ملابسات الانسحاب الأميركي المتوقع من سورية

اعتاد المهتمّون بالشأن السياسي على تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وعلى تغريداته المفاجئة حول مختلف القضايا، منها الإعلان في التاسع والعشرين من الشهر الماضي عن رغبته في الانسحاب من سورية، وتمّ تأجيل العملية لستة أشهر، بعد اجتماعٍ لمجلس الأمن القومي الأميركي عُقد لمناقشة تصريحات الرئيس هذه. بات من الواضح أنّ طريقة ترامب غير النمطية في التعبير عن قراراته ورغباته تعتمد على “الصدمة”، ثم التراجع تدريجيًا إلى مستوى التعاطي الممكن مع القرار السياسي المتًّخذ، والذي يتحدّد بالصلاحيات المعطاة للرئيس، في الإطار العام لعمل المؤسسات الأميركية الأخرى.

لم تتغير الاستراتيجية الأميركية الحالية جوهريًا، عن تلك التي كانت متَّبعة في عهد الرئيس أوباما، والمتعلقة بعدم الزّج بقوات أميركية كبيرة في نزاعات الشرق الأوسط، والاقتصار على العناصر التي تقدم المشورة والتدريب وعمليات الدعم الجوي، وذلك بهدف الحد من التكاليف. وللتأكيد على استمرار هذه السياسة، وعد ترامب في حملته الانتخابية بسحب القوات الأميركية من سورية. جاءت معظم ردّات الفعل على إعلان الانسحاب الأميركي حذرةً، بانتظار المزيد من الإيضاحات والمبررات، مع أنّ القرار أغضب الحلفاء، فيما فرك الخصوم والأعداء أيديهم استعدادًا لملء الفراغ، في مرحلة ما بعد الانسحاب المزعوم.

لم يكن قرار الانسحاب الأميركي المرتجل مقنعًا، فعلاوة على بناء العديد من القواعد العسكرية، ثمة عشرات الآلاف من العناصر الحليفة، المنضوية في إطار “قوات سورية الديمقراطية” وغيرها، والتي تعتمد بصورة شبه كلية على الدعم والتمويل الأميركيين، ما يفترض القيام بترتيبات تستبق هذا الانسحاب، بما في ذلك تحديد طبيعة وجنسية القوات التي ستحل مكان القوات المنسحبة. بخلاف ذلك، سيكون الصراع على ملء الفراغ عسيرًا، في بلد تتقاسم السيطرة عليه قوى مختلفة إقليمية ودولية وأدواتها، فضلًا عن فقدان الولايات المتحدة، في هذه الحالة، للدور الذي من المفترض أن تؤديه في محادثات جنيف للحل السياسي، وربما زوال هذا المسار من أساسه لصالح المشروع الروسي- التركي- الإيراني لهذا الحل، عبر مسارات أستانا وسوتشي.

لكن ترامب يريد الانسحاب والتهديد به وتمويل الوجود الأميركي في الوقت ذاته، فيستغلّ الخلافات بين أطراف الأزمة الخليجية، والتي تتنافس فيما بينها لإرضاء الحليف الكبير، ويحاول أن يجمع بينها في سورية، من خلال دعوته للسعودية والإمارات وقطر (الإخوة الأعداء) إلى إرسال قواتها والمساهمة في دفع التكاليف، وذلك حسب ما أوردت صحيفة (وول ستريت جورنال) الأميركية منذ أسبوع. كما نقلت (سي إن إن)، عن مصادر في الإدارة الأميركية، معلوماتٍ تتعلق بوجود مشاورات مع السعودية لتكليفها باختيار القوات التي يمكن أن تحل مكان القوات الأميركية وجنسيتها، وأن مجلس الأمن القومي يبحث في تقديم مكافأة للسعودية بمنحها لقب دولة حليفة رئيسة خارج حلف الناتو، فقد نقل ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، العلاقة مع أميركا إلى مرحلة جديدة، مدعَّمةً بإصلاحات داخلية ليبرالية تسرُّ الأصدقاء الغربيين.

