل الاستفادة منها في أكثر من مجال، حيث يأتي في المقدمة تعزيز الحماية والعوائد المتأتية من هذه الحماية، وإذا ما استثنينا مخاطر حرب الخليج الأولى؛ فإن الحماية كانت، على مدى عقود من الزمن، نوعًا من درء المخاطر بشكل استباقي، أو لنقل نوعًا من الاستعداد لمجابهة أي خطر قد ينشَأ أو يحتمل أن ينشأ في المستقبل، وقد كانت إجراءات الحماية الاحتياطية تلك ذريعة، كي تدفع دول الخليج ثمن هذا الغطاء العسكري والسياسي الذي تقدمه الإدارات الأميركية المتعاقبة، وهو حتى زمن قريب الحصولُ على الذهب الأسود، أي النفط وعائداته والاستثمار في هذا المجال من أوسع الأبواب.
اليوم تغيّرت، على ما يبدو، الحسابات الأميركية، بدءًا من إدارة باراك أوباما التي يُكملها خلفه دونالد ترامب، وربما من سيأتي بعد ترامب؛ فالأميركيون، بعد أن أُفرغت خزانتهم من الدولارات، وبعد أن تراكمت الديون بالتريليونات؛ لم تعد حاجتهم إلى النفط الخليجي، بالطريقة والكيفية والكمية، كما كانت قائمة في الزمن الفائت، لأسباب عديدة منها أنه أصبح للأميركيين مصادر عديدة داخلية وخارجية من الذهب الأسود، كما أصبح بإمكانهم الحصول عليه بأقل الأسعار متى شاؤوا. وعلى ذلك؛ فإن سياسة أميركا، بدءًا من إدارة أوباما التي أتت بعد دورتين لبوش الابن الذي أفرغ الخزانة الأميركية من الدولارات وأثقل ديونها، نتيجة الاستراتيجية التي كانت مركزة على الخارج، تقوم على كشف ظهر محمياتها الخليجية سياسيًا، وفي الوقت نفسه على ترك أو إفساح المجال للمشروع الإيراني كي يتمدد، كقاطع طريق إقليمي (في اليمن والعراق وسورية ولبنان والبحرين)، إلى الحد الذي يضع دول الخليج العربي -وعلى رأسها المملكة العربية السعودية- على حافة الهاوية، ثم من بعد ذلك، يتمّ التدخل الأميركي في زمن ترامب، وربما ما بعد ترامب، مقابل أن تدفع السعودية ومعها دول الخليج اللازم من الدولارات، و”كاش” هذه المرة، للخزانة الأميركية مقابل الحماية والإنقاذ. إنها ما يمكن تسميته سياسة الترفيق الأميركي للمصالح الخليجية، بعد ترك قاطع الطريق الإيراني يتمدد في المنطقة إلى الحد الذي يُشكّل خطرًا جديًا ومحدقًا لطريق وممرات ومناطق نفوذ ووجود المصالح الخليجية، لا بل ترك هذه المخاطر تتمادى لتصل وتدق أبواب كل دول الخليج، بحيث لا تهدد المصالح الاقتصادية لهذه الدول فحسب، بل تُهددها في بقاء هويتها وكياناتها السياسية المعروفة الآن.
هذا يعني أن الحروب والصراعات القائمة في المنطقة، بعد أن أخذت طابعًا دينيًا وإقليميًا، ستطول وتستمر إلى أجل غير معروف، بأشكال وأدوات عديدة، كما أن هذا يُفسّر ويترجم تصريحات بعض الساسة الأميركيين في الفترة الأخيرة المطالبة لدول الخليج –ولا سيما المملكة السعودية- للدفع المالي “الكاش”، مقابل الحماية المقدمة أو مقابل بقاء قواتها في شمال شرق سورية، ولا سيما بعد أن أفسح الأميركيون، لكل قاطع طريق إقليمي ودولي، أن يوجد ويسرح ويمرح في المنطقة. فإذا كانت المصالح الأميركية ومعها الخليجية قد قامت في شكلها القديم من خلال خلق استقرار جيوسياسي محدد ونسبي في المنطقة؛ فإن تحقيق هذه المصالح، وتحديدًا الأميركية، يقوم الآن على أساس خلق عدم استقرار جيوسياسي (فوضى خلاقة)، تجعل من كل الأطراف ولا سيما الخليجية بحاجة إلى ترفيق لمصالحها ووجودها، من خلال الحماية الأميركية والدفع “كاش” من الدولارات، وهنا أقول: واهمٌ من يعتقد أن أميركا ستدعم دول الخليج وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية، لاقتلاع المخلب الطائفي الإيراني من الجسد العربي، فأقصى ما ستقدمه أميركا لهم، مقابل ما دفعوه وما سيدفعونه في المستقبل من أموال للخزانة الأميركية، هو تقوية المخلب الطائفي السعودي في مواجهة المخلب الطائفي الإيراني، أو لنقل إيجاد حد من التوازن بين المخلبين، توازن كفيل بإبقاء الصراع والاستقطاب الطائفي في المنطقة إلى أطول مدة ممكنة، بحيث يقود في المستقبل إلى تفتيت شعوب المنطقة إلى مجموعة من الكيانات الطائفية، وحيث الكيان الإسرائيلي سيكون أكبر وأقوى هذه الكيانات، فهنا لا يهم الأميركيين والإسرائيليين حجمُ النفوذ الإيراني في المنطقة، إن كان في العراق أو سورية أو لبنان أو اليمن أو في أي ساحة عربية، لأن جلّ همهم هو مدى الأذى والضرر الذي يحدثه هذا النفوذ في النسيج الاجتماعي للمجتمعات العربية، وبما يعني حجم التمزق والتفتت في هوية هذه المجتمعات، كما لا يهمّ الأميركيين والإسرائيليين حجم النفوذ الروسي في المنطقة، كون هذا النفوذ جاء ليحمي ويتعيش على هذا التفتت، فأي قطعة من جسد المجتمع العربي، إن وضعت في فم الدبّ (الأصح الكلب) الروسي، لن تضر بالمصالح الأميركية والإسرائيلية، لأن المصلحة الأميركية الإسرائيلية، في تفتيت المنطقة العربية، تفوق ضرر إعطاء الكلب الروسي أو الإيراني أو أي كلب آخر عظمة أو قطعة من هذا الجسد؛ ذلك أن (سايكس-بيكو) الجديد يختلف جذريًا عن القديم في طريقة بنائه وتمريره، فالقديم تم بناؤه وتمريره من الأعلى إلى الأسفل، في حين أن الجديد يتم بناؤه من الأسفل إلى الأعلى، وهنا تكمن خطورته، فالتقسيم القديم تم بإرادة دولية أو كان تعبيرًا عن مصلحة إرادة دولية استعمارية، فرضت بالحديد والنار على شعوب المنطقة، فرضًا عبر الاحتلال العسكري المباشر، في حين نجد أن التقسيم الجديد يتم بالحديد والنار، ويعبّر عن إرادة مصالح قوى طائفية محلية، لها امتدادات إقليمية وبغطاء ورعاية وحماية الإرادة الدولية ومصالحها.