مع ذلك، من شبه المستحيل أن تنجح خطط نشر قوات بديلة، ما لم تبق الولايات المتحدة ممسكة بزمام الأمور في هذه المنطقة، وإلا؛ فستكون مسرحًا لصراعات جديدة من الصعب التكهن بنتائجها، فلا وجود القوات السعودية والمصرية المحتمل سيناسب الأتراك، من جهة، ولا هي قادرة على التعامل مع القوات المحلية ذات الأغلبية الكردية من جهة أخرى، ولو أنها قد تكون عامل اطمئنان للمكون العربي المنقسم حاليًا بين الولاء للأكراد وتركيا.

ويبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل باستمرار الوجود الأميركي بالحد الأدنى على الأرض، مع تأمين السيطرة عبر التدخل الجوي السريع، انطلاقًا من قاعدة أنجرليك التركية أو من القواعد التي يجري بناؤها شرق سورية، على أن يتكفَّل الحلفاء الخليجيون بملء الفراغ الناجم عن انسحاب القوى البرية الأميركية التي تناهز الألفي جندي، أو، على الأغلب، بدفع تكاليف القوات الأخرى التي ستملأ الفراغ، وهي قوات عربية، مصرية على الأغلب، وربما بمشاركة رمزية من دول أوروبية مثل فرنسا.

وهكذا، من غير المرجح أن يقدم الانسحاب الأميركي الجزئي تلك الهدية التي تنتظرها إيران، لا بل أنه سيربك مخططات الحرس الثوري الإيراني للجهاد ضد الوجود الأميركي في الجزيرة، الذي سيتمثل في الأساس كسيطرة جوية، ومن دون قواعد أرضية محددة وواضحة لاستهدافها. كما لا يبدو أن إيران قادرة على التفرُّغ لمثل هذه المشاغل في الوقت الذي يتصاعد فيه التوتر مع “إسرائيل”، التي تصرّ على منع أي تموضع ثابت لإيران وميليشياتها في سورية، ما قد يتحول إلى “حزب الله” جديد، وربما يفضي ذلك الوجود إلى حرب مفتوحة بين الدولتين، واحتمال أن تخرج الحرب عن السيطرة في هذه المرحلة التي يسودها التوتر الشديد في العلاقات الأميركية- الروسية.

تنظر تركيا إلى هذه الخطوة الأميركية، بعين الريبة، لا سيّما أن القوات البديلة ستتمركز على الشريط الحدودي مع سورية، وبالتالي ستكون عائقًا أمام المشاريع التركية للسيطرة على هذه المنطقة، بطريقة مباشرة، أو من خلال حلفاء محليين، أو بمزيج من هذه وتلك، كما فعلت في عفرين، ومثلث (جرابلس- إعزاز- الباب)، وأن أكثر ما تطمح إليه، سواء أكان ذلك قبل الانسحاب الأميركي أم بعده، هو الوصول إلى اتفاق ما حول منبج، يُبعد عناصر حزب الاتحاد الديمقراطي إلى شرق الفرات.

الروس، وهم المفترض أن يكونوا أكثر حماسًا لإعلان الرغبة الأميركية بالانسحاب من الجزيرة السورية، لم يظهروا الكثير من الاهتمام، ظاهريًا على الأقل، مع أنهم تحدثوا مرارًا عن الوجود الأميركي غير الشرعي في سورية، لا سيّما أنهم الطرف الرئيس المعني بهذا الموضوع، كونه يزيل العقبة التي تحول دون تنفيذهم للحل السياسي الذي يريدون، بالتعاون مع الحليفتين الإقليميتين: تركيا وإيران.

في خضمّ كل هذه الصراعات والتجاذبات، تبقى مصلحة السوريين في استعادة مسار جنيف السياسي ذي المرجعية الأممية، وجدولة انسحاب كل القوى الأجنبية من سورية، إلى جانب تبلور بديل سياسي يمكنه التعامل مع كل هذه التغيرات بحنكة، وهذا لن يحدث من دون تخفيف التوتر في العلاقات الدولية، والذي وصل إلى مرحلة حرجة في مجلس الأمن. بانتظار ذلك، يستمر السوريون في دفع الأثمان الباهظة